الناس في كل بقاع الدنيا ، يموتون بلحظة هي اصغر من طرفة عين، او رفة جناح بعوضة، ويموتون مرة واحدة وللأبد، اما في بلادنا، عفوا قلاعنا ومعاقلنا، عفوا، سجون خيبتنا وتقاعسنا، فالناس يموتون مئة مرة في اللحظة، وفي كل لحظة يستمر الموت اياما وشهورا، وحين يموت الواحد منا ،نترحم عليه وندعو الله ان يشمله بمغفرته ويسكنه فسيح جنانه، وان كان المفقود شهيدا، نتسابق في التغريد لة ولذوية، وبالوعيد والتهديد لقاتله، ونصدق انفسنا، ثم نعود الى بيوتنا ومشاغلنا وكأن شيئا لم يكن.
وقد يخرج علينا احدهم –اقول احدهم احتراما لكثرتهم- ببيانات التنديد والشجب والاستنكار، من القائد الصنديد والرعديد الذي يحمل مقياس (ريختر) بكلتا يديه، كي يزلزل الكيان على الدرجة العاشرة او العشرين، ويطلع اخر بلسان اطول من عمر قضيتنا محمولا على اكتف وطنجية المرحلة صادحا صارخا بشعارات طنانة عن روح التضحية والعطاء ومن حولة طبول ومزامير وايقونات الزور يدعون لة بطول العمروالبقاء.
وينتهي المشهد ولا يتكرر، الا في المناسبات الوطنية ومهرجانات الانتخابات والمزاودات أو اذا حضر شهيد أخر. لكن احدا لن يجرؤ على تقديم حساب مكشوف لما يفعله الان او ما فعله سابقا، لكنهم جميعا –الا من رحم ربي –يعدوننا بجنة الله على الارض،وبأرض تنبت ثوارا وشهداء وياسمين، وبسماء تمطر أرزاً وسكرا وقد يتطرف احدهم ويعدنا ببيض من السماء بصفارين، بعد ان اصفرت وجوهنا عندما تخطت كرتونة البيض حاجز الخمسة وعشرين شيكل.
فلكل تجمع سياسي (هم على قدة )يهرب منه راغبا او مكرها، فهذا الفصيل يتغنى بشهدائه، الذين قضوا على درب التحرر، وذاك بأسراه الذين فنيت اعمارهم وامالهم في وطن حر كريم، والأنكى من ذلك كله،ان نتغنى بعدد السنوات خلف القضبان او بعدد ايام الاضراب التي يخوضها الاسرى الميامين وكأن الامر يحدث خارج منظومتنا الكونية. فماذا بقي للعيساوي ان يفعل قبل ان نفقده.
سبعة شهور بلا طعام يا ناس، سبعة شهور .. وانتم حين تصومون سبع ساعات في رمضان، تفرشون مائدة فيها ما لذ وطاب من طعام وشراب، بل اكثر من ذلك بكثير لقد تحول شهر رمضان لشهر (طبايخ ونفايخ)اما العيساوي فقد تحولت معدته الى حبال سوف تشنق فيها كل الروؤس الصفراء التي نهشت لحومنا وجلودنا باسم الوطن والدين.
فالعيساوي قد يسقط اليوم شهيدا, او غدا او حتى قبل ان ترى هذه الكلمات النور فكل الاحتمالات وارده هل يموت شاحبا جائعا صامدا ام يرُحل الى غزة كي يلفه النسيان مع من رحلوا قبله بصفقة الكنيسة. هل تنعيه الفصائل وتغني له بملأ حناجرها ؟. نعم هل ستخرج بيانات الشجب والاستنكار من كل حدب وصوب ؟ نعم هل سينعق الغربان قائلون انه خاض معركته وحيدا؟ نعم هل يتسابق الشعراء والكتاب والنواح الى رثائه بدموع مدادهم ؟ نعم هل يتراكض المسؤولون برفقة الفضائيات الى قبره الاعلى من هاماتهم ؟ نعم ..كل ذلك وارد فهل محال ان يتحركوا قبل فوات الاوان.