9/3/2013
* مجلة الهدف
كل الأمم وشعوب الأرض تخلد شهدائها...وتسبغ عليهم هالة من القداسة والتبجيل...اعترافاً بما قدموه لأوطانهم من عطاء وتضحيات...فيستحقون التكريم والتخليد...ويبقون رموزاً للشعوب والأوطان تلهم الأجيال المتعاقبة في بذل الأرواح من أجل حرية الوطن والمواطن.
وكل الأمم والشعوب تحتفل بذكرى شهدائها بتحديد يومٍ للشهيد...تحتفي بهم...وبعائلاتهم وذويهم...تنثر الورود...وتضع أكاليل الغار على مراقدهم...وعلى أضرحة الجندي المجهول وتدبج الكلمات والقصائد والأشعار في ذكراهم.
ولم تزل الشعوب تستذكر شهدائها بعد مرور آلاف السنين على استشهادهم...فقد تحولت الى رموز وأيقونات تراثية ووطنية تستظل بها الأجيال فكراً وعطاءً.
واليوم في التاسع من آذار من كل عام تحيي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين يوم الشهيد الجبهاوي وهو اليوم الذي استشهد فيه القائد والمعلم وعضو المكتب السياسي محمود الأسود "غيفارا غزة".
ثمة مغزى كبير ان يكون استشهاد الرفيق جيفارا غزة هو يوم الشهيد للجبهة الشعبية...فقد سجل هذا القائد ملحمة نضالية في مقاومة الاحتلال الصهيوني لقطاع غزة...وهو المناضل في حركة القوميين العرب الذي فتح آفاقاً للعنف الثوري في قطاع غزة في مواجهة الجيش الاسرائيلي....مماعرضه للاعتقال سنوات في معتقلات الاحتلال...تلك السنوات لم تثنيه عن مواصلة الكفاح المسلح المتواصل ضد جنود الاحتلال وعملائه...مشكلاً الخلايا الكفاحية التي ظلت لسنوات طويلة تواصل طريقه بعد الاستشهاد...
هذا القائد آثر أن يقاتل حتى آخر لحظة في حياته...كان يدرك أن ميزان القوى بين المقاومة وبين الاحتلال مختلاً أيما اختلال لصالح القوة العسكرية الاسرائيلية...وكان يدرك أن سلاحه الفردي لا يشكل في ميزان القوة ما يمكنه من هزيمة الاحتلال....بيد أنه كان يدرك أيضاً بوعيه وإيمانه وبعد نظره أن ميزان القوة بين الثورة وبين العدو...لا يبنى على أساس العتاد والسلاح فقط...إنما هناك ميزان قوى يبنى على أساس الإرادة والقوة المعنوية والمآثر القيادية والثورية...وعلى أساس الشجاعة والإقدام والاستشهاد...وما يرتبه ذلك من توليد الفكر الثوري والعقل الاستراتيجي بالمعنى الثقافي في لوحة المقاومة...
وأذكر...أن هذا القائد كان قد أرسل رسالة الى القيادة في بيروت قبيل استشهاده يفيد فيها أنه أمام وضع صعب بالمعنى الميداني والعسكري...إلا أنه سيقاتل وسيؤثر الاستشهاد والقتال حتى آخر لحظة من حياته...وقبلها كان قد أرسل برسائل الى المؤتمر الوطني الثالث حدد فيها خياراته الثورية...وهي القتال...ثم القتال...وإشعال الثورة...
تلك كانت رسالة القائد الرمز... والنموذج الحي...والمقاتل الشجاع...الى رفاقه وقيادته وثورته...وقد ترجم هذا القائد رؤيته وخياراته بأن قاوم الاحتلال على مدار ستة سنوات من عمر الاحتلال في ذلك الوقت...حيث اعترف العدو الصهيوني بأن قطاع غزة يصبح خارج السيطرة ليلاً...في اشاره الى القلق والعجز الاسرائيلي في لحظة ما عن مواجهة المقاومة التي مثلتها الجبهة الشعبية مع فصائل المقاومة آنذاك.
أبى القائد الاستسلام...وبقي يقاتل مع رفاقه العمصي والحايك من ملجأه حتى الاستشهاد...وكان الاستشهاد نقطة الفصل بين الحياة والخلود...بين الجندي والقائد الذي يكون أمام جنوده...فاستحق هذا القائد هذه الرمزية التي لم تزل بعد أربعون عاماً على استشهاده تعيش في وجدان رفاقه وأصدقائه وشعبه.
إن تماثل الإرادات بين تشي جيفارا...وبين جيفارا غزة...هي تماثل الروح الثورية والمأثرة القيادية والاستشهاد في ظروف اختلال ميزان القوى...هذا التماثل هو الذي خلدهما في الوجدان الشعبي...لم تجمعهما الجغرافيا ولا التاريخ...ولا الحالة الثورية الواحدة في البلد الواحد...إنما جمعتهم الحالة الإيثارية في المواجهة في ظل ميزان قوى مجافي تماماً لتحقيق الانتصار.
واليوم...هل ثمة شك بأن تشي جيفارا الذي استشهد في غابات بوليفيا...هو اليوم أشد خطراً على الإمبريالية العالمية وأنظمتها الرأسمالية من يوم أن كان حياً...فقد أصبح ملهم الثوار في كل دول العالم...وملهم اليسار العالمي...وملهم المظلومين والمقهورين والفقراء...هذا الإلهام هو الذي وضع صورته في كل بيت...وعلى صدور الثوار في كل مكان...وهذا الإلهام هو الذي يشكل الخطر الكامن والمستمر على قوى الظلم والطغيان.
ولعل غيفارا غزة اليوم في وجدان وعقول رفاقه وشعبه هو ذات النموذج الثوري الذي يجب أن يبقى حياً...ومصدر إزعاج وخطورة على العدو الصهيوني...باعتباره حالة إيثارية وفكرة ثورية يتوالد منها الثوار على مدى الزمن الفلسطيني.
لكل ذلك كان يوم الشهيد الجبهاوي...ومغزى اختيار استشهاد القائد جيفارا غزة يوماً للشهيد..وهو يوم لكل الشهداء من الجبهة الشعبية وشهداء الثورة الفلسطينية...وهو يوما لا يتناقض أو يتعارض مع يوم الشهيد الفلسطيني الذي يحمل ذات المغزى في تخليد الشهداء.
في هذا اليوم ثمة قوة تحتل روحنا...ثمة قوة تتملكنا من جديد...كي نواصل النضال...وثمة جلل ومهابة أمام هؤلاء الشهداء...نستذكر بطولاتهم...مساراتهم الكفاحية...نستذكر مرحلة نضالية كاملة كانت فيها جبهتكم هي عنوان العنفوان الثوري وعنوان التحدي...وعنوان الفخر والاعتزاز.
نستذكر مرحلة كان فيها قادة عظماء...المؤسس القائد جورج حبش والشهيد القائد ابو علي مصطفى...والقائد ابو ماهر اليماني...ووديع حداد...وأبو أمل....وآلاف الشهداء من الجبهة الشعبية والثورة الفلسطينية....نستذكرهم جميعاً لأنهم صنعوا تاريخ الجبهة ورسموا لنا اللوحة الكفاحية في مراحلها الأولى وهم يحلمون بالتحرير والنصر والعودة...
هل يوم الشهيد هو يوم مجرد ذكرى...لا تنطوي إلا على التذكر...؟ أم أن عيد الشهيد ينطوي على استحقاق ثوري ومجتمعي وإنساني ووطني على كل الرفاق وكل الفروع والساحات....أن يقدموا عليه من أجل هؤلاء الشهداء...من أجل وعدنا لهم بأن نستمر على عهدهم...كيف يمكن أن نقدم هذا الاستحقاق...؟
كيف يمكن أن يبقوا هؤلاء الشهداء أحياء...؟؟ كيف يمكن لنا أن نخلدهم من جديد...؟؟ كيف يمكن أن نوفي أسر الشهداء وذوي الشهداء حقهم في الحياة الكريمة...؟؟ كيف يمكن أن يكونوا جزءاً منا ونحن جزءاً منهم...؟؟
ما هي برامجنا الحزبية في تقديم استحقاق الخلود لهؤلاء...؟؟ عبر التوثيق للسيرة الثورية والصورة وواقعة الاستشهاد...تسليط الأضواء على كل التجربة ورموزها وقادتها وشهدائها في سياق رؤية بانورامية حية لكل التجربة...
ما هي واجباتنا الاجتماعية تجاه أبناء الشهداء وذوي الشهداء...الوفاء...ثم الوفاء...الزيارات الاجتماعية...المعايدات...المساعدات...الاندماج معهم...معايشتهم...إشعارهم بالوفاء والإخلاص...هم منا ونحن منهم...
كل ذلك من أجل أن يكون عيداً حقيقياً للشهداء...مكللاً بالوفاء والعطاء وليس فقط للذكرى....
هذه المناسبة يجب أن نحولها الى عرس حقيقي لجبهتنا...وذوي شهدائنا...لكوادرنا...ولإقامة ورش عمل حقيقية...وندوات سياسية في كل المناطق والساحات...
وفي هذا اليوم يجب أن نشدد على تعزيز النضال...والكفاح الشعبي...وكافة أشكال الكفاح الممكنة وعلى رأسها الكفاح المسلح.
وفي هذا اليوم أيضاً تحية الى كل الأسرى المحررين...والأسرى القابعين في معتقلات الاحتلال يتحدون أغلال وسجون الاحتلال...لهم منا في عيد الشهداء كل التحية والتقدير.
في هذا اليوم يجب أن نجترح الرؤى والفعاليات الجماهيرية من أجل إطلاق سراح الأسرى في سجون الاحتلال.
في هذا اليوم ننحني إجلالاً وإكراماً لكل الشهداء الذين بذلوا أرواحهم لأجل بلادنا فلسطين التي هي أكبر في وجداننا من الجغرافيا...والتاريخ...هي فلسطين مجبولة بشهدائها...بتراثها...بتاريخها...بأرضها... بشعبها العظيم....كانت فلسطين وستبقى فلسطين.
• عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين