لو أردنا أن نختصر القصة لأوجزناها بأربع كلمات : " لقاء ، صداقة ، حب و فراق .. " و ما يجبرنا على الإطالة و يُبعدنا عن الإيجاز أن بين الكلمة الأولى و الأخيرة كانا يتأرجحان على صراط الحياة يخشيان الوقوع في براثن جحيمها و يأملان أن تمُنّ عليهم بعبورٍ آمنٍ إلى نعيمها ..
لا أعرف ما الذي جعله يطرق بابي موقناً أنني في الداخل و أنني لاجئةٌ لا ترد من يطلب اللجوء لخيمة جنونها و مظلة قلمها .. أتراه اشتمّ عشقاً يفوح من حروفي كما تفوح مزارع الدراق بثمارها ، أنا المرأة التي كانت تعيش على الحبوب الفاتحة للشهية و باتت اليوم تتناول رجلاً تعثّر به قدرها فاتحاً لشهيتها للحياة .. أم تراه شاهد الحزن يرتع في مراعي أبجديتي فانتخبني مؤرخة لحزنه في زمنٍ الكل فيه يذهب دون عودة و لا يأتي أحد إلا الموت و كسوف الشمس ..
عن ه / ها .. عن ي / ك .. عنّ ا / هم سأكتب و أريق عذرية الورق الأبيض نكاية بمجتمعٍ يتسلى بإراقة أحلامنا و طموحاتنا و حبنا على مذبح العادات و التقاليد غير آبه بالقتل اللأخلاقي الذي يجرمه بحق أبنائه و ما يهدمه في داخلهم هم الراغبين في إحيائه ، إعماره ، بعثه و قيامته ..
سأكتب عن السجاد الأحمر الذي فرشاه لاستقبال السعادة و إذ بالحزن يفترشه .. يطأه بأقدامه المتسختين من كثرة تجواله بيننا .. يبول عليه و يتغوط .. ليدركا ككل العاشقين كم هو الحب ملعونٌ في هذه الأوطان و كم شقيٌ هو الفرح هنا ..
سأكتب عن " الأب " الذي يقول " لا " دون مبرر أو سبب أو أدنى محاولة إقناع بتلك ال " لا " سوى سلطة و سطوة أنه " أب " .. و عن الأم التي تعتقد أنها أدرى بالمكتوب لأبنائها في لوحهم المحفوظ فتتكفل بصنع حياتهم .. لآبائنا و أمهاتنا أقول : نحن أبناء الحياة لا أبناءكم .. دعونا نجرب ، نتعلم و نتألم لنصنع حياتنا بخيباتنا و أفراحنا .. بِرّونا كي لا نُعِقّكم ..
في الفصل الأول من الحكاية و في الفصل الأخير سأكتب عنه .. ثائراً هو كاسمه ، في حياته و حبه و عمله .. رافضاً لقدرٍ مسبق الصنع معروضاً في السوق له و لحبيبته .. في حديثك معه تشم الياسمين الذي نذر عطره للمارة ، و ترى فيه صبّاراً ضرب بجذوره في صحراء الحياة راضياً بقليلٍ من كل شيء فيها إلا الحب ، فلا يرويه منه حتى الكثير الكثير الكثير ... حاولتُ أن أسقيه حكمتي أنا المبحرة في بحر الجنون بلا شراع و لا بوصلة فكان جواداً جامحاً لا يكره الإبحار لكن جنونه بريٌّ يعشق مهرةً يضنيه مجيئها و ذهابها المباغتين كالمطر ... و لا يملك إلا أن يقدم صلوات استسقائه علّ غيومها تمطره شغفاً ..
في الفصل الأول و الأخير لا بد أن أكتب عنها .. الطفلة المرأة .. هي طفلةٌ على مرضٍ فتك بذاكرتها فأنساها الكثير لكنه أبقى في زاويةٍ منها اسمه و هاتفه و صوته لتستجديه في ساعة العُسرة ، أما أقسم لها أن يبقى معها في السراء و الضراء و الصحة و المرض ، هو معكِ و لكن بينكما من الحواجز ما لن يحطمه جنونكما ... و امرأةٌ هي وقفت في وجه الريح و لم تفعل ما قد يفعله غيرها " تسد باب الريح و تستريح " بل تمردت و رفضت ، و مازلتُ أصلّي لتبقى ممتلكة لقوة الرفض طويلاً إن كُتِب لها الشفاء لا الشقاء لكليهما..
في هذه الحكاية لا بد أن أعترف بأني لستُ قاصّة بل مجرد طفلة تخربش على حيطان الحياة فترسم مرةً قوس قزح و مرةً قرصاً أصفر كبير ربما هو رغيف خبز ليأكله كل الجائعون فلا يبق منهم أحد ، أو ربما شمساً تنير الأرض التي رضعت حبها و مازال الظلام سرمدياً فيها ..
لابد أن أعترف أنني لا أمتّ للعاشقَيَن البائسَين بصلة قرابة لكن لي قرابة بدموعهم و ألمهم .. بسهرهم و لهفة عناقهم .. بخفقة قلوبهم و اشتياق عيونهم .. لي قرابةٌ بالحب تجعلني أقف بصفه و أصوّت له و إن كان فيه موتي ...
لابد أن أعترف بأن آباءنا قد يكونون على حق لكننا مفطورون على التجريب و نريد أن نختبر الحياة و نثمل بسُلافها لا بالخمرة التي عتّقوها هم من كرومها ليوفروا علينا تعباً و همّاً و حزناً...
لابد أن أعترف أن الحياة لا توقف عجلتها لرحيل أحدنا لكنّ فراق من نحب موتٌ صغير يتركنا قاب موت و احتراق .. و لا يساعدنا على الاستمرار بعدهم إلا بقائهم احياء في داخلنا ..
له .. هي قد تتزوج و تنجب أطفالاً لكنها ستتعثر بحبك لها دوماً ..
لها .. هو قد يتزوج و ينجب لكنه سيرى الشمس تشرق دوماً من بسمة طفلته التي قد تحمل اسمك ..
لكم .. الأرض بلا حب كبير لا تدور .. لا تدور ..