هل ما يجري مصالحة وطنية , أم مناورة سياسية ؟!

حجم الخط
عقدت الجولة الأخيرة من مباحثات المصالحة في القاهرة , وشاركت فيها مختلف الفصائل الفلسطينية إلى جانب الرعاية من الدولة الشقيقة مصر , فإلى ماذا أفضت المباحثات ؟ وهل تجاوزت فتح وحماس قطوع أزمة الخلافات في كل شيء, وعلى أي شيء , رغم الحديث الجميل عن قطع أشواط , والتقدم بخطوات حثيثة نحو المصالحة الوطنية . يقال في المثل الشعبي الفلسطيني " اللي في الطنجرة بطلعة المغرفة " , فماذا في الطنجرة , وهل أخرجت المغرفة شيئاً بعدما استبشر الشعب الفلسطيني خيراً من المناخات الناعمة المستولدة ما بين طرفي الرحى في أزمة خلافات فتح وحماس , على ضوء ما حدث من تطورات هامة في الحرب الأخيرة على غزة , وحصول فلسطين على مقعد دولة غير عضو في الأمم المتحدة , و انعقاد المهرجانات في كل من الضفة لحماس , وغزة لفتح , وابتهاج الفلسطينيون , بأن الأزمة قد عدت , إلا أن واقع الحال يقول بعكس علو المزاج الإيجابي عند الجماهير الشعبية الفلسطينية والتي تسعى وتحرص وتحرض على مخرج من قطوع الأزمة والخلافات المستعرة ما فوق الطاولة , أو من تحتها وهذا منذ ما سُمِيَ الحسم العسكري في غزة من قبل حماس في 14 / تموز / 2007 م وحتى الآن . حلو الكلام , وفصاحة وبلاغة الخطابات والبيانات من كلا طرفي الأزمة لا يخفي , أن المغرفة قد أخرجت من ( المأخوذة الطنجرة ) الكثير من الحصى والبحص , فيبدو أن العملية السياسية الجارية على هذا الصعيد , ليست أكثر من عملية إدارة أزمة العلاقات ما بين حماس وفتح , وليس حل أزمة الخلاف حول الشأن السياسي الوطني الفلسطيني , بما يوصل لجمع الشمل , وتفعيل ما اتفق عليه , ووقّع عليه الجميع , وهي وثيقة الأسرى للوفاق الوطني , فيبدو أن الأطراف النافذة في الخلافات , مازالت تتلكئ لحساباتها الخاصة , أو لحسابات إقليمية ودولية تذر قرنها في الشأن الفلسطيني , وربما ما أشار له الأخ عزام الأحمد في مؤتمره الصحفي بعد مباحثات القاهرة الأخيرة عن التعارض والتباين ما بين تصريحات من الأخوة في قادة حماس , حول وجود ضغوط دولية بين من يؤكدها , وبين ما ينفيها جملةً وتفصيلاً لأكبر دليل على الاضطراب السياسي , وانعدام المصداقية , إن عزام الأحمد رئيس وفد فتح للمصالحة أكد في مؤتمره الصحفي السابق , أن لا صحة لإشاعة أجواء عدم التقدم في المباحثات , وأن هناك روزنامة محددة يجري الانضباط لها بدءً من تسجيل أصوات الناخبين في غزة ووصولاً إلى التباحث حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الأخ أبو مازن , وأن بعض قادة حماس والذين يروجون عن عقبات , أو عدم تقدم , لا يقدمون الحقيقة للشعب الفلسطيني التواق للمصالحة الوطنية وصولاً إلى الاتفاق على البرنامج السياسي للحكومة العتيدة , تأمين أجندة نضالية فلسطينية موحدة قادرة على التعاطي مع المتغيرات والتطورات المتلاحقة في المنطقة والإقليم . إن رفع العمى السياسي , أو التعمية السياسية في موضوع حساس كموضوع المصالحة الوطنية , والوحدة الوطنية , مسألة لا تتطلب التردد , أو الانكفاء , ليس الموضوع لله فالله " يا عالم , يا فلسطينيون , إن القضية الفلسطينية بخلافاتكم , أضحت في آخر سلم الأولويات الإقليمية , وحتى الدولية , والدلائل عن ذلك أكثر من أن تحصى , فهل كانت التسوية مثلاً ( رغم كل التحفظ عليها ) , حاضرة في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة , أم كان الاستيطان وتهويد ما تبقى من القدس , ومصادرة الأراضي والحديث عن انهيار السلطة هم الضيوف الكرام على طاولة الناخب الإسرائيلي , وماذا عن المؤتمرات الإقليمية , والدولية , ماذا عن حضور المسألة الفلسطينية فيها , هذا من جانب من جانب آخر , هل من المعقول , أن تحدث أزمة , بل كارثة للوجود الفلسطيني في الدولة الشقيقة سوريا , بما آلت إليه أوضاع ثلاثة عشر مخيماً فلسطينياً , وعلى رأسها مخيم اليرموك عنوان الكيان السياسي والمعنوي للفلسطينيين , وقيادة م.ت.ف وفصائلها المحترمة , وقيادة حماس والفصائل الأخرى تقف عاجزة عن إيجاد حل , مخرج ل ( 650 ألف فلسطيني في سوريا ) , وحتى زيارة وفد اللجنة التنفيذية الأخير إلى دمشق , عما أسفرَ ؟ هل أحدث تقدماً في كارثة الوجود الفلسطيني في سوريا , بل أن الوضع يمضي نحو التفاقم والاستفحال ؟ إن جذر كل مظاهر العجز , والضعف , وحالات الاستخذاء السياسي في الشأن الفلسطيني , وصولاً لفقدان الثقة , وغياب المصداقية سببها الانقسام , والخلافات , و الانزياحات في الولاءات أن تكن للحسابات الخاصة , أو غيرها من الحسابات الإقليمية والدولية . إن الولاء لفلسطين أولاً , وثانياً , وثالثاً وأخيراً , بما يعني طغيان الحساب الفلسطيني على ما عداه من حسابات هو الأساس , فلا دولة بدون وحدة , ولا عودة بدون وحدة , ولا تحرير بدون وحدة , والوحدة الوطنية والمصالحة السياسية والمجتمعية ولحمة وسائل النضال الفلسطيني لتصب في بوتقة واحدة , واتجاه أهداف واحدة هي المقوم الأول والأخير لإنجاز أهداف الشعب الفلسطيني العليا بالحرية والعودة , والدولة المستقلة , فإن كان البعض يتوهم أنه قادر على تحقيق شيء بغير مقوم المصالحة الوطنية , والوحدة الوطنية ويغرق نفسه والآخرين في متاهات , ومناورات السياسة , والدبلوماسية معولاً عليها , فإن جوابنا له , دعونا من سياسة در الرماد في العيون عبر الأوهام , فوعود أوسلو وما تلاها من وعود في اتفاقيات ذهبت أدراج الرياح , فوعودهم كما يقال على ( الوعد يا كمون ) , لا وقت لإضاعة الفرص , ونثر الأوهام , المصالحة الوطنية , والوحدة الوطنية هما خشبة القفز الوحيدة للأمام .