كتب حسن عصفور/ اخيرا وجدنا من يخاطب الشعب الفلسطيني بدون "حسابات خاصة"، سياسية أو مالية، خرج النائب الفلسطيني جميل مجدلاوي، أحد القيادات المركزية للجبهة الشعبية، حتى بعد اعتكافه العمل التنظيمي، فأطلق "نداءا للجميع" وضع به النقاط بمنتهى الوضوح على الأحرف السياسية التي اصابها الوهن خلال الفترة الماضية، "نداء" تحدث عن "خريطة طريق" محددة النعاصر لا يوجد بها مكانا للتفسيرات الضبابية، أو التعقيدات اللغوية كي يمكن الهروب منها عبر صيغ تحمل أكثر من وجه واتجاه، وعناصرها متكاملة الأركان وتبدأ قيمتها السياسية من الوضوح والتسلسل المترابط وضمن جدول زمني لعناصرها بحيث لا ينتهي العام الا وفلسطين متجهة للخلاص من كارثة الانقسام الوطني..
"نداء المجدلاوي" يشكل رؤية عملية لمن يريد حقا الذهاب نحو طريق الخلاص مما وصلت اليه الحالة الفلسطينية، وسيكون هذا النداء امتحانا عسيرا واختبارا جديا لكل القوى الفلسطينية، وخاصة الرئيس محمود عباس وطرفي الانقسام وقيادة الفصائل كل باسمه، الى جانب أنه سيكون اختبارا حقيقيا لدور قيادة منظمة التحرير وقدرتها على أن تكون عنصرا اساسيا في معركة تصويب المشهد السياسي، وحماية "النسيج الوطني" الفلسطيني، والاختبار الأول سيكون للقوى اليسارية والوطنية خارج طرفي الأزمة، كي تعلن عن موقفها من هذا النداء وهل ستكون جزءا من معركة أن يصبح أولوية على جدول الأعمال الوطني..
القيمة السياسية للنداء تبرز من توقيته الدقيق ولحظته السياسية، حيث الارتباك بات هو "سيد الحالة" في الواقع القائم، فالمصالحة لا تبدو أن هناك عجلة من أمر من وقع اتفاقتها وباتت رهن للتوقيت الأمريكي، والفرصة الممنوحة للمكوك الجديد كي يمارس "خدعه السينمائية"، باسم البحث عن آليات ورؤية لعودة المفاوضات، وبات كل من طرفي الانقسام يعمل لترسيخ ما بيده، الى حين أن تظهر ملامح المستقبل، ولذا فكل من "فتح" و"حماس" لا يلتفتان كثيرا لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، رغم كل ما يصدر عن قياداتهما، ومن يراقب ما يحدث من "أخونة المجتمع الغزي" والارتماء الكلي في الحضن السياسي الأمريكي سيدرك أن المصالحة لم تعد أولوية، بعد أن سقطت كل الذرائع فالسجل الانتخابي بات جاهزا وكان المفترض ان يتم اعلان رسمي من الرئيس بالخطوات التالية..
وبدلا من أن يتقدم الرئيس و"فتح" بالخطوة التالية بعد استلام السجل الانتخابي، قاما بفعل آخر ربما يستخدم لاطالة عمر الهروب الزمني من تنفيذ المطلوب بستار جديد، اسمه ترتيب الوضع الداخلي، فاستقالة فياض تحت "قصف سياسي منظم وهادف" وصل الى تحقيق ما يريد، وقد تكون الاستقالة التي يمكن وصفها اقالة بقوة العطش للتسلط السياسي، "بابا دوارا" جديدا للهروب من الاستحقاق الوطني المباشر بتنفيذ "وعد الرئيس عباس" وحركته "فتح" بتحديد الخطوة التالية، ومن هنا تأتي قيمة "نداء المجدلاوي" الذي حدد خريطة طريق سياسية وزمنية لمن يريد "الحل السياسي" للأزمة الوطنية..
ولأن المسألة لا يجب أن تبقى أسيرة رغبات فتح أو حماس ، او رهن جدول الرئيس الخاص، فمطلوب من القوى الوطنية والديمقراطية خارج عناصر الأزمة، ان تحدد موقفها اليوم، قبل الغد، على تبني ذلك النداء واعتباره "نداءا وطنيا" لخلق اصطفاف وطني واسع عليه وبناء قوة ضغط حقيقية وليس كلامية كي لا تبقى القضية الوطنية مختطفة من عنصري الانقسام..
ربما هناك قضية تحتاج لنقاش وتعديل وردت في بنود النداء، وهي الخاصة بالانتخابات فالمطلوب أن تكون انتخابات لبرلمان "دولة فلسطين"، بعد القرار التاريخي ولم يعد هناك قيمة سياسية لمسمى السلطة ومؤسساتها، وبالتالي لم يعد هناك مجال لانتخاب مجلس تشريعي لها ولا رئيس لها، بل برلمان ورئيس لدولة فلسطين، وتلك مسألة تحتاج لنقاش خاص، كونها معيار الالتزام بالقرار التاريخي الذي تعمل أمريكا ودولة الكيان وقوى حاقدة لشطبه عمليا والغاء أي مضمون حقيقي لترسيخ مكانة "دولة فلسطين"..قضية قد يكون نقاشها بشكل أوسع لاحقا، ولكن الجوهري في "النداء" هو تحديد "خريطة طريق" ملموسة للخروج من نفق الانقسام..
ملاحظة: منذ زمن لم نسمع مسؤولا فلسطينيا يتحدث بهذه اللغة الحادة جدا ضد امريكا الا فيما يخص سلام فياض.. ليت الغضب يصبح سياسة كمان فيما يخص القضية الأم!