بالأبيض .. سأكتب ..

حجم الخط
يربكني الأبيض أينما التقيته .. في غيمةٍ شاردةٍ من وطن ، في خيمةٍ كانت لنا يوماً أم ، في كفنٍ صرنا نشتهي أن نتدثر به يوم أعلن الموتُ توأميته لبلادنا فما بقي غير قامته واقفةً فيها ، في قوس قزح رسمته من صغري بمحاولة طفوليةٍ بريئة لأتزحلق عليه إلى حيث قيل لي " لكِ هناك بيت و سقف و شجرة .. " فسطعت الشمس فجأة مبددةً قوسي ليرجع هو " مجرد لون أبيض " و تصبح خيبتي من يومها بيضاء و أملي أبيضٌ أبيض ..! يبعثرني الأبيض عندما يضرب لي معه موعداً مسائياً لأنتهك عذريته و يعيث هو بي حزناً ، يقاربني أملاً و أنتشي به حباً فنمضي معاً لنكتب عن طفلتي و عني ، عن أمي و جدتي ، عن حواء لا التي أغرت آدم فأنزلته من ملكوت السماء لجحيم الأرض بل تلك التي جعلت الأرض جنةً بصبرها ، و كانت وطناً لكل الرجال مواطنين منهم و منفيين ، لاجئين و مقيمين ، أطفالاً و شباباً و مسنين .. بالأبيض .. سأكتب - لا عن تلك التي ارتدت كوفيتها و مضت مع رجلها تصنع فجراً ، تكتب بالرصاص تاريخاً و ترسم بالدم حدود الوطن الممتد من الماء إلى الماء فتلك رغم تقصيرنا قد حظيت بالتفاتةٍ من أقلامنا – بل سأكتب عن عروق اليد التي تفوح برائحة الخبز البلدي و عبق التنور و تتلوى كأنهار بلادي و تخضرّ كسهولها .. عن تجاعيدٍ حفرت في الوجوه أربعاً و ستين عاماً من الانتظار و الشقاء ، و من الدموع باستقبال قادمٍ جديدٍ في خيمة أو تحت سقفٍ من الزنك و زغاريدٍ رافقت راحلا جديداً في صعوده للسماء ليصير نجماً يحرس أحلام المنتظرين و يحمي بوصلتهم من الانحراف .. بالأبيض سأكتب .. عن " حاووز الماء " الذي يبعد عن الخيمة أو " دار الوكالة " عدداً لا أعرفه من الكيلومترات كان قدر أمهاتنا و جدّاتنا أن يقطعنها كالسعي بين الصفا و المروة من أجل " تنكة ماء " و كلما ارتسم شقٌ جديدٌ في أرجلهن آمنتُ أن لا طهارة إلا بأرضٍ تتعمّد بطهر أكعابهن .. بالأبيض سأكتب .. عن طابور الإعاشة الذي وقفن عليه دهراً من أجل طحينٍ و زيت و كيس حليب فخرجن منه بآلام فتكت بأجسادهن التي لم تحنها نكبة أو نكسة و لكن شوهها القهر .. بالأبيض سأكتب .. عن شموعهن المحترقة كي تتقد نجومنا , أعمارهن المهترئة كي تكتمل أقمارنا ، خيامهن المنتصبة كي ترتفع هاماتنا ، أحلامهن المقتولة كي تحيا آمالنا .. لربما بالأبيض سأمحو كل ما كتبت لأنه أصبح ماضٍ و ذكرى يمتزج به الشقاء بأمل العودة و تختلط مرارة الواقع بحلم الغد و الوطن .. لأكتب بالأسود عن حاضرهن في الشتات حيث المخيمات أصبحت نعاجاً مذبوحةً بعد أن كانت أفراساً يمتطينها ليصلن بها للوطن ، و حيث الخوف صار أكبر من ألّا يمنّ هذا الوطن على نوارسهن المنتظرة بعشٍّ أو قبر ..! بالأسود لصديقي الذي يستفزني بقوله " تقلص حلمكنّ من العودة للوطن إلى العودة للمخيم " سأكتب " ترى من أجمل الطريق أم البيت إن علمتَ أن الطريق هو المخيم و البيت هو الوطن ؟؟؟ " و بالأبيض و الأسود لآذار المرأة الأم و العاملة و المناضلة و المثقفة والمواطنة و اللاجئة و المنفية و الحرة الأسيرة سنكتب .. الأرض بدونك لن تدور و شمس الحرية لن تشرق ..