(قضيت الليلة الأخير كالمعتاد، أكلتُ الزيت والزعتر وشاهدت فيلماً أجنبياً و نمت، و في الصباح عندما استيقظت بدأت أشعر بالخوف، الخوف من الخروج إلى النور بعد 25 عاماً. كان لذلك رهبة كبيرة جداً، فأنا سأخرج إلى عالم لا أعرفه).
الحديث مع الأسرى المحررين حديث ذو شجون، خاصة إذا كانوا من أصحاب المحكوميات العالية الذين شهدوا تغييرات كثيرة على الساحة الفلسطينية ولكن من خلف القضبان. جهاد العبيدي هو أحد هؤلاء. ولد جهاد عام 1967 في مدينة القدس، وتم اعتقاله عام 1988 من منزل شقيقته في بلدة سلوان ووجهت له تهمة الانتماء للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وطعن جنديين إسرائيليين، وحُكِم عليه بالسجن 25 عاماً.
يقول جهاد في حديثه لشبكة “قدس”: “الحديث عن تجربة الأسر يطول، فلقد مررتُ بالرعيل الثاني والثالث وعشت أطراف الرعيل الأول، خالطتُ أسرى من مختلف المراحل، ومنهم شهداء الحركة الأسيرة مثل الشهيد عمر القاسم”.
عدا عن الأجيال المختلفة التي عاصرها جهاد أثناء أسره، فقد شهدت الفترة التي قضاها في السجن أحداث مهمة وساخنة سواء داخل السجن أو خارجها. أولها الانتفاضة الأولى التي رفع فيها الأسرى شعار :”نقل الانتفاضة لقلب السجون ونقل السجون لقلب الانتفاضة”. عن تلك المرحلة يقول جهاد: “كان دور الأسرى إيجابياً جدا خلال الانتفاضة عبر الإسناد الإعلامي على سبيل المثال، فقد كانوا يصدرون النشرات الداعمة للانتفاضة، ويسجلون عبر جهاز تسجيل مهرب الأغاني والأشعار والبيانات لتوزع في المدن والقرى الفلسطينية بعد ذلك”.
تلا مرحلة الانتفاضة الأولى إضراب الأسرى الفلسطينيين الشهير عام 1992 الذي كان مفصلاً في تاريخ الحركة الأسيرة. وقد حقق الأسرى – حسب جهاد – من خلاله الكثير من المطالب مثل توفير المذياع والمروحة والبلاطة التي يُسخن عليها الطعام، وتم زيادة وقت زيارات الأهل إلى 45 دقيقة، إضافة إلى توفير الملابس بألوانها المختلفة. يعلق جهاد على تلك المرحلة: ” كان ذلك نتيجة صمود واستعداد الأسرى لخوض المعركة، ولا ننسى الأسير حسين عبيدات الذي استشهد في اليوم السادس عشر للإضراب”.
أوسلو أضعفت الحركة الأسيرة
بعد حالات الزخم الثوري التي عاشها الأسرى خلال فترة الانتفاضة الأولى، جاءت مرحلة أوسلو لتغير الكثير من المفاهيم. يقول عنها جهاد: “كسرت أوسلو المعيار الجماعي وأضعفت الحركة الأسيرة، بعد أن كانت الذات جزءاً من المجموع، أصبح الإنسان ينظر إلى حريته الذاتية فحسب”. وقد كانت الإضرابات إحدى الفعاليات التي تأثر طابعها وتغير صداها في مرحلة ما بعد أوسلو. فحسب جهاد كانت جميع الاضرابات تتم بهدف المناورة السياسية بمطالب خجولة دون الإفراج عن أي أسير، واستمر من بعد ذلك الأمر بالهبوط أو التصاعد، مرة هكذا ومرة هكذا. ”سبب ذلك حالة من الضياع والإنسياب والتراخي في الحركة الأسيرة، حتى عام 2000 حين نُفذ إضراب حقق بعض المطالب مثل إنهاء العزل الإنفرادي، ومن ثم جاء إضراب عام 2004 الذي هبط من معنويات الحركة الأسيرة ومن عزيمتها، فضعفت البرامج النضالية وضعفت الحالة التعبوية العامة”.
“وكما فعلت بنا أوسلو فعل بنا الانقسام، وكان سكيناً في قلب الحركة الأسيرة”، يقول جهاد. وقد استغلت مديرية السجون ذلك وعملت على تفريق الأسرى حسب انتمائهم التنظيمي، وخاصة في منطقة الجنوب مثل بئر السبع ورامون ونفحة.
عن الحياة اليومية في الأسر
يصف جهاد حياة روتينية داخل غرف الأسر، لا يكسرها إلا هجوم إدارة السجن للتفتيش أو القمع، ويصفها أنها مزيج من الألم والصمود. يستذكر جهاد أياماً من التعاون والإيثار فيخبرنا عن تقسيم العمل من طبيخ وتنظيف بين الأسرى، ويذكر لنا حادثة قيام الأسرى بتجميع حبة البرتقال أو التفاح التي يحصل عليها كل اسير في وجبته الغذائية وارسالها لأحد الأسرى المرضى آنذاك مرفقة بكلمة داعمة. يستدرك جهاد قائلاً: “ولكن هذه الأمور قلت هذه الأيام”.
أما عن كيفية قضاء الأسرى أوقاتهم، فيصف جهاد يوماً يعج بالفعاليات. “كانت هناك برامج مفصلة لكل سجن، بعضها للترفيه مثل الرياضة ومتابعة البرامج على التلفاز، وبعضها بهدف تعزيز الانتماء والتثقيف يعتمد على القراءة والدورات”. ويقول جهاد :”أحيانا لم يكن هناك وقت كافٍ لمشاهدة التلفاز عدا نشرة الأخبار حيث كان مسموحاً فقط لساعات محددة، وكان عدد الإذاعات المسموحة 3 إذاعات فقط”.
وعن الشعور الذاتي النفسي داخل السجن يخبرنا جهاد عن اللحظات الصعبة التي مرت عليه: “بداية التسعينات كنت أشعر أنني أحتضن الجدران، حياتنا كانت جداً مأساوية، حياة قهر وذل، لكن كنا نستمد الشجاعة من قوة الجماعة ومن الأهل. كان لصوت المفاتيح في آذاننا ألماً ممتعاً خاصة أنه يعني أن فتح الأبواب قد اقترب. النقل في البوسطة للعلاج كان مؤلماً كذلك، فكانت سوء أوضاع البوسطة تزيد في مرضنا”.
استشهاد ميلاد عياش
كان أول ما قام به جهاد فور تحرره من السجن زيارة قبر ابن اخته الشهيد ميلاد عياش، وهو ابن البيت الذي اعتقل منه قبل 25 عاماً. عن خبر استشهاده حدثنا قائلاً: “كنتُ أشاهد نشرة الأخبار وقرأت الشريط الإخباري الذي كتب عليه استشهاد الفتى ميلاد عياش من سلوان، بعدها نمت مباشرة بدون أن يخطر ببالي أنه ابن أختي ولا أدري كيف نمت، وعندما استيقظت من النوم استدركت الأمر بعد أن مر الاسم في خيالي مرة أخرى، وقد أقيم واجب العزاء يومها داخل السجن”.
لحظة الحرية
لا شك أن لحظة ينتظرها الإنسان 25 عاماً يوماً بعد يوم هي لحظة تفوق الوصف. يقول عنها جهاد مختتما حديثه معنا :”استعددت للافراج صباحاً، تكلم معي الضابط الإسرائيلي قليلاً ، ومن ثم اصطحبوني إلى باب السجن. كان الموقف غريباً لمن قضى 25 عاماً وراء القضبان فسألتهم: ستتركوني أخرج هكذا دون قيود؟ فليس من المعتاد أن نخرج بدونها!. مر الوقت سريعاً لأجد نفسي فب أحضان أمي و أبي والعائلة، ورأيت القدس بعد 25 عاماً، وقد تغيرت فيها أمور كثيرة”.
وتبقى للحرية قيمة لا يشعر بها إلا من فقدها.
المصدر : شبكة قدس