الانتفاضة الثالثة مصلحة وطنية , أم مصيدة إسرائيلية .

حجم الخط
يأخذ على بعض الحركات السياسية, والتنظيمات الفلسطينية وعلى رأسها م . ت . ف الكيان, والعنوان السياسي للشعب الفلسطيني عدم قيامها بالمراجعات السياسية الانتقادية للحظات الحاسمة والتي واجهتها القضية الفلسطينية, فقد شهدت الحالة السياسية منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة العديد من المعارك الحاسمة, والانعطافات التاريخية المتميزة, فضلاً عن انتكاسات, وتراجعات, يصل بعضها إلى حد الهزيمة, بدءً من أيلول في الأردن, ومروراً بالحرب الأهلية في لبنان, واجتياحه في عام 1982 وانتهاء بأوسلو, وانتفاضتين مجيدتين للشعب الفلسطيني قبله وبعده, ولكن أين المراجعة السياسية؟ كل ثورات شعوب الأرض جعلت من المراجعة دينها وديدنها لكن نحن لم نفعل؟ لماذا؟ هل قصور في الفكر السياسي الفلسطيني؟ أم بسبب مسوغات, واعتبارات وتداعيات أخرى (في نظري مهما تعاظمت قيمتها) فهي منظومة غير مقبولة على الصعيدين العملي والنضالي. وفي ظل راهن الشرق الأوسط, يقف الفلسطينيون أمام لحظات فريدة, ربما لم تتوافر لهم سابقاً, وهي تتطلب مراجعة مفاهيمهم, ومناهج عمله , والنظر مجدداً في ترتيب أوضاعهم وأدواتهم لتناسب الظروف, المناخات, والأجواء التي استولدتها حالات الحراك الشعبي والاحتجاجي من توازنات جديدة في المنطقة, رغم كل ذلك, لم تحدث المراجعات اللازمة والضرورية, وهذا ما يفسر استمرار ارتهان البعض لخيار سياسي محدد وبعينه والتمترس من خلفه عدة عقود, رغم أن كلمات الحياة والتجربة, أكدت أكثر من مرة على عدم صلاحيته . ربما لم نكن بحاجة لكل هذه المقدمة, لولا أهمية الموضوع قصد البحث, وهي تناقل وسائل الإعلام الفلسطينية المختلفة أحاديث, تصريحات, أو مقالات, وآراء تتحدث عن قرب انفجار انتفاضة فلسطينية ثالثة, وقد عرجت بعض وسائل الإعلام العربية والدولية على الأمر ذاته بهذه الصورة, أو تلك, كما لا يفوتنا الإشارة أن وسائل إعلام العدو هي المتحدث الأول عن تلك الانتفاضة الثالثة واحتمالاتها المتوقعة واللافت أن كلما تحدث أحد, أو أشاعت ( إسرائيل ) أجواء, ومناخات, تنذر بهبوب رياح ساخنة فلسطينية (عنف, إرهاب, انتفاضة حسب المزاعم الإسرائيلية) تشعر وكأن أوساط فلسطينية بعينها, تتأهب للرد وتأخذ على نفسها مهمة النفي القاطع بقيام الفلسطينيون بأية انتفاضة (بحكم إنها منكر), بل يندفع البعض بالقول " لن نسمح بقيامها" وأن لا مصلحة فلسطينية بها هذا من جانب, ومن جانب آخر تجد من يتحمس للأمر, وينظّر له مؤكداً أن أوضاع الضفة على وجه التحديد, أضحت لا تحتمل ولا تطاق, وأن الرد بإيقاذ شعلة الانتفاضة الثالثة. نظراً للسجالات وتباين التقديرات بالفائدة من عدمها تبزغ مجموعة من الأسئلة على الشكل التالي : 1- هل مقومات الانتفاضة الثالثة متوافرة, وهل الفلسطينيون قادرون فعلاً على إطلاقها؟ 2- هل الانتفاضة في الزمان والمكان إضافة كفاحية؟ أم أن الأمر ليس إلا مصيدة إسرائيلية؟ 3- هل ما يروج من كل الأطراف (بما فيها إسرائيل) ليس أكثر من بروبوغندا سياسيه لا أكثر ولا أقل, وهي ورقة للابتزاز السياسي, والتهويل الأعلامي. 4-هل الفلسطينيون محتاجون فعلا لانتفاضة ثالثة, وهل يمكن قيام انتفاضة رغم الانقسام؟ 5-هل الانتفاضة ستشمل كل فلسطين المحتلة بما فيها أراضي عام 48,أم ستقتصر على الضفة فقط, وكيف ستشارك غزة ولا احتلال فيها؟ 6-لماذا لم يستخلص الفلسطينيون دروس وعبر الانتفاضات السابقة؟ ولماذا لم يُجب الفكر السياسي الفلسطيني رغم مرور سنوات عديدة على مشكلات, معضلات , نواقص, انتكاسات نجمت بالأساس عن التوظيف السياسي السيء للانتفاضة الأولى, وتهالك دور القيادة السياسية قي الانتفاضة الثانية. ان الشفافية, العلمية, والموضوعية تقتضي البوح صراحة "بأن أصحاب نظرية الانتفاضة قادمة, لم يقدموا الحقائق, الوقائع, والمعطيات التي تدفع فعلا الى الاقتناع أنها قادمة لا محالة والشيء الأبرز اتضاح رغباتهم بقيامها وان كانت خلفياتها طيبة تهدف الى تعميق حالة احتدام الصراع مع المحتلين. إن حالة الجدل والمساجلات حول ضرورة وإمكانية قيام انتفاضة ثالثة تضعنا أمام تساؤل, هل دخلت نظرية الانتفاضة دهاليز التجاذبات والخلافات السياسية بغض النظر عن حاجتنا النضالية لها؟ نظرا لان المواطن الفلسطيني لا يملك اجابات شافية على كل الأسئلة التي تم عرضها والفكر السياسي الفلسطيني لم يقدم اجابات واستخلاصات ذات معنى على الانتفاضات السابقة, فأن منطق الأشياء يقول صراحة, انه ليس كافياً اطلاق الشعارات وأهازيج الحرب, وخلق الأجواء القتالية حتى ولو كنا بحاجة لتلك الشعارات والأهازيج لجهة صحة مضامينها,ولكن الانتفاضة بحاجة, لمقومات ,ظروف, مناخات, برامج عمل وأدوات نضال موحدة, قال العرب قديماً ( قبل الرمي تملئ الكنائن) وقبل هذا وذاك مطلوب توحيد ارادة الشعب الفلسطيني لأن الانقسام يضيع طاسته في لحظة لم يعد الجسم الفلسطيني قادراً على احتمال مزيد من الجراحات. لا يجوز لنا كفلسطينيين خوض نضالات قابلة للفشل وغير مضمونة النتائج, لم نعد نحتمل انتكاسات جديدة في ظل أوضاع عربية وإقليمية والى حد ما دولية مربكة لا شك ان التاريخ يفتح ذراعيه دائماً لاحتضان ارادة الشعوب في التغيير,ان يكن في نظم الحكم أو أنماط النضال لكن على الشعوب أن تجيد لعبة الصراع وتملك مقومات الانتصار فيها. شعبنا بحاجة لنجاحات ومكاسب حتى لو كانت صغيرة, تكبر وتتراكم لتصنع نصراً كبيراً وتاريخياً على طريق تحررنا السياسي وصولاً الى استراتيجية مقاومة جديدة موحدة توظف كل عناصر ومقومات وإمكانيات القوة عند الشعب الفلسطيني, بما يفرض تراجعات ملموسة على مخططات حكومة الاحتلال الفاشية. ان استراتيجية الخطابات, والرسائل وبث الشكاوي للراعي, أو للرباعية, أو التروَيكا العربية ولجنة متابعتها, لم تعد تجد الفلسطينيون نفعاً, لأن مدرسة النضال الفلسطينية تقول وضوحاً أن لا خيار أمامهم إلا التمسك بنهج فرض الوقائع بقوة الحق وحق القوة, الأمر ذو الدلالة في سفر نضال محبي الحرية في العالم, وهنا كل الخيارات مفتوحة وكل اشكال وأنماط النضال مطلوبة بانتفاضة ثالثة أو بغيرها.