على مشارف عيد الأم رحلت

حجم الخط
على مشارف عيد الأم ...وبين شوق لأسير وشوق لشهيد احتارت الحاجه هند مشاقي ليلة كاملة في المستشفى ، لا تستطيع أن تقرر بين شوق وشوق أو رحلة وأخرى , انتظرها أبناؤها خلف باب موصد من الدموع التي ما لبثت أن انهارت مرة واحده لتغطيها بتراب الأرض مختارة أن تسافر هذه المره إلى ابنها الشهيد . فقبل رحيلها الأخير كانت زيارة أخيرة لابنها في السجن ولكنها لم تذهب لزيارته وكأنها تريد أن تقول له لقد احترقنا وداعاً فلا أودعك ولا تودعني. هي التي قارعت الاحتلال بين زيارة وأخرى وبين سجن بعيد وآخر أبعد ممتشقة عزة نفسها باحثة خلف كل شبك عن وجه ابنها الذي ولدته فرحا وابعدها عنه الاحتلال قهراً , كل السجون تعرف وجهها المبتسم رغم حزن كبير يسكن قلبها الطيب وكل الطرقات اعتادت عليها ذهاباً واياباً تحمل معها نثر شوق للساكن في قلبها وخلف أسوار بعيدة. هي سيدة الحزن حين لملمت أشلاء ابنها الشهيد بقلب يدمع وعيون تأبى أن تدمع على عريس قدمته لفلسطين بصبر وابتسامة. وهي سيدة المواقف حين دفنت أنها في حضنها قبل أن تدفنه في بيتهم فيزداد عزة على عزة, وفخراً على فخر. وهي سيدة الفرح حين تبتسم في وجوه من حولها لتقنعم أن ما زال في الأرض شيئ لنا أو أنها كانت تردد ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً. الحاجة هند مشاقي اختارت هذه المرة أن تحتفل بعيد الأم مع ابنها الشهيد , فقد قسمت فرحها بين أبنائها تماماً كما قسمت حزنها وألمها, رحلت إلى السماء لتحتضن ابنها الشهد مرة أخرى ولكن هذه المره الى الأبد. كانت تعرف كل معادلات الحياة ونظرياتها بفطرة عجوز أرهقها الزمن فأرهقت المحتل صبراً على صبر وصموداً على صمود , لم تطأطئ رأسها لجندي في أي حاجز بل كانت كما السنديان أو الزيتون عميقة في الأرض متجذرة الانتماء لوطن وقضيه. رافعة رأسها تملك رصيد كافي من الكرامة لتعبر كل الحواجز وكل السجون بعزة نفس . رحلت وهي تنتظر ابنها الأسير كل صباح أن يعود لها ولم تقتنع يوماً بحكم الظلم عليه بأكثر من ثلاثين عاماً. كانت تنتظره مع أول خيط للشمس عله يعود أو تبشرها الورود بعودته إلى حضنها. رحلت وهي تبتسم للمساء وتعاند الليل بأن الصبح اقترب وسيحمل معه بشارة الفرح لأم أتعبها البعد فأتعبت الغياب ابتسامات وصمود. هي التي تعب السجان من وجهها فاستقال وتعبت الأسلاك من يدها فاهتزت مقهورة من أم لا تعرف للمستحيل طريق . كانت تتمتم بصمت مسموع سائلة ذاك المسؤول المتربع على عرش سلطته أسئلة لا إجابة لها مرة تسأله عن وعوده للأمهات قبل الانتخابات بتحرير أبنائهن ومرة تسأله ببساطة العجائز عن أسرى سقطوا من حسابات المسؤول فسقط المسؤول من أعين الأمهات الصابرات ولم يبق في العين دمع يبلل وجوههن , فقد تبللت الوسائد دمعاً ودعاء لله أن يعود الأبناء قبل أن ترحل الأمهات بصمت ودمع. لم تؤمن يوماُ بمؤسسات حقوق الانسان أو مؤسسات الدفاع عن الأسرى ولم تصدق يوماُ أحد المسؤولين حين يتربع على شاشة التلفاز يقول ما لديه بسرعة ويذهب إلى بيته بين أبنائه , لم تصدق سوى قلبها الكبير بأن الحق لا يعود إلا بحق وأن الأسير لا يعود إلا بالقوة , كانت تكذب كل المؤسسات وتصدق قلبها عند كل صلاة بدعائها لله أن يعود ابنها البعيد . رغم مرضها كانت ترى زيارة ابنها شفاء لها ورغم تعبها كانت تجد راحة حين تموء أعينها بوجه ابنها الغائب, ورغم ألم يسكنها كانت تبتسم وتضحك مستفزة الحزن والسجان. عندما تعود من زيارة ابنها كانت تجلس لتوزع الحلوى على الأطفال وتوزع الابتسامات والفرح على من حولها, وفي الحقيقه حزن لا يتسع لقلبها تعاني وفي نفس الوقت تكابر وتواصل الضحك , ربما كانت تضحك مستهزأة بذاك السجان المتبرم المتكرش عند باب السجن , ربما كانت تقول في نفسها بأنك لا تملك مفاتيح الشمس، أنت تملك فقط مفتاح صغيراُ سيقتلك قهراُ من شدة غيضك , وتواصل ضحكاتها المستهزءة بالحياة , لم ير أحد دمعة في عينها , وكيف تسقط حزنها وهي سيدة الفرح وسيدة العزة واميرة الكرامة. رحلت الحاجة هند مشاقي وما تزال تنتظر ابنها أن يعود من سجنه يحمل اكليلاً من الورد الجميل , يهديه لها على ترابها . رحلت وما زالت تؤمن بأن السجان لا يملك مفتاحاُ للشمس وأن الحق لا يمكن إلا أن يكون ولو بعد حين.