أمريكا أخلف من عرقوب

حجم الخط
مما لا ريب فيه , أن الرؤساء الأمريكيون يحرصون كل الحرص على تنفيذ سياسات إداراتهم المختلفة , إن تكون في السياسات الداخلية , أو السياسات الخارجية , وأن الرئيس باراك أوباما لن يَشذ عن ذلك , أمريكا دولة مؤسسات , خطط , وبرامج تنفذها الإدارات المختلفة جمهورية كانت أو ديمقراطية , وحدود تأثير الأفراد وحتى الرؤساء في تغيير وجهات السياسات تأثيرات ليست كبيرة , الهام في البداية وفي النهاية مصالح أمريكا الاستراتيجية , وإذا تحدثنا عن الشرق الأوسط , فإن الإدارات الأمريكية المختلفة المتعاقبة لم تحدث تحولاً دراماتيكياً في سياساتها الشرق أوسطية عبر الخمس ستون عاماً الأخيرة , والاستثناء الوحيد والذي يمكن ذكره ووضع خطوط حمراء تحته , هي فترة رئاسة الرئيس الديمقراطي جون كيندي والذي حاول تلمس سياسات أمريكية شرق أوسطية متحررة جزئياً من ضغوط اللوبي الصهيوني , وتابو مجلسي الشيوخ والنواب شديدي الولاء لإسرائيل ومصالحها , ووجودها وبقائها كقوة رئيسة خارج الأطلسي تحظى بأفضليات السياسات الأمريكية الاستراتيجية لدرجة القول أحياناً تجاوزاً ( إن إسرائيل الولاية الواحدة والخمسين لأمريكا ) , وقد دفع جون كيندي حياته ثمناً لكسره محرمات السياسات الأمريكية , أن يكون في أزمة خليج الخنازير , أو أزمة الصواريخ الروسية , أو في الشأن الشرق أوسطي ومعضلة الشعب الفلسطيني , فكانت رصاصات القناص والتي أنهت حياته , فدفع الرئيس جون كيندي حياته ثمناً مقابل محاولات إحداث تحولات ما في السياسات الخارجية الأمريكية . أوباما سيزور المنطقة قريباً وسيعرج على بعض العربان , جوهر زيارته هو زيارة دولة الكيان وإعادة ترتيب أولويات السياسة الأمريكية الشرق أوسطية , بعد تعطل مركبة التسوية , وضرب نتنياهو صفحاً عن كل ما يتعلق بها عملياً , رغم اشتراطاته الأخيرة لإحيائها , بدء من العثور على شريك فلسطيني , واعتراف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي , وإسقاط شروط الفلسطينيون بوقف الاستيطان , إن يكن في القدس أو الضفة الغربية . إذاً زيارة أوباما المرتقبة للمنطقة لا يعول عليها كثيراً , لأن أوباما ينفذ سياسات إدارة , وليس موقفاً شخصياً , وإن كان اسمه باراك أوباما حسين , وأن أبوه كان نيجيرياً مسلماً , وإنه ( أوباما ) تتلمذ على أيدي بعض الأساتذة الكبار في أمريكا عرباً كانوا , أو فلسطينيين . لاشك أن أوباما متحرر جزئياً من الضغوط , بعدما تولى رئاسته الثانية , ولاشك أيضاً أن ضغوط اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة , هي أقل فاعلية راهناً , مما كانت عليه في فترة رئاسته الأولى , ولكن حدود قدرته على إحداث تغييرات هامة , نوعية ذات قيمة في الشأن الفلسطيني هي محدودة بحدود سقف مصالح أمريكا الاستراتيجية والحيوية , وفي حدود محددات , وقواعد , وضوابط سياسة أمريكا الشرق أوسطية والتي تقول وضوحاً التالي : أولاً : الدفاع عن إسرائيل وحمايتها ووجودها , وتسيّدها عسكرياً على كل دول الإقليم نمرة واحد في سياسات أمريكا . ثانياً : إحداث أي حراك سياسي لحسابات , واعتبارات , وأهداف مصالح أمريكا الأخرى والحيوية , إن كانت في الجغرافية السياسية , أو المصالح النفطية , وأية مصالح أخرى لا يتجاوز المحدد الأول , وأن حدث ما يعاكس ذلك , يقف اللوبي الصهيوني في أمريكا على قدم واحدة والذي يضع مصالح إسرائيل فوق المصالح القومية لأمريكا , وفي مثل هكذا حالة , يهرع غالبية أعضاء مجلس الشيوخ والنواب إلى الضغط على الإدارة للتراجع عن تغريداتها السياسية الشرق أوسطية بهذا الشكل أوذاك , أو إيجاد مخارج , أو مسوغات لتراجعها لأنها خطفت النار من السماء وإعطائها لبني البشر من الفلسطينيين والذين مضى على نكبتهم خمسة وستون عاماً . إذن زيارة أوباما , لن تحدث تحولاً في مسار التسوية , ولن يطفو مجدداً على السطح حل الدولتين , وإن حصلت فلسطين على دولة غير عضو في الأمم المتحدة بموافقة غالبية كبيرة من دول العالم وصلت إلى مائة وثمانية وثلاثون دولة . إن أوباما سيحاول مستخدماً وزن أمريكا في إلقاء حجارة , وإن كانت صغيرة في بركة التسوية الراكدة , فحجارة أوباما لن تحرك مياه التسوية العميقة الراكدة والآسنة , إن مداخل تغيير سياسة أمريكا ممسوكة بسلسلة ظروف , ومعطيات ,. واعتبارات , همّشت القضية الفلسطينية ودفعتها إلى آخر الأجندة الإقليمية والدولية , وقد أسهم الفلسطينيون جزئياً في ذلك في استعار خلافاتهم , وانجذاباتهم لحسابات خاصة وضيقة أحياناً , أو لحسابات قوى , وأطراف إقليمية ودولية , والمضحك المبكي أن يواصل الفلسطينيون "سحجة" , المصالحة ما بين الجد والهزل وبقية المصالح الخاصة ولعبة الأطراف الأخرى المتدخلة في الشأن الفلسطيني . عموماً , وفي قراءة جزئية لمواقف أوباما خلال العامين الأخيرين من فترة رئاسته الأولى , نجد , أن أوباما ( ورغم كل استفزازات وإهانات نتنياهو له , وصولاً إلى دعمه المرشح الجمهوري روني ) , وقف إلى جانب مطالب , وسياسات إسرائيل حتى في موضوع الذهاب إلى الأمم المتحدة , ولم ينفك هو ومبعوثيه الجوالين في المنطقة , من إطلاق الوعيد أثر الوعيد , والتهديد خلف التهديد للسلطة , أن افعلوا كذا , أو لا تفعلوا كذا , وإن فعلتم كذا , أو كذا , فالعقوبات , ووقف المساعدات والدعم المالي جاهزة أليس هذا ما فعله أوباما , ومن جانب آخر , أين أوباما من خطابه في القاهرة , وخطابه في تركيا , ونيجيريا , والأمم المتحدة عن إقامة دولة فلسطينية , فهل قامت الدولة الفلسطينية ؟ إنه وقف وأرعد وأزبد على الدولة غير عضو في الأمم المتحدة , أليس كذلك ؟ أوباما ينوّم الشعب الفلسطيني , ولا يقدم شيئاً مغايراً , أو مختلفاً , إنه يُؤكّل الشعب الفلسطيني ( البالوزه) فقط وليس أكثر , فقد شبعنا وعوداً من أوباما , وأصبنا بتخمة عدم تحققها , أو تحقق أي جزء يسير منها , إن مزاج المواطن الفلسطيني بعد كل ما شاهد , عايش , وعانى من سياسات أمريكا , يقف مدهوشاً من أن يعلق بعض القادة الفلسطينيين آمالاً رفيعة , أو عريضة على زيارة أوباما القادمة للمنطقة , أوباما يأتي للمنطقة ليكرس مصالح (( إسرائيل )) والتي هي مصالح أمريكا في البداية والنهاية , نحن الفلسطينيون مطالبون بعدم النفخ , أو التطبيل والتزمير لزيارة أوباما القادمة , ولسان حالنا , ينبغي أن يكون , كما يقول أخوتنا المصريون , أوباما قادم للمنطقة , دقي يا مزيكا بوق طوط , طوط , طوط , فهذه هي سياسة أمريكا اتجاه الشعب الفلسطيني . أوباما يأتي للمنطقة في سياق أجندة : 1- مواجهة محاولات إيران بسط سيطرتها على مضيق هرمز ( حسب الزعم الأمريكي ) ,ومواجهة جهودها للحصول على تقنيات نووية سلمية . 2- عقد محاور تعرقل تقدم النفوذ الصيني المتصاعد في الشرق الأوسط نظراً لحاجة الأخيرة الماسة للموارد النفطية وزيادة حضورها فيه . 3- احتواء تداعيات تنامي الدور الروسي على ضوء تعاظم هذا الدور نظراً للموقف الروسي من الأزمة السورية المحتدمة . 4- وفي سياق الجولة و حفظاً للاعتبارات , وضحك على ذقون بعض العرب , مطلوب أن يرش أوباما بعض القنبز على المسألة الفلسطينية , وكفى الله المؤمنين شر القتال .