لم يكن رحيل الرئيس الفنزويلي، القائد والمعلم الفذ " تشافيز" بالشئ السهل على الشعب الفنزويلي وقواه التقدمية والوطنية بل لم يكن هكذا أيضاً على الصعيدين القاري والعالمي. لقد مثّل هذا الرجل المعلم والمربي حالة استثنائية وخاصة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفيتي وسيادة ما عُرف بعالم القطب الواحد – الامبريالي – الصهيوني.
أضاء شافيز شمعة في ظلام العالم الحالك، ورمى حجر في المياه الراكدة منذ سنين...أوقد نيران الثورة في فنزويلا لتشمل كل أمريكا اللاتينية وكما كان يردد دائما مقولتى ماوتس تونغ " شرارة تكفي لإحراق حقل" ومقولة لينين " حفنة من المنظمين الواعيين تقلب روسيا رأساً على عقب".
لم يكن عفوياً ولا غاضباً محتاراً، لم يدفعه " اليأس" للعمل الثوري، بل كان متأنياً دارساً لواقع بلاده وطبيعة الأزمة التي تمر بها وأسبابها ومسببيها. كان يؤمن بالتنظيم بشكل مطلق وبالفكر بشكل حاسم.
أتقن فن الاستفادة من تراث الثوريين والمحرر سيمون بوليفار بشكل خاص ووضعه في خدمة الفكر الجماهيري التحرري وللتحريض السياسي. كان فكره ماركسياً جدلياً يحلل الواقع من أجل تغيره. والتغير يبدأ من الإمساك برأس السلطة السياسية والسيطرة على وسائل الإنتاج. اعتبر أن الكومونة هي الخلية الاجتماعية و الاقتصادية التي تبني عليها الأوطان.
نادى بالاشتراكية في عز انهيارها ورفع لواء الماركسية في أكثر أيام المتنكرين لها حلكة.
كان حزب بأكمله قبل أن يؤسس الحركة السياسية الانتخابية التي لم تدم طويلاً، حركة الجمهورية الخامسة، وأصبح المؤسس الحقيقي والفعلي للحزب الاشتراكي الموحد في فنزويلا، مؤمناً بأن البقاء هو للحزب والشعب وليس للأفراد.
ثقف الجماهير بأن الحزب هو واسطة و أداءه للنضال وأنه أداة متحركة مرنة ولكن لا تحيد عن بناء الاشتراكية، بل أن هدفه الاول والنهائي هو بناء الاشتراكية.. الاشتراكية بالنسبة له ليس لها طريق بناء محدد ليسلكه المناضلين من اجلها، وذكر أنه في احدى نقاشاته المطولة مع القائد المربي والمعلم أيضاً فيديل كاسترو سأله "ما هو الخطأ الأكبر الذي ارتكبه في حياته السياسية والفكرية"، فأجابه فيديل " أنني كنت اعتقد بأنه هناك طريق جاهز للاشتراكية يمكن لأي كان السير فيه بأمان". وعليه كان يقول " إما أن نخترع ونؤسس طريقنا أو أن نفنى إلى الأبد"، فالاشتراكية هي اختراع وبناء وليس تقليد. " عندما كان اجتماع منظمة الدول الأمريكية والذي حضره الرئيس أوباما لأول مرة في العام 2005 قام شافيز كالمارد ووقف بجانب أوباما وكان أطول وأعظم منه وقال له أهديك هذا الكتاب ( الجرح المفتوح لأمريكا اللاتينية )، لكي تقرأ وتعلم ماذا فعلت الامبريالية بنا وبشعوبنا"، فرد عليه أوباما " يجب أن لا نعود الى الماضي بل ننظر إلى المستقبل"، فرد عليه " من لا يعرف جيداً ماضيه لن يدرك حاضره ولن يؤسس لمستقبله". هذه هي عظمة الرجل أمام الامبريالية بكل صلفها وخداعها. كان يردد في كل المناسبات " عليكم بإدراك جدلية الزمان والمكان فرغم أن لكل منهما قياساته الخاصة إلا أنهما مترابطان بشكل دقيق ولهما تأثير متبادل". إن " إدراك هذه المعادلة يسمح لنا بأن نعيد قراءة التاريخ كما هو, كما صنعته الشعوب, وليس كما كتبه المنتصر على أهواءه وخدمة لمآربه".
من على هذه الأرضية الفلسفية كان الرفيق الراحل المربي والمعلم تشافيزيردد دائما مقوله المحرر سيمون بوليفر الشهيره " مسكينة هي المكسيك، كم هي بعيدة عن الله وقريبة من الولايات المتحدة الأمريكية، وأن أمريكا باسم الحرية والعدالة ستغرق شعوب العالم بالدماء".
كان يعلم " إن من يريد النضال يجب أن تكون لديه البوصلة واضحة وبدون بوصلة سياسية تضيع الأهداف كما يضيع الجندي في البراري – الصحراء. إن أخطر ما في الأمر هو أن تسير تائهاً وبدون هدف وكان يصرخ " شمالنا هو جنوبنا" أي بوصلتنا هي الجنوب، الجنوب الُمهمش الُمستغل الُمستعمر والُمدمر.
ترك شعباً مدركاً لأهدافه وعارفاً بمصلحته الوطنية مدافعاً عن استقلاله الذي حققه بالتضحيات بما فيه حياته نفسها.
حقاً بنى وطن، فعندما ذهب إلى كوبا الثورة لإجراء آخر عملية التي لم يسلم منها قال " أنا ذاهب لإجراء عملية أخرى ولكن أترك لكم وطناً صنعناه وحققناه بالتضحيات فحافظوا عليه". وكونه كان يعلم ويدرك خطورة تلك العملية أصر على أن يعلن عن خليفته في حال حدوث " أي طارئ" وقال " إنني أوصيكم في حال عدم استطاعتي العوده للحكم أو إلى أي شئ آخر ومن كل قلبي بأن تنتخبوا الرفيق نيكولاس مادورو كرئيس للجمهورية" إن أحد أهم صفاته الثورية أنه كان يأخذ القرار الحاسم في الوقت المناسب وبالضبط. ففى 4/2/1992 عندما فشل تمرده العسكري على النظام وعدم تمكنه من الإطاحة بحكم الرئيس كارلوس اندريس بيرس، التابع للامبريالية والصهيونية خرج على شاشة التلفزيون، وطلب من أنصاره الذين حققوا انتصارات في كافة الولايات بأن يلقوا السلاح، قائلاً " أننا هنا في العاصمة كاراكاس لم نستطع أن نحقق الهدف بالاستيلاء على السلطة. أنتم قمتم بواجبكم على ما يرام، فاصغوا للقائد تشافيز وتجنبوا المزيد من سفك الدماء، وسيأتي وقت آخر لتحقيق أهدافنا واستراتيجيتنا وأنا أتحمل المسئولية الكاملة على كل ما جرى "، بهذه العبارات دق ناقوس الخطر وأجراس الصحوة الجماهيرية" رجل يقول " أنا أتحمل المسئولية عن كل ما حدث" ليس بالأمر المعتاد على الجماهير، حيث أن كل واحد يلوم الآخر، إنه رجل استثنائي وعظيم هذا ما قالته الجماهير التي التفت حوله بشكل سريع ومذهل خلال فترة قصيرة، ستة سنوات من الاستعداد والعمل في كافة المجالات، العسكرية والجماهيرية والسياسية استطاع أن يصل إلى الحكم.
الأرث العظيم الذي تركه هذا القائد المناضل، رغم قصر الفترة التي حكم فيها 14 سنة رسمياً وفعلياً هي ثمانية سنوات، أي منذ فشل الانقلاب عليه في 13/4/2002 وفشل الإضراب العام وخاصة في شركة النفط في نهاية آذار 2003،حيث بدأ الحكم الفعلي للرئيس شافيز.
قبل هذه الفترة لم تكن لديه السيطرة لا على الاقتصاد, حيث أن البنك المركزي وشركة النفط الوطنية بالإضافة إلى قيادة الجيش والنقابات كان مسيطر عليها من القوى اليمينية الرجعية.
أن الرجل قبل رحيله ترك كل شئ تحت سيطرة أنصاره وحزبه الاشتراكي الموحد، ولكن الخطوره ما زالت تكمن في البنية الاقتصادية، حيث ما زالت بنية رأسمالية يسيطر فيها الرأسمال الخاص على أكثر من 78% من وسائل الإنتاج وعلى معظم مقاليد التجاره الخارجية تقريباً. ولكن هنالك أغلبية ساحقة في البرلمان،( الجمعية الوطنية،) من أصل 165 نائباً يوجد لقوى الثورة والتغيير 99 نائبا، ويسيطر الحزب الاشتراكي على 20 محافظة من أصل 23 هي التقسيم الجغرافي للبلاد، و قيادة الجيش بكل أقسامه أعلنت التأييد للرفيق المرشح مادورو وكذلك المجلس الإداري لشركة النفط الوطنية بقيادة الرفيق راميرس.
إن الظروف الموضوعية لا تؤشر إلى أي تغير في ميزان القوى الاجتماعي والسياسي الانتخابي، بل هناك توقعات بأن يحصل الرفيق نيكولاس مادورو على نسبة أعلى من النسبة التي حصل عليها الرفيق الراحل تشافيز تقديراً وحباً له من العديد من انصاره الذين لم يخرجوا للإدلاء بصوتهم 7 اكتوبر من العام الماضى.ان على الطريقه والاسلوب الذى سيحكم به الرفيق مادوره سيعتمد مصير مستقبل الاشتراكية والثورة بفنزويلا.
نيكولاس مادورو من أصول عمالية، في صغره عمل بائع جوال وعمل في قيادة الباصات والمترو حتى العام 1998. تفرغ للعمل السياسي بقرار من الرئيس شافيز بعد فوزه في انتخابات 1998. خاض تجربة جيدة في العمل النقابي حيث كان من كوادر الحركة النقابية اليسارية ومن قيادات " الرابطة الاشتراكية" الفنزويلية، وهي تنظيم ماركسي لينيني، ظهر في بداية السبعينات، واندمج في الحزب الاشتراكي الموحد عندما أسسه تشافيز العام 2007،وكان شافيزقد طلب من الأحزاب المؤيده للثوره بان تحل نفسها وتندمج فى الحزب الجديد. الوحيد الذي لم يحل نفسه وحافظ على استقلاله هو الحزب الشيوعي الفنزويلي، الذي أخذ يضاعف من قواه الجماهيرية والحزبية رغم خروج العديد من كوادره والالتحاق بالحزب الاشتراكي الموحد.
كان وزيراً للخارجية لفترة طويلة، وأدى عمله كما كان يقول تشافيز على ما يرام وكان مبدع في العمل في هذا المجال. بعد استلامه لمنصب نائب الرئيس واستغراق مرض تشافيز فترة طويلة قبل رحيله قاد البلاد بشكل جيد وحصل على تأييد 63% من الذين شملهم استطلاع للرأي، وعندما حلف اليمين الدستوري بعد رحيل القائد تشافيز كرئيس مؤقت للبلاد قال " أقسم بشهداء الهنود الحمر، وبالهنود أنفسهم، أقسم بالمناضلين الذين ضحوا من أجل هذه الأمة بوليفار وسامورا.. أقسم بأنني سأسير على طريق بناء الاشتراكية التي أسس لها قائدنا ومعلمنا ومربينا الرفيق الحي الذي لا يموت اهوغو تشافيز، وأنه لا توجد قوة في الدنيا قادرة على ردعنا وأنه لن يعود اليمين للحكم مطلقاً". وأضاف " سأعمل بيد من حديد للحفاظ على انجازات الشعب وتحقيق الأمان والاستقرار للشعب الفنزويلي". بهذه الكلمات الواضحة والقوية بدأ عصر ما بعد شافيز، من المفيد المعرفة أن القوى الرجعية والامبريالية عملوا وراهنوا على حصول انشقاق في صفوف الحزب الاشتراكي الموحد والقوى الداعمة له. إلا أن هذه الرهانات ذهبت أدراج الرياح عندما وقفت صفاً واحداً خلف ترشيح مادورو كل قيادة الحزب الاشتراكي الموحد وخاصة الرفيق رئيس البرلمان،دوسدادو كابيو، الرجل الأقوى في الحزب، الذي قالت عنه القوى الرجعية والامبريالية بأنه ضد ترشيح مادورو وأنه هو يريد الرئاسة لنفسه، وايضا دعمته بشكل مطلق قيادة الجيش ومجلس شركة النفط الوطنية والبنك المركزي والحزب الشيوعي الفنزويلي.
إن نجاح مادورو مؤكد مائة بالمائة مقابل مرشح الصهيونية والامبريالية هنريكى رادونسكي الذي يمثل الرأسمال المالي الفاشي، وكان جزء من الطغمة التي قامت بانقلاب الحادي عشر من نيسان 2002. والذين أصبح الشعب الفنزويلي يعي مآربهم وارتباطاتهم السياسية والاقتصادية ومدى تبعيتهم للامبريالية والصهيونية.
ليس لليمين الفاشي الانقلابي أي فرصة الآن، وستبقى الأبواب مغلقة أمام الصهاينة والامبريالية وهذا ما قاله الرفيق مادورو مخاطباً الوفد الأمريكي الرسمي والشعبي الذي حضر التأبين، حيث قال لهم " إننا نطمح لإقامة علاقات مع كل الشعوب، بما فيها الشعب الأمريكي ولكن على قاعدة العلاقات المتكافئة والاحترام المتبادل كما علمنا الرفيق تشافيز و وفاءً له نحن ضد الامبريالية وهيمنتها على الشعوب".
ان عهد ما بعد الرئيس تشافيز قد بدأ وعلى القوى الوطنية والتقدمية على الصعيد العالمي أن تساهم في انجاح مهمة الحكم الحالي في فنزويلا، لأن بقاء فنزويلا قلعة من قلاع النضال ضد الامبريالية والصهيونية ليس من مهمتها لوحدها بل مهمة ملحة لكل القوى المعادية للصهيونية والامبريالية والرجعية محلياً وعالمياً ولتخرج مظاهرات التأييد للحكم الجديد في كل مكان.