جهاد العبيدي.. في قاعة الأفراح حضرت لفتا

حجم الخط
لقرية لفتا خصوصية بين مدن وقرى فلسطﯿن المحتلة. ﯾتسم أھلھا بالثراء منذ ما قبل النكبة، وبالتعليم العالي، وبالحيوية. لدﯾھم أحد أجمل اﻷثواب الفلسطﯿنية. وقد كتبواُ كتباً عن قرﯾتھم وحياتهم. حضرُت كثيراً من أنشطتھم ومناسباتھم اﻻجتماعية والثقافية والفنية في عّمان. وربما كانت لفتا اﻵن ستكون واحدة من أثرى وأرقى ضواحي القدس، في الطرﯾق إلى حيفا ويافا. عندما توّجھت لحضور حفل تكرﯾم المحرر جھاد العبﯿدي في صالة للأفراح في البيرة، ﯾوم الجمعة الماضي، لم ﯾخطر ببالي أّنه ابن لفتا. لعل اسمه أوحى لي أّنه من العبيدية. وجدُت أّن من ﯾنظم الحفل ھي جمعية أھالي لفتا. كيف ﯾكون الخارج من الُجب بعد ربع قرن؟ ربع قرن ليست زمناً طوﯾﻼً؛ إنه فقط من زمن اﻻنتفاضة اﻷولى، العام 1988. والخلﯿة شابات وشباب من الجبھة الشعبية لتحرﯾر فلسطﯿن، والعملية الفدائية في القدس القدﯾمة، وھو ابن 21 عاما. عند خروجه، كانُ ﯾرﯾد رفع علامة النصر للعالم. احتضنته أّمه، وقّبلته. الباصات محّملة تنتظره، وثمة وجوه كثيرة. فوجئ أّنه بينما يعانق اﻷحبة، ﯾعانق من لم ﯾره منذ خمسة وعشرﯾن عاماً. ترك بعضھم أطفاﻻ، كبروا، وأصدقاء كبروا، وأناسا تربوا ﯾسمعون سيرة جھاد ولم يعرفھم. فوجئ أّنه بينما ﯾفعل ھذا ﻻ ﯾستطيع تحوﯾل أنظاره عن أّمه، ماذا تفعل؟ وماذا تقول؟ وكيف تصمت؟ لماذا ﯾبكي الناس وﯾضحكون في الوقت ذاته عند لقاء حبيب؟ ھذا ما رأﯾُت طفلاً في الثانﯿة ﯾقوم بھ عند رؤية أمه العائدة من سفر. لفتا، على بعد خمسة كليومترات غرب القدس، ليست بعيدة جدا عن سلوان الملاصقة للقدس القدﯾمة من جھة الشرق، حيث لجأت عائلة جھاد. أصاب لفتا التروﯾع عقب مجزرة دﯾر ﯾاسين القرﯾبة، وبقي بعض أھلھا فيها رغم رعب المجزرة، ورغم إطﻼق النار عليها وقتل بعض أھلھا، وُأفرغ الجزء الغربي منھا. لكنھا ربما أكثر القرى التي بقيت فيها بيوت قائمة، رغم ما ھدم وخّرب! ولم ﯾتم إسكان ﯾھود، ولم تبن بناﯾات حدﯾثة مكان العربية فﯿھا؛ وإن بني الكنيست، ومحطة باصات على أرضھا. في حالة بيت دجن قرب ﯾافا، مثلا، قام طبيب القلب د. أﯾمن حمودة، ابن القرية، بعملﯿة مضنية؛ إذ أحضر أھالي القرية الباقين من النكبة، وخبراء خرائط، واستعانوا بالتقنيات الحدﯾثة، فرسموا ما كان ﯾقع في مكان كل مبنى حالي بناه الصھاﯾنة في القرية. مثل ھذا ليس ضرورﯾا في لفتا؛ ﯾمكن لكثير من أبنائھا ممن ﯾجدون سبيلا لھا أن ﯾروا بيوتهم أو بقاﯾاھا، وأن ﯾروا "الطابون" وﯾستحضروا رائحة خبز أمھاتھم. ولد جھاد بعد النكبة. احتار أﯾا من الشھداء ﯾبدأ بزﯾارتھم عقب إطﻼق سراحه؛ ھل ھو اسحق مراغة، أحد أبطال إضراب سجن نفحة اﻷسطوري عن الطعام، العام 1980، والذي استشھد بعد وضع "الزندة" في أنفه وفمه ﻹرغامه على التغذية، فوصل الماء والملح رئتيه؟ كان جھاد ﯾرى في ميلاد عياش، ابن شقيقته، روح عنفوان شبابه المبكر. كان ميﻼد ﯾخبر أمه أّن خاله سيزور بيتهم قبل أي بيت إثر خروجه من المعتقل، فقد اعتقل منه. ولكن جھاد ذھب أوﻻ إلى قبر ميلاد الذي استشھد العام 2011. في قاعة اﻻحتفال، حضرت لفتا. آﯾات قرآنية، وبسملات، وخطاب دﯾني من قبل بعض المتحدثين، وزفة شامﯿة من الدراما السورية، وسط دبكات ورقصات صباﯾا وشباب ﯾزفون جھاد ابن التنظﯿم اليساري بالعلم الفلسطﯿني على أنغام فرقة كشافة تولت تنظﯿم الحفل، وأّمه معه على المسرح، والرفاق والرفيقات حاضرون. والكل ﯾخاطبه بألقاب "عميد أسرى ومحرري لفتا"، و"صقر المقاومة". لفتا على مرمى حجر، وميلاد تابع درب جھاد، وجھاد تابع درب ابن سلوان اسحق مراغة، وجھاد عاد وقّبل أخته أم الشھﯿد ميلاد، وﯾتحدث عن الغد اﻵتي. العام الماضي، أوقفت المحكمة اﻻسرائيلية، بعد حملة احتجاجية، بيع أجزاء من لفتا لشركات ومقاولين لبناء شقق ومتحف وفنادق، ولكن الخطر قائم. ﯾبكي اﻹنسان وﯾضحك عند لقاء الحبيب الغائب، ﻷّن البكاء ﯾلخص ألم الفقد والغياب، والضحك ﯾلّخص لحظة اللقاء