المأزق الاقتصادي السياسي الفلسطيني الذي نعيشه هو مأزق مزمن ذلك أنه ينبع من نهج أوسلو الذي أقيمت عليه السلطة ،أوسلو حددت مسارنا لنيل حقوقنا في الحرية والدولة المستقلة مع ضمان حق العودة في الخطوط الأساسية التالية للسلطة الفلسطينية و م.ت.ف :
• المفاوضات مع العدو الصهيوني الامبريالي برعاية ذات العدو لا غير
• ضبط الأمن بالتنسيق مع الجانب الاسرائيلي
• اقتصاد راسمالي او كما يحلو لدعاته تسميته الاقتصاد الحر باعتباره يمكن الامبريالية من إعادة تشكيل المجتمع الفلسطيني بما يخدم ترسيخ الاحتلال
• معونات اجنبية على أساس ما سبق
أداء الحكم الفلسطيني ( السلطة + م.ت.ف)
التزام تام بكل ذلك الى درجة أن الحكم اعتمد أن نجاحه في استمرار المفاضات رغم عبثيتها وفي ضبط الأمن وفي انشاء مؤسسات الحكم الملتزمة بذلك هو الطريق لإقناع العدو بمنحنا حقوقنا،
نتج عن ذلك سياسيا استباحة الوطن أرضا وشعبا من قبل الاحتلال حيث بات الاحتلال يستعمر كل الأرض الفلسطينية المحتلة عام 67 بصرف النظر عن ا، ب، وج
أما اقتصاديا فقد ترتب على ذلك غرق الحكم الفلسطيني في دوامة المنح والمساعدات الأجنيبة والتي رغم أنها حق مشروع للشعب الفلسطيني لا يعادل دمعة نزفها طفل فلسطيني جراء قهر العدو الصهيوني الامبريالي المتواصل على شعبنا منذ حوالي قرن من الزمان، فإنها عملت من خلال سيطرة الاحتلال على مجريات الأمور في مناطق السلطة من جهة، وعن طريق النهج الرأسمالي التبعي الذي لا معبود له إلا الدولار، على خلق فئات واسعة من المجتمع ارتبطت مصالحها مع استمرار الوضع على ما هو عليه سواء من خلال تضخيم الانفاق الحكومي عن طريق تضخيم عدد الموظفين الحكوميين الذي تجاوز 180 ألف ،وعبر الانفاق الترفي الحكومي الذي كان آخره انفاق الحكومة سيارات لكبار موظفيها بقيمة 45 مليون دولار في النصف الأول من السنة الماضية رغم ظهور بوادر الأزمة في الأفق وذلك وفق ما أشار إليه د. نبهان عثمان المستشار المتقاعد في وزارة المالية في الندوة التي عقدها المنتدى التنويري في نابلس قبل اسبوعين،أومن خلال تمكين هواميرالمال الفلسطيني من التحكم في المسار الاقتصادي السياسي الفلسطيني في اطار استمرار الوضع الراهن وهو ما خلق لهم كتلة واسعة من المنتفعين في مقدمتهم معظم النخب السياسية والثقافية والاجتماعية باتت مرتبطة مصلحيا باستمرار هذا الوضع. وهكذا وبفعل قمع الاحتلال من جهة، وسياسة السلطة التبديدية سياسية واقتصاديا من جهة ثانية، و من جهة ثالثة وتحكم التبعية الرأسمالية بقيادة هوامير المال، ومن جهة رابعة التمويل المتدفق من المنح والمساعدات لهذه المنظومة والذي بلغ حتى الآن 25 مليار دولار أي أضعاف مشروع مارشال لتعمير أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية ،استشرى الفساد في طول البلاد وعرضها فكان المأزق الذي نعيشه.
وبدون الدخول في التفاصيل يمكن تحديد أهم خصائص الوضع الاقتصادي الفلسطيني حاليا كما يلي : سيطرة قطاع الخدمات عليه بنسبة 71% هامشية القطاع الزراعي بنسبة لا تتجاوز 5 % في الضفة ، ضعف الصناعة التي في معظمها تتكون من تركيب أو تحليل أو تعبئة وتغليف ،بناء مجتمع استهلاكي تبديدي حيث تراوح حجم الاستهلاك بين 125% - 130% من الناتج المحلي الاجمالي ، ديون عامة تصل حواي 4 مليار دولار والبعض يقدرها بأكثر من 6 مليار ، عجز في الموازنة يصل 1.4 مليار دولار، تقطع دائم في دفع الرواتب خلال السنة الأخيرة، بطالة تتراوح ما بين 24% إلى 27 % والبعض يقدرهل ب 30% ، فقر لا يقل عن 30 % والبعض يقدره ما بين 35% - 40%، ووفقا لأرقام المكتب المركزي للإحصاء عن عام 2011 انخفاض في معدل الانتاجية عن عام 2004 بواقع 3.4%
وانخفاض في معدل الأجر عن بواقع 2004 بواقع 6.4 % ،وبالتالي بات معدل الأجر لا يتجاوز 75% من معدل الانتاجية، أي انه يتم نهب ربع انتاجية العامل لصالح هوامير المال. وبمقارنة طروف الانتاج والعمل بين 2004 و 2011 لا يوجد ما يدعو لذلك التراجع غير التغير الذي حدث في السلطة بعد ذلك بمعنى أن السلطة باتت عبئا على الشعب، ذلك أن القمع الصهيوني طل عنصرا ثابتا في البلاد،
إن علاج المأزق المذكور له جانبان اقتصادي وسياسي، في الجانب الاقتصادي هناك علاج عاجل مؤقت وآخر جذري طويل المدى:
المؤقت العاجل
تشير وزارة المالية أن العجز في الموازنة العامة لعام 2013 بعد احتساب المساعدات المتوقعة وهي 800 مليون دولار هو 600 مليون دولار،
وقد قدر بعض مدراء المصارف ورجال الأعمال في نابلس أنه يوجد في محافظة نابلس ما لايقل من 1500 مليونير ،إذا اعتبرنا ذلك يشكل ربع العدد في الوطن كله فإن هذا يعني ان لدينا ما لا يقل عن 6000 مليونير ثروة الواحد منهم لا تقل في تقديري في المتوسط عن 4 مليون دولار وتحقق له ربحا صافيا لا يقل معدله عن 10 % ،أي ما قيمته 400 ألف دولار لكل مليونير.
تستطيع السلطة أن تفرض معدل ضريبة لا يقل عن 40% على كل دخل يزيد عن 150 ألف دولار، وهو معدل مقبول في المعايير الدولية التي تصل معدلات الضريبة على الشريحة العليا من الدخل ما بين 50 – 60 % كما في الكيان الصهيوني والمانيا وفرنسا والدول الاسكندنافية
وفي هذه الحالة تصل ضريبية كل مليونير في المتوسط مائة ألف دولار سويا ،وعليه تبلغ الحصيلة الضريبية الإجمالية على المليونيرات لدينا ما لا يقل عن 600 مليون دولار في السنة وهو ما يعادل عجز الموازنة المشار إليه أعلاه.
وقبل ذلك هناك ملاحقة واسترداد الملايين وربما المليارات التي نهبت من المال العام خلال 20 عاما من السلطة على حساب صحة المواطن ودخله من خلال فساد الأغذية والأدوية أو عن طريق النهب المباشر من المال العام بألف طريقة وطريقة والتي تتم بالتواطئ بين بعض كبار موظفي الحكومة وبين هوامير المال، وهو نهب تم تبهيته وتهميشه سواء في هيئة الرقابة المالية التي منعت قبل سنتين من الاقتراب من وزارة المالية ،أو في هيئة مكافحة الفلساد التي أعلنت أنها ستكتفي من كل من يعترف بنهب المال العام بتسديد هذا النهب وعفى الله عما مضى ،أو في المنازلات القضائية التي أخفت عن المواطن تفاصيل كثير من القضايا وأهمها قضيتي وزيري الاقتصاد والزراعة السابقين وهو ما يؤكد تصريح وزير العدل الحالي الذي أشار الى الحاجة لثورة قانونية في القضاء . يضاف إلى كل ذلك ضرورة ضبط وترشيد الانفاق العام الترفي التبديدي الذي سبقت الإشارة اليه. إن العمل الجدي والحازم لتنفيذ حماية المال العام بكل ما سبق من وسائل قطعا سيؤدي الى تخفيض النفقات بشكل جوهري بحيث يمكن القول بكل الثقة أن العجز المالي سيصبح تحت السيطرة تماما هذا إن لم يتم إلتخلص منه نهائيا.
ا الجذري طويل المدى
لكن هذا العلاج المؤقت لا يستطيع اجتثاث جذور المأزق الفلسطيني المزمن والتي سبقت الإشارة اليها أعلاه، ذلك أنه طالما استمر الفيروس الرباعي : قمع الاحتلال، سلظة تبديدية ، هوامير التعية الرأسمالية، والابتزاز التمويلي للمانحين، فسنظل نعاني من معدل بطالة خطير يهدد بنية المجتمع ،وستبقى معدلات الفقر تنهش في كل جنبات الشعب ، وسيواصل غياب العدالة الاجتماعية في توزيع الدخل والثروة وعبء معاناة الدفاع عن الوطن تسحق الانتماء الوطني كما سنجد أنفسنا في ذات المأزق في كل مرة نحاول فيها الدفاع عن حقوقنا ، وبمفهوم معاكس فإن الاستمرار في التعايش مع هذا الفيروس الرباعي لن نحصد منه غير الهزائم تلو الهزائم,
وهذا يعني من جهة أخرى أن لا بد من خطة جدية تمكننا من الخروج جذريا من هذه المأزق الاقتصادي، وتتمثل هذه الخطة في اجتهادي في سياسة اقتصادية تقوم على نهج "الاقتصاد التشاركي " المتمثل في ا"لاستغلال المثل للموارد الاقتصادية المتاحه وتوزيع مردوده على قاعدة العدالة الاجتماعية بما يوفر العيش الكريم للمواطن للدفاع عن وطنه ضد العدوان الصهيوني المستمر" . ويمكن باختصار تحديد أركان الاقتصاد التشاركي على النحو التالي:
أولا- الاستثمارات الكبيرة: ويحدد لها مجالات التقنية الصناعية المتقدمة والتكنولوجيا العالية والتسويق والتجارة الخارجية على قاعدة التزامها بالمشاركة العادلة في تحمل أعباء العدالة الاجتماعية في العيش الكريم للمواطن في الدفاع عن وطنه ،وذلك بدفع استحقاقات الضريبة التصاعدية المترتبه عليها وقف ما تمت الإشارة اليه في العلاج المؤقت
ثانيا- الاستثمارات الزغنونة: وتتم بالمشاركة بين السلطة من جهة وبين المنتجين الصغار من العمال والفلاحين وأصحاب الورش الصغيره بحيث توفر السلطة التمويل اللازم للمشروع الزغنون القادر على توفير معيشة كريمة لمنتج واحد مع عائلته باسثمار معدله لا يتجاوز 15 ألف دولار. ويتم توزيع صافي دخل المشروع بنسبة مثلا 10% للحكومة وللمنتج 90% ، وبحسبة بسيطة يعني ذلك أن البطالة المستفحلة في البلاد والمقدرة بحدود 250 ألف عامل، يمكن تشغيلها باستثمار كلي لا يتجاوز 4 مليار دولار موزعة على 5 سنوات أي بواقع 800 مليون دولار في السنة وهو مبلغ لا يزيد عن 25% من الموازنة العامة بالمنهج السائد الذي لم يجلب لنا غير الدمار المتواصل.
لكن العلاج الاقتصادي بشقيه المؤقت والجذري لا يمكن تطبيقه بدون علاج سياسي يتمثل في دفع الاستحقاق السياسي المطلوب ،ذلك أن فرض معدلات ضريبية بمثل ما سبق في العلاج المؤقت، وتوفير تمويل استثماري كما هو أعلاه لا يمكن تحقيقها في ظل النهج السياسي السائد وقيادته الحالية، وعليه لا بد من ايجاد قيادة سياسية لها قوة المثل بحيث تتمتع بالصدقية ،والكفاءة ،والتضحوية ، والقناعة الراسخة في برنامج الاجماع الوطني المتمثل في الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الثابتة غير القابلة للتصرف في تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وضمان حق العودة والارتكاز في تحقيق كل ذلك على كافة أساليب المقاومة المتاحة بالاستناد حكم ديمقراطي في م.ت.ف وفي السلطة يقوم على المواطنة المتساوية ، والمساواة الجندرية ، والتعددية ،والانتخابات الديمقراطية الحرة على قاعدة التمثيل النسبي. بمثل هذا النهج السياسي وما يفرزه من قيادة وطنية يمكن اعادة الاعتبار للنضال الوطني الفلسطيني ليس فقط بين الجماهير الفلسطينية ومؤسساتها الرسمية والأهلية والمؤسسات الفلسطينية بل وبين الجماهيرالعربية ومؤسساتها الأهلية والرسمية وهو ما يؤدي قطعا الى تعاظم المد الشعبي الأممي لدعم النضال الوطني الفلسطيني . في هذه الحالة فقط يمكننا تطبيق برنامج الإنقاذ الوطني سياسيا واقتصاديا.
هل هذا هو عملية سهلة؟ طبعا لا ، لأن تنفيذها يحتاج الى روافع نضالية جماهيرية قادرة على فرض هذه المنهجية الجذرية على مؤسسات الحكم الفلسطيني الحالية من خلال نضال تراكمي طويل المدى ،وهي روافع في ظني لا يوجد غير اليسار من هو قادرا على المبادرة في تكوين نواتها الأولية ،فهل يعي اليسار ذلك ؟؟؟