أبعاد وخلفيات جولة أوباما الشرق أوسطية

حجم الخط
لا شك أن ( إسرائيل ) تحتل رأس الأجندة السياسية والاستراتيجية الأمريكية , وحجر الزاوية في مشروع الشرق الأوسط الكبير , لذا لم يكن مفاجئاً , أن تكون أول زيارة لأوباما في ولايته الثانية لها . إنه يعيد التأكيد على مسلمات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط , وهما ( إسرائيل ) والنفط الموجودتان في كل البرامج الانتخابية للمرشحين والطامحين " للمناصب العليا في أمريكا والذين تتجاذبهم مختلف الاصطفافات والولاءات السياسية الداخلية " لكن أوباما سيدخل نادي رؤساء أمريكا كأكثر رئيس شدد ليس فقط على الرابط العضوي ( لإسرائيل ) في السياسة الأمريكية , ومسؤوليتها في استمرار وجودها , ما وجدت أمريكا , بل أكثر من ذلك بكثير باعتبار أن لا معنى للشرق الأوسط برمته وجوداً , شعوباً , وحضارة , وتاريخ بدون وجود إسرائيل فيه كواحة للديمقراطية , الحضارة والتقدم العلمي . أوباما دخل دائرة مديح الظل العالي وهو يتحدث عن إسرائيل مؤكداً على أن أمريكا لن تغير جلدها , ولا سياساتها اتجاه قضايا الشرق الأوسط , وأن أولوياتها فيه , هي على حالها , وأن هاجسها مصالحها الاستراتيجية الحيوية وفي قلبها ( إسرائيل ) , والباقي تفاصيل ليست إلا , رغم أية قيمة لهذه أو تلك من التفاصيل في الأجندة السياسية والاستراتيجية الأمريكية . لذا فإنها ( أمريكا ) تخطط وحتى تشن الحروب في الشرق الأوسط من أجل حماية ( إسرائيل ) والحفاظ على بقائها وتسيدها في الإقليم . أنطوني زيني الجنرال الذي خطط للحرب على العراق , قال ( أن كل خطة الإطاحة بصدام حسين , وإعادة تشكيل الشرق الأوسط , إنما هي من أجل تعزيز أمن إسرائيل ) بمعنى أن أوباما قصد المنطقة بهدف لملمة الأوراق المتناثرة للسياسة الأمريكية فيها , بعدما تصدعت بعض محاورها مثلاً المحور التركي / الإسرائيلي . وقد نجح بالتجسير على خلافات البلدين وإعادة التحالف الاستراتيجي والعسكري فيما بينها , بعدما استجابت ( إسرائيل ) متأخرة للشروط التركية على ضوء هجومها على السفينة مرمره . وبذا رمم أوباما ركناً من أركان المخطط السياسي الأمريكي لحماية أمن إسرائيل . أوباما يبيت شيئاً لسوريا , والأزمة فيها تمضي نحو التفاقم , وكلتا الدولتين لهما حساباتهما فيها . وهنا لا يختلف اثنان وبعد مغادرة أوباما للشرق الأوسط أنه سيشهد حراكاً هاماً , وربما لن يكون سياسياً فحسب , بل ربما يأخذ أشكالاً أخرى , غير طلبه ( تفعيل المفاوضات الفلسطينية / الإسرائيلية ) وغمزه من قناة الإسرائيليين , بأن الفلسطينيين بحاجة لحل بدولة قابلة للحياة , لكن مقابل ماذا ؟ اعترافهم بيهودية دولة الاحتلال ( المطلب الدائم لنتنياهو ) . إن حجارة أوباما الصغيرة الملقاة في مستنقع المياه الراكدة للمفاوضات والتسوية , لا ترقى لدفع المفاوضات للأمام , فغول الاستيطان يأكل الأخضر واليابس من الأراضي الفلسطينية وحكومة اليمين الفاشية المستحدثة لن تقدم الشيء الكثير على هذا الصعيد لأن لديها من العقبات الكثير والتي تحول بينها وبين التقدم , حتى وإن كانت لديها نية في ذلك ( وهي غير موجودة ) . وحل الدولتين والذي تم التلويح به مجدداً , ربما ليس أكثر من ذرٍ للرماد في عيون الفلسطينيين لا أكثر ولا أقل . أما لماذا زيارة الأردن ولماذا تم القفز عن بلدان هامة مثل السعودية ومصر ؟ ربما ما تقدم يلقي بعض الضوء , من حيث كون ( إسرائيل ) نقطة التمفصل في مصالح أمريكا الحيوية وهي مصابة برهاب الدولة الفلسطينية المستقلة , ونتنياهو وزعماء الليكود التاريخيين ومن لف لفهم يرون حل المسألة الفلسطينية عبر البوابة الشرقية ( دون الخوض في التفاصيل ) , لذا فإن زيارة الأردن تأتي لكي يعاد الإمساك بورقة من الأوراق المتناثرة للسياسة الأمريكية , بما يحقق هدفين لأمريكا . أولاً : مزيداً من الدفع بالموقف الأردني في الأزمة السورية , وإزاحة بعض التحفظات من قبله والتي تتطلبها الرؤية الأمريكية ومازالت الأردن لم تستجب لها . ثانياً : تحريك المشروع القديم ( المملكة المتحدة ) , وإحياء الحل عبر البوابة الشرقية وهنا ربما تفلح أمريكا بسحب الكثير من تحفظات , هواجس , وشكوك إسرائيل ( وتحريرها من رهاب الدولة المستقلة ) , خاصةً وأن شارون سابقاً ونتنياهو لاحقاً فضلاً عن برنامج الليكود , يرون الحل عبر الأردن الصيغة الأكثر ملائمةً لإسرائيل ومصالحها وأمنها , وأياً تكن تلك الصيغة ( فدرالية أو كونفدرالية ) , حراك السياسة في قادم الأيام , ربما سيلقي مزيداً من الضوء على هذه الإمكانية , وهنا لا بد من التذكير بحديث الأخ فاروق القدومي قبل فترة ليست بالبعيدة ( إن الحل الأنسب للفلسطينيين مع الأردن ) , ( رغم أن موقف الفلسطينيون الرسميون أن هذا يبحث بعد إقامة الدولة الفلسطينية ) . أما عن الأجندة الأخرى لأوباما في جولته الشرق أوسطية , كان الملف النووي الإيراني ودور إيران الإقليمي المتعاظم كقوة إقليمية كبرى ناهضة , وتأكيده على عدم استنفاذ الحل الدبلوماسي معها , لكن في حال استنفاذه فكل الخيارات مطروحة على الطاولة , وربما لن تكون حينذاك ( إسرائيل ) بحاجة لموافقة أمريكا لضرب المفاعلات النووية ( حسبما قاله أوباما ) , و إعادة التحالف التركي / الإسرائيلي , قد يأتي من قبيل تأمين , تهيئة البيئة العملياتية لمثل هكذا خيار بالحل العسكري مستقبلاً . لا غرابة إذن , أن تأتي تصريحات مرشد الثورة الإسلامية , بتدمير تل أبيب وحيفا إذا هاجمت ( إسرائيل ) إيران . مرة أخرى , ممنوع امتلاك السلاح النووي ( من قبل إيران أو أي دولة أخرى في الإقليم حماية لإسرائيل ووجودها حتى لو ذهبت المنطقة إلى الحرب والدمار . أمريكا ومنذ اعتراف هاري ترومان بإسرائيل عام 1948 وبعد ربع ساعة من إعلان قيامها وحتى باراك أوباما وهي الحضن الدافئ لإسرائيل وهي المنقذ لإسرائيل عسكرياً , ومالياً وعلى كافة الأصعدة الأخرى , غير أن لا هاري ترومان , ولا باراك أوباما وكل من بينهما من رؤساء أمريكيين استطاعوا شطب التاريخ , الجغرافيا والديمغرافيا الشرق أوسطية وفي القلب منها فلسطين وشعبها وجوداً وكياناً , حضارة وقضية .