بضعة أشهر فقط مضت على تسلم حزب الحرية والعدالة في مصر،وحركة النهضة(بوجود حليفيها الآخرين )في تونس للحكم ,ومن ثم بدأت تتفاقم الأزمات في هذين البلدين.من الطبيعي أن يحصل ذلك،فالحزبين الإخوانيين في البلدين لم يمتلكا برنامجين لتغيير النظامين،الحراكات الجماهيرية في كل من تونس ومصر كانت عفوية بامتياز.الحزبان الإخوانيان لم يكونا في وارد التغيير الجذري في البلدين،بدليل أن حزب الحرية والعدالة شارك في الحراك متأخراً،وقبل الحوار مع ممثل مبارك،نائب الرئيس عمر سليمان.الحزبان ركبا موجة الحراكات،لذا من الطبيعي في الانتخابات أن يحصلا على نتائج أفضل من كل القوى السياسية الأخرى بسبب قوة تنظيمهما مقارنة مع الأحزاب الأخرى،وامتدادهما التاريخي لسنوات طويلة إلى الوراء،ولأنهما يعزفان على الوتر الإسلامي.كل ذلك ساهم في تحسين نتائجهما على صعيد الشارع الانتخابي.الحزبان لم يمتلكا برامج لتحويل الحراكات إلى ثورة بالمعنى الردايكالي لمفهومها،ولا غيرهما امتلك البرامج،بالتالي فالحراكات غلب عليها الطابع العفوي،ولم تتحول أي منهما إلى ثورة .هذا هو سبب أول أدخلهما في طريق المأزق.
الحزبان الإخوانيان وبعد نتائج الانتخابات وقعا في مرحلة تخبط أيديولوجي-سياسي،بين الانشداد إلى مواقف لهما في المعارضة , وبين احتياجات السلطة وتساؤلاتها والتجديد في مسلكيتها،فإما الاستمرار في سياسة النظامين السابقين ,وهذا الطريق الأسهل وإما الاستناد إلى الخلفيات الفكرية-السياسية والتجديد.الولايات المتحدة والدول الغربية التقطوا لحظة التخبط هذه،وجرت مباحثات واتفاقيات عديدة لهما مع واشنطن،تم بموجبها تحديد النهج المقبل للسلطتين.بالتالي لم يشعر سواء المواطن المصري أو التونسي بأن جديداً اختلف مع السابق:نهج سياسي متوائم مع النظام المخلوع السابق،نهج اقتصادي أدخل البلدين في أزمات اقتصادية متفاقمة ومتلاحقة,يدفع أثمانها الفقراء في كل من البلدين.هذا ثاني أسباب الدخول في المأزق.
ثالث أسباب الدخول في متاهة المأزق:أن الجديد الذي طرحه الحزبان:هو الاستحواذ على السلطة،وإقصاء كل القوى السياسية الأخرى, وأخونة البلدين،واعتبار كل الآخرين أصفاراً في المعادلة السياسية واعتبار ذات الحزبين هما المؤهلان والمرجعيان للسلطة في كل من البلدين .هذا جرى بطريقة اعتباطية فوقية بعيداً عن محاولة إشراك الآخر في السلطة،وبذلك تقوقع الإخوان في إطاريهما التنظيمين, الأمر الذي حرمهما من رؤية الآخر،وتلمس طبيعة الإشكاليات السياسية والاقتصادية التي تجرى في كل بلد،وهو ما أدّى إلى الدخول في المأزق.
رابع الأسباب:محاولة فرض الحل الإخواني في التعامل مع القوى السياسية ,وجماهير البلدين , المعتمد على الحلول الأمنية،البعيدة عن أي حِّس ديموقراطي , ذات الجوهر الدكتاتوري،ولذلك كان هذا العدد من الضحايا في مصر،وفرض نظام الطوارئ في مدن القناة،وإنشاء روابط حماية الثورة في تونس, بإشراف حركة النهضة،والاعتداءات الكثيرة على ممثلي ومقرات القوى السياسية ،ومقرات الاتحاد التونسي للشغل،وتم تتويج هذه الاعتداءات باغتيال المناضل اليساري التونسي شكري بلعيد الأمين العام لحزب الوطنيين الديموقراطيين الموحد وأحد مؤسسي الجبهة الشعبية في تونس.القوى الديموقراطية واليسارية التونسية وجهت أصابع الاتهام إلى حركة النهضة،سواء أجاء الاغتيال بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
لكل هذه الأسباب دخل الحزبان اِلإخوانيان في كل من مصر وتونس في مرحلة المأزق،الذي يبدو في حقيقته صعباً،ويطال بنية الحزب في كل بلد،فقد سبق لحزب الحرية والعدالة وأن تعرض لانشقاق،وكما يبدو فإن نفس الشيء سيطال حركة النهضة،فإصرار القيادي فيها حمادي الجبالي على تشكيل حكومة تكنوقراط بالرغم من وجهة نظر الحركة وزعيمها راشد الغنوشي الرافضة لذلك،ربما سيعرض الحركة إلى انشقاق أو إلى ظهور تناقض رئيسي فيها.اغتيال بلعيد كان بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير في تونس،فما يزيد عن المليون شخص شاركوا في جنازته رغم الحالة الجوية السيئة،وعمّت المظاهرات غالبية المدن التونسية لتلقي الأضواء على المآزق العديدة في تونس.كذلك شكّلت الأحداث والحراكات الجماهيرية الأخيرة القشة التي كشفت مأزق الإخوان في مصر.لذا فإن الأزمة الإخوانية في كل من البلدين هي بنيوية من حيث الجوهر, وتتمظهرفي أشكال عديدة سنتطرق إلى أبرزها:
المأزق السياسي:في مصر لا شيء سياسياً جوهرياً قد تغيرمقارنة بين سياسات حزب الحرية والعدالة التي ينتهجها في الحكم وسياسات كل من الرئيسين السابقين:مبارك والسادات،سوى أن الجديد يأتي من خلال إلباس هذه السياسات ثوباً دينياً،أكان ذلك على الصعيدين:الداخلي أو الخارجي،فالموقف من إسرائيل هو ذات الموقف.كذلك من اتفاقية كمب ديفيد،ومن الولايات المتحدة والدول الغربية،وجرى استبدال التحالف العربي المحوري القديم بتحالف آخر جديد تدخل تركيا طرفاً رئيسياً فيه.الأزمة السياسية في مصر تتفاقم يوماً بعد يوم،والتناقض مع الأحزاب والقوى الوطنية القومية والديموقراطية واليسارية الأخرى مرشح للسير في طريق التناقض التناحري،وكذلك هو مع فئات وشرائح عديدة من الشعب المصري،بدليل:هذه التظاهرات العديدة المستمرة والتي تقوم في مختلف المدن المصرية ضد الرئيس مرسي وسياساته سواء بالنسبة(لسلق) الدستور أو كل القضايا الأخرى.لا ننسى أن حزب الحرية والعدالة عقد تحالفاً مع الرئيس المغتال السادات،الذي استعمل الإخوان وقوّى من شوكتهم لضرب القوى الديموقراطية واليسارية وزملاءه في مجلس قيادة الثورة.لذا كان من الطبيعي أن يقوم مرسي بزيارة ضريح السادات وأن ينعم عليه بالنياشين.الجديد أيضاً على صعيد السياسة في مصر:هو محاولة محو تراث الرئيس الخالد جمال عبد الناصر فهو المتهم من قبل عصام العريان"بطرد –أي تهجير –اليهود المصريين ومصادرة ممتلكاتهم"،لذلك يطالب العريان بإعادتهم.الرئيس مرسي أصدر قراراً رئاسياً بسحب ضريح الزعيم الخالد من مسؤولية الرئاسة وتسليمها إلى الجيش،وأمر بسحب مقتنيات الضريح،وسحب من يقوم بالإشراف عليه.الإخوان لم يطيقو عبد الناصر حياً ,ويحاولون كما حاولوا سابقا اغتياله شخصيا او تراثا ولا يتحملونه ميتاً،ويريدون محو آثاره وكأنه لا شغل أمام الرئاسة سوى هذه القضايا.
في تونس:فإن الزوبعة التي خلّفها اغتيال المناضل بلعيد ما زالت تتفاعل وتتفاقم ،سواء من حيث إصرار رئيس الوزراء على تشكيل حكومة تكنوقراط،أو من حيث زعزعة أطراف الائتلاف الحاكم فحزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" حزب الرئيس المنصف المرزوقي أصدر أمراً بسحب وزرائه من الحكومة ثم عدل عن ذلك،ولطالما هدد الرئيس المرزوقي بالاستقالة من منصبه مراراً،والمظاهرات العارمة في المدن التونسية التي تتجدد يومياً في تونس ومطالب احزاب المعارضة وغيرها وغيرها من مظاهر الأزمة(المأزق).السياسات الخارجية كذلك لتونس لم تختلف عن عهد بن علي سوى أن الغنوشي أضاف عليها"بعدم تجريم التطبيع مع إسرائيل وادراج ذلك في الدستور"،كذلك ينطبق التقييم على الموقف التونسي من الدول الغربية.
المأزق الاقتصادي:في مصر مظاهر الأزمة الاقتصادية:ازدياد الفقراء فقراً والأغنياء غنى،القطط السمان استبدلت بأغنياء الإخوان،تزايد نسبة العجز،تفاقم البطالة وغيرها من المظاهر في ازدياد مستمر إلى المدى الذي حدا بخبراء اقتصاديين مصريين وعالميين إلى توقع انهيار الدولة المصرية.مصر طلبت قرضاً من البنك الدولي بقيمة 4 مليار دولار(كانت القروض من وجهة نظر الإخوان وهم في المعارضة حرام بسبب ربوبيتها أما في عهدهم فحلال والربى يسمى مرابحة).البنك يخشى إعطاء القرض(حتى اللحظة) بسبب خشيته من انهيار الاقتصاد المصري وعدم السداد.لا تختلف الأزمة الاقتصادية في مصر في جوهرها ومظاهرها عن الأزمة الاقتصادية في تونس،وهو أحد الأسباب الرئيسية التي أدّت إلى انطلاق المظاهرات العارمة في المدن التونسية،فالأسباب الاقتصادية التي أحرق البوعزيزي نفسه من أجلها،ما زالت قائمة غير أنها تتفاقم. ما قلناه عن مصر وتونس ينطبق في مظاهره الرئيسية على الوضعين في ليبيا واليمن .
مأزق الاستقطاب الطائفي والمذهبي:متشابه المظاهر في كل من مصر وتونس إذ بدأنا نسمع عن التناقض بين السنة والشيعة على صعيد العلاقات مع إيران مثلاً،كذلك عن صراعات خفية معها،والخطر الذي تشكله على الدول العربية،وامتداداتها في الدول العربية , وعن التناقض بين المسلمين والأقباط في مصر وغيرها من القضايا.
إن أراد الإخوان في كل من مصر وتونس العمل على إيجاد الحلول لهذه المآزق والخروج منها وتجنيب البلدين أخطار تداعياتها،فعليهم الابتعاد عن الاستئثار والاستحواذ على السلطة،وإقصاء الآخرين عنها، والعمل على مشاركة هؤلاء في الحكم(فهي قوى لها وزنها الكبير في كل من البلدين)وإنشاء حكومات وحدة وطنية،والأخذ بعين الاعتبار وجهات نظر هذه القوى على الأصعدة السياسية،الاقتصادية والاجتماعية أيضاً،وإلا ستتفاقم هذه المأزق وستؤدي بالبلدين إلى كارثة الاحتراب الداخلي.