المجتمع المدني الفلسطيني تم ترويضه بامتياز

حجم الخط
لا نستطيع تفسير واقع المشهد الفلسطيني بشكلٍ دقيقٍ، فالاجتهادات في الحقل السياسي والاجتماعي أصبحت كثيرة، أوصلتنا أحداثها إلى درجة من التناقضات، واللامعقول، والمجهول. نتساءل أكثر من مرة كفلسطينيين لماذا نفشل دائماً، ونحن أصحاب تاريخ نضالي زاخر؟!، ولماذا لم نستطيع التقدم بالقضية الفلسطينية خطوة كبيرة؟! لماذا لا نستطيع حتى الآن تحديد أدواتنا الحقيقية والجدية للنضال ونحن أسيادها؟!، لماذا ننجر للثانويات وتثير انتباهنا أحداث مؤقتة تبدأ بسرعة وتنتهي بسرعة وكأنها مقطع قصير من فيلم قديم كلاسيكي ممل تكرر أكثر من مرة!!. صحيح أن تجربة الاحتلال الصهيوني المريرة على مدار أكثر من أربعة وستين عاماً لا يمكن أن نساويها بتجارب شعوب أخرى احُتلت أراضيها، كالتجربة الفيتنامية، والصومالية، والجنوب أفريقية، على اعتبار أن الظلم الذي تعرض له شعبنا الفلسطيني وما يزال، أعظم وأكبر من مقارنته بأي تجربة أخرى. لكن هذا بالتأكيد ليس مبرراً لانحسار النضال الفلسطيني في أدوات بسيطة وغير عملية لم تثمر حتى الآن عن أي مكسبٍ صافٍ، في ظل غياب الجماهير الشعبية الفلسطينية التي تم أسرلتها وحجزها إما من خلال أزمات اجتماعية مستمرة صنعت لها، أو من خلال قيام بعض المؤسسات الأهلية الدخيلة بسرقة وتقمص دورها، عبر اتباع وسائل نضالية هزيلة مسالمة وسلمية، هي أقرب ما تكون حلول سحرية لتفتيت الجهد الفلسطيني ضد الاحتلال، وفي تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية بحتة قضية فقر... وبطالة .... وجوع... ومرض.... وفوضى أمام عتبات الصراف الآلي ...إلخ وهو ما نراه الآن للأسف. لا يجب الهروب من الحقيقة المُرة التي تقول أننا رغم تقديمنا آلاف الشهداء والجرحى والأسرى على مذبح الحرية، ورغم عدد من الإنجازات المتفرقة في بعض فترات المواجهة مع الاحتلال، إلا أننا فشلنا فيما نجحت في تحقيقه بعض دول العالم، التي انتصرت رغم خسارتها البشرية والبنى التحتية الهائلة. لو تابعنا التاريخ الفلسطيني المعاصر منذ بداية الاحتلال البريطاني لفلسطين وحتى الآن، سنجد أنفسنا أننا لم نستخلص العبر من الأزمات التي تعرضت لها القضية الفلسطينية، والتي للأسف تكررت وكانت عاملاً أساسياً في استمرار المشروع الصهيوني وتوسعه على حساب قضيتنا الفلسطينية. من تآمروا على ثورة عام 1936، هم أنفسهم من حاولوا جرنا لمربع التسوية بعد الانتفاضة الأولى، وهم من يحاولون الآن حشرنا في زاوية الواقعية، والمقاومة السلمية، وحل الدولتين، لدرجة أننا أخفينا هويتنا الفلسطينية وراء مفردات وليدة في مجتمعنا الفلسطيني مستقاة من العالم الخارجي الذي لا يريدنا أن ندير أزمتنا الفلسطينية من خلال شعار ثابت " مقاومة الاحتلال مشروعة بكافة الوسائل"، بل من خلال شعار بديل " مشروعية مقاومة الاحتلال بالوسائل السلمية اللاعنفية المتاحة" . غياب الفاعلية الكاملة لأبناء شعبنا الفلسطيني عن المشهد الفلسطيني الحالي، وعدم تأثيرهم فيه، ليس نابعاً فقط عن اختطاف فئة المصالح لقضيتنا، أو مجموعة من الأشخاص أو الفئات الشابة لأهداف خبيثة يتم بلورتها في دروس محو " الأهداف الجذرية" التي تجري على قدمٍ وساق داخل فصول مؤسسات المجتمع المدني، بل نابع عن أزمة حقيقية في النظام السياسي الفلسطيني خلقتها الفصائل الفلسطينية كافة. الفلسطينيون على مفترق طرق، إما أن تظل قضيتهم تراوح مكانها بدون أي إنجاز حقيقي على الأرض، أو تغيير كامل في منهجية النضال، عبر طرد مجموعات المصالح وتجنب أفكارها الخبيثة، ومن ثم الدفع بكل الطاقات الشبابية والشعبية في مواجهة الاحتلال بكافة الوسائل، ليس طبعاً بالحب واللاعنف، والسلام، وببركة مؤسسات ووكالات التنمية التي تعبث بنا، بل بطاقات شعبنا الفلسطيني كله، فالحق يؤخذ بالذراع وبالقبضة وبالرصاصة وبالبندقية والصاروخ، وبالمقاطعة، والثقافة الوطنية، والمواجهة الشاملة مع الاحتلال في كافة أماكن تواجده وليس باقتباس أفكار ووسائل يمكن أن تكون ناجحة ان تم استثمارها بطريقة أفضل مما تسير عليها الآن، خاصة وأنها مبهمة في بعض تفاصيلها، نتساءل عن سر الطريقة المشتتة ذات العامل الزمني القصير في أغلب تحركاتنا ضد الاحتلال خاصة في الضفة الأخيرة والتي تبدو أنها متعمدة وتخبو بسرعة، بدون أي جهد لتعميم هذه التجربة لتكون شاملة في جميع المواقع والاتجاهات وتأخذ بعين الاعتبار استمرار العامل الزمني الدائم. السؤال المطروح مرة أخرى لماذا نستهوي جميعاً السير على ذات الأسس التي تستهدف ترويضنا وحشرنا داخل مجموعات إنكارية لفكرة المقاومة والتحرير والحرب الشعبية والحركة الوطنية الفلسطينية، أليس اقتصار تلك الأعمال العشوائية الممولة على مجموعات معينة، واستثناء الجماهير الشعبية العادية إلا دليل على أن الأزمة المستفحلة هي أزمة مجتمع مدني تم ترويضه بامتياز؟!! ما سر عزوفنا عن التحرك بشكل جماعي وبهذا التضخيم الإعلامي من أجل نصرة الأسرى مثلاً هذا يطرح علامات استفهام كثيرة. ولكي نجيب عن الأسئلة السابقة المذكورة، علينا في البداية نقد الذات وتوجهيها للصالح العام بعيداً عن الإيثارية وحب الظهور، وإدراك أن خلط بعض التفاصيل وإظهارها على أنها الثابت الوحيد هو خطأ، كمحاولة حصر نشاط أفكارنا داخل خيم لجوء، نحن نعرف تماماً أنها تفرق عن خيمة اللجوء والتشرد. فخيمة عن خيمة تفرق. وأهداف عن أهداف تختلف، نستطيع من زجاجة مولوتوف واحدة يضربها شاب فلسطيني على جيب لجنود الاحتلال أو سيارة للمستوطنين أن تنجز أكثر من أي وسيلة ممولة. نحن بحاجة ماسة لإعادة ترسيخ الطابع الشعبوي في مواجهة الاحتلال، وإعادة تأسيس بنيتنا المؤسساتية الرسمية والمجتمعية على أساس ثابت وليس برامج الممولين.