السبت 20/4/2013
هنا رايتُ للمرّةِ الاولى امراة تمدّ يدها الى عمق كابينة الجندي الغائر في القاعِ دون خوفٍ، وتحاولُ ان تنزع خوذته. هُنا في يوم حار من ايّام اذار فَهِمْتُ انّ خَيْرِ اللّحام لن ياتي الى وَرشَة ابي ثانية كي يصلِّحَ عُطلا في مركَبَتِهِ الزِّراعيَّةِ، ويعُودَ الى الحَقْل!
لا اذكر ايّام ارض كثيرة مؤثّرة ينخَلِعُ لَهَا القلبُ انهِيَاراتِ جَذِلَة، خلال السبع سنوات الاخيرة، كيوم الارض الاخير. كان مفخرة لفلسطينيّي ال 48 جميعا، وليبلع كلّ المتشدّقين بالتّفسّخ ومعتنقي تيّارات المحوِ السِنَتِهم اوّلا، وعباراتهم الرّخوة، وحقائقها المفبركة ثانيا. كنتُ هناك، ورايتُ ما حدث. ويبدو انّنا تعلّمنا، وعلى جُلُودِنا، ان نكون شعبا موحّدا في نكَباتِه اكثَر من ايِّ وَقتٍ مضىِ. فهنيئا لنا بما حدّث.
لم تدمّرنا الشّعارات، ولا الاعلامُ ولا المرجعيّات السياسيّة. لا الاحزابُ ولا الدّسائس الّتي تُحشَر بينَ خِطاباتنا، وخُطُواتِنا. علَمان رُفِعا لنصْرَةِ القضيّة، علمُ سورِيّا، وفلسطين. وكانا كافيينِ كي تُصَفِّقَ هُتافاتِنا مكانَ صَرَخاتِنا. وتَصْفُقَ احلامُنا وُجوهَ مُغْتَصبيها. كلمات قصيرة، مرتّبة، مختصرة، ورْدَتُها والدةُ الاسير سامر العيساوي. وحريٌّ بِنا ان نسجّل في دفتَرِ يوم الارضِ انَّها المرّة الاولى، بعد صَرخات اخت الشّهيد خير اللّحام سنة 1976 في ارضِ المُواجهة، الّتي يُرفع فيها صوت امراة على منصّة تجري فوقَها مراسيمَ اسمِ الارض. كلماتها العفويّة الاموميّة الطّازجة رَشَّتْ مِلحا على جرحٍ بقيَ مفتوحا منذ يوم الارض الاوّل البعيد.انّنا نثبت لتاريخنا العظيم على هذه الارض انّنا من نسلِ البقاء، وانّنا لا نختار الموتَ كمفرٍّ اخير من غبنِ التّاريخ وهندسَةِ المؤامَرة العربيَّة والاجنبيَّة على حدٍّ سواء، ولكن نختارُ الموتَ كرِهان اخير على المَكان. حين تُفاضِلُ الجغرافيا بيننا وبين المكان ننسَحِبُ كي نشرِّعَ لُتُرابِهِ عرشا تعتليهِ اجيالا من بعدِنا. ونحنُ اعتَدْنا لِعبَة الموتِ الّتي ناضَلَ من اجلها خيرِ اللّحام ورِفاقِهِ الّذين سقطُوا حَقنا لترابِ ارض المل، (منطقة رقم 9) الّتي قرّر رابين، وزير الدّفاع انذاك، مصادَرتِها من فلاحّي الجليل. نحنُ نكتُبُ تاريخَنا لاجلِ ان يظلّ رهنا لحِكايَةِ الفلسطين الّتي لا تذهَبُ، ولو ذَهب انَاسُها.وعليهِ، لابدّ ان يعترفَ القاصي والدّاني انّ مسيرة يوم الارض الخالد لهذا العام شهادة عِزٍّ وفَخار لفلسطينيّي ال 48!
هكذا نقاوم هزيمة تاريخِنَا بِالكتابة! هكذا ايضا نستعيدُ تضاريسَ مدننا المقتولة لِتُبعَثَ، عبر حفرها في نسيج الحِكايَة، حتّى لا تصبِحَ عابرة! هكذا نوقظ رعشات عِشقِنا الاوّل، عبر اسطرتِهِ في حُلُم اللّحظة الدّامية ليظلّ خالدا. انّها اصعب الخيارات ان ترى اشواقك تنزف خلفك، تَدْمَعُ لَها، تجهِشُ حنينا او تبكي، وتمضي. لا خيارات كثيرة امَامَك، امّا انْ تَموتَ عِشقا وامّا ان تعيشَ شَوْقًا، ولانّنا شعب يختار الحياة نختار ان نعيشَ شوقا مستحيلا لنُسجِّلَ بِدمْعِ القلبِ لحظات كَنْسِنا من المكان ونفينا خارج ازمِنَتِنا الكثيرة، ثمّ عودتِنا لنفس الازمنة والامكنة، واصرارنا على البقاء. في بقائنا ولادة جديدة للذّاكرة، اؤمن انّ للذّاكرة ولادات، وكلُّ قّطرةٍ من غَيثِ الذّاهب يَليها خصبٌ في شِتاء القادِم، ولقادِمِنا شتاءات!
لحكاياتي الكثيرة ذاكرة تؤرّقني بلا اخر هذه الايّام. في عُمْقِ سِرِّها احداثُ يومُ الارض البعيد قبل سبعٍ وثلاثين سنة. ومنذ ايّام او ساعات، وفق ساعةِ الرملِ الّتي لا زمتني دعَسَت اقْدامُ يَوْمِ الارْض ِمن هُنَا، وقلبي لايزال واقفا عندَها، ولا ينجحُ في تقليب ورَق اللّحظات الّتي جاءت بعدَها.
في كلّ سنة يحضرني مشهد الشّارع والنّاس وخَيْرِ اللّحام!شارعٌ رئيسيٌّ يختصِرُ عمر ذاكرتي في ذلك اليوم، لقريةٍ يعجّ اسفِلتها الوحيد، تقريبا، بين شوارعَ ترابية كثيرة بالبشر والصّراخ. في مركِزِهِ تقف امراة بوجهٍ مُغبر ابيض، هي يسرا اخت خَير، تزعَقُ من قَحفِ راسِها زَعيقا يصِلُ السّموات بالارض وَتَنْذُرُ صَدْرَها للسّماء، ولا ينجحُ احدا بايقافِها، لانّ سائِرِ النّسوة توزّعنَ حولها كريش حمام تائه، وتناثرْنَ مثلها فوقَ الاسفلتِ الاسوَد. هُوَ ليس يوما للتذكّر ولا للتّحسّر، ولا للتامّل، هو ليس للنّضال تماما، ولكنّه يوم لصناعة التّاريخ من زاويةٍ غريبة على المؤرِّخ، وغير مفهومة تماما للمدوّن، لانّه لا يعرف ماذا ينتقي ممّا يعرف كي يدوّنه، ولعلّ الجديد الّذي لن يفهَمَه كلاهما معا، انّ كلّ ما لفلسطين يُدَوّن، بالصّوت بالحركة، بالصّورة، بالحُلُم، بالذّاكِرة، بساعات النّوم ِواليقَظة، بالرّيش الّذي يتساقطُ من جَناحِ عُصفور مذعورٍ ويمامة سارِحة، بالمَوتِ والحياة. لا توجدُ لحَظَاتٍ لا يمكن تسجيلها عن هذه الارض العملاقة، الواسعة، الممتلئة بِنَا وبِهم. بنِزاعاتنا ونِزاعاتِهِم. بشُهَدائِنا وقَتلاهُم. بحركات المقاومة الّتي تُنازِل مَصَالِحهم في كلّ مكان من اجلِ استعادَةِ رائحَةِ تُرابها. تُقاصِصُ عِصاباتِهم الّتي جاءت ضيفة، وخانت ايّامَ عدَّةِ الضَيفِ، قَتلَت مُضِيفيها، وابقت على مفاتيحَ البيوتِ في جيوبِها، واستوطنت جدارات الامكنة، واحالتها الى ذاكرة شخصيّةٍ تخصّ مَواطِنَها الاصلية، ولولا الدّماء الّتي تُراقُ للان، لما تَراجعت تلك العصابات عن قَتْل ِالذّاكرة ومصادرَة مدّخَراتِها. اسماء اجدادي واجدادك، خرّوبتنا المشتركة، قطيعُ الماعزالّذي كان للبروة، واستحال حظيرةً يربّون فيها البقر، اكّمات السرّيس الّتي لم نتقاتل عليها في وعور الجليل البعيدة، عصا الرّاعي ومساكِبِ القرّيص والخُبيزة، والحُلّيمة، والقندول الّذي يعفّرُ الوديان والجبال في جليل اشم وبلا نهاية. اينما ذّهبْتَ اضاءَ الاصفَرُ عينيكَ واحبَّكَ. لم يتقاتلوا على مُلكِ الله. كانت وعورا لنا جميعا. فجاة اصبحت اموالا متروكة، وطوّبّتها "الكيرن كيّيمت" كاموال متروكة. هنا تواصل نزاعنا المستميت معهم على الارض الّتي بقيت، وخطّطوا انتزاعها بالقوّة، وهنا تماما انتفض شبابُ القرى، وقريتي الجليليّة تحديدا على غبن التّاريخِ والسّياسة، ونذالَةِ العَرب. هُنا تماما مفرق التّاريخ الّذي زلّ تحت قَدمي، وابقى على وخْزِهَا الازلي، هُنَا فقدتُ عُذرية جديلتي الخرّوبيَّة ِالطّويلة، فوق شارعِ الاسفلت الاسود، وصور مجنزرة كاكيّة تتجوّل بين النّاس، ولا يبالي بمدافِعِها الموجَّهة احد. هنا رايتُ للمرّةِ الاولى امراة تمدّ يدها الى عمق كابينة الجندي الغائر في القاعِ دون خوفٍ، وتحاولُ ان تنزع خوذته. هُنا في يوم حار من ايّام اذار فَهِمْتُ انّ خَيْرِ اللّحام لن ياتي الى وَرشَة ابي ثانية كي يصلِّحَ عُطلا في مركَبَتِهِ الزِّراعيَّةِ، ويعُودَ الى الحَقْل!
كنتُ صَغيرة جدا، لكنّني اتذكَّرُ كلَّ شيء. كيف اقتحمت المجنزرات الكاكيّة شوارع القرية، كيف اخفت امّي بيجامة ابي عنّا، نحنُ الصّغار، كي لا نفهم انَّهُ خارج البيت. كيف اقنعتنا انّ طلقات الرّصاص لبنادِقِ صيادين يقنصون العصافير في ناحيةِ العَين ِالمُواجِهة لشرفةِ بيتنا الغربيّة. كيف غافلتُ امّي تحتَ الرُّصاص، وهربتُ منَ البيت كي اطمئنَّ على عمَّتي المُقِيمة تحتَ بيتِنا. كيفَ اقنعتها ان نعبُرَ الشّارِعَ ونزوزَ بيتَ عمّي لانّهم في خطر! كانّني جيشُ تحريرٍ حقيقي! كيف عبرتُ الشّارع على عجل، وانا اقربِطُ بذيلِ فستانِ عمَّتي البنّي حافية القدمين فوقَ اسفِلتٍ ساخن! وكيفَ جرّني فضولي الى ساحَةِ المغامرة.
اعتقَدْتُ يومَها انَّهُ يومُ القِيامة، وفق مفاهيمي السّاذجة لحَيْثِيّاتِ مَا حَدَثْ. همَسْتُ لِعمَّتِي باستعدادٍ مُستَميتٍ للمُغَامَرة، "يوم القيامة يتكلّم الشّارع، وهذا ما يحدث يا عمّتي، اذن هو يومُ القيامة". ضحكتْ عمّتي بعصبيّة وانفِعالٍ لم الْحَظهُما في وجهها الا لِمَاما، وهي تقبِضُ على يدي ونتقدّمُ، انا وهِيَ، بخطواتٍ مذعورة الى ساحة بيت عمّي الباطونيّة. سالونا كيف وَصَلنا، فاجبتُهُم بانتصار لم يفهمه احد سواي، "اقنعتُ عمّتي بالمجيء كي نطمئنّ عليكم" لم يبتسم احد. ابناء عمّي في حالة استنفار، وانا اشدّ على يد عمّتي كي لا يضيّعني يوم القيامة. لم افكّر بامّي الّتي تبحث عنّي، ولا بابي الّذي خرجَ الى حاكورة البيت يناديني. كان في راسي سيناريو واحد، ان ارى الصيّادين الّذين تحدّثت عنهم امّي. شعرتُ بانَّها لا تقولُ الحقيقة فوجدتُ بعمّتي ملاذي. بينما نحن وقوفا نرسل مخاوِفَنا للفضاء وسط ابتسامات ابنِ عمي توفيق، وتحريض زوجة عمّي لنا على الدّخول تقدّمَ صيّادو امّي منّا. بداية لم نصدّق، ولكن خلال لحظات فهمتُ انّ المجنزرة الكاكيّة هي الصيّاد وانّنا العصافير الّتي جاءتْ لاصطيادها. تعالْت صرخاتٌ من كلِّ زاوية. سبّ توفيق العالم واسرائيل واليهود، وارض المل، ورابين، ومساكبِ التَبغِ الَتي دمَرتها المدرّعة، وهي تتقدّمُ الهوينى منّا، دفعة واحدة. وخلال نفس اللّحظة استحال وجه زوجة عمّي لحبّة بندورة عميقة الحمرة، وفقدتِ القدرة على الكلام. توفيق ظلّ يسبّ اليهود، ومساكب التّبغ. انا بقيتُ اشدّ على يد عمّتي التّي خبّاتني في عمق فستانها البنّي حتّى كسّرت المجنزة ساحة البيت الباطونيّة، ودمّرت مساكب التّبغِ تماما، ومرت خلف ظهورنا المحتمية بشبابيك بلاستيكيّة رقيقة، ثمّ تقدمتْ حيث امي الجزعة، وابي القلق، واخوتي. همستُ لعمّتي برعبٍ حقيقي، "لقد ذهبوا الى اخوتي" لكنّ الغريب انّها لم تجزعْ، اخبرتني انّهم "راحوُا!" اين راحوا؟ لا احد يعرف سوى توفيق ’لّذي ظلّ يسبّ دولتهم حتّى ثارت الشّوارع.
حين خفّ اطلاقُ الرّصاص امسكتُ بيد عمّتي، وقطعنا الشّارع التُّرابي ثانية وعدنا ادراجَنا. رجوتُ عمّتي ان تصعد معي حتّى انجُو من عَلقَةٍ ساخنة، لكنِّي لمْ اكنْ بحاجة لتوسّلاتي، بمجرّد وصولنا ظهرَ ابي الجَزِعْ واحتضنني، ثمّ صعد بي على عَجَلٍ الى فوق. ناديتُها من فوقِ كتِفِه، "تعالي يا عمتي، اسّا بطخّوكِ" لكنّها كشَفَتْ عن سنٍّ مبتسمة ودخلتْ بيتَها.
لكنّ مغامرتي لم تنته عند تلك اللّحظة. فقد قرّرتْ امّي ان تخبزَ في ذلك اليوم، وقرّرتُ سرّا ان اتسلّل ثانية الى الشّارع الرّئيسي للقرية، ووَحدي، كي افهم ماذا حدث ليوم القيامة. لم استوعب بعد حركة النّاس السّريعة، وتجمّع القرية بكاملها في هذا الشّارع. لم افهم ماذا يعني خبط النِّسوةِ لصدورهنَّ، ولا ابيضاض وجه يسرا، اخت خير. فهمتُ انّها تنادي خير! وانّ خير قُتِل! لكنّني لم افهم ماذا يعني انَّهُ استشهد. حين نظرتُ لصورته مكمّما بالشاش في جريدةِ الصّباحِ التّالي افهمني ابي انّ موتهُ في سبيل الارض جعلَهُ شهيدا.
لا انسى مشهد الشّارع، والصّراخ. وفي كلّ ثلاثين من اذار المحُ خير اللّحام يركُضُ في الشّارِع، يفجُّ النّاس بمرفقيهِ ويبحثُ عن وجهِ رابين الّذي ارسل مدرّعاتِه وجنودَهُ كي يستولوا على ارضِ المل! في كلّ سنة اسمعُ "يا رابين اطلع برّا الارض العربيّة حرّة"، لكنني لم اردّد المقولة مرّة واحدة حتّى فهمتها. اذكر جيّدا انّ عصافيرَ الجليل قرّرت ان تعرِّسَ في ذلك اليوم، وانها تجمّعت باعداد هائلة فوق رؤوس البشر ورسمت اشكالا هندسيّة ساحرة، رايتُها للمرّة الاولى في ذلك اليوم. وجه يسرا الابيض، وبكاء امِّهِ الصّامت، وخَرَسُ والدهِ التّام، الّذي اصيبَ بالعَمى فيما بعد، ووقفتي الحائرة، الطّفلة الصّغيرة جدا، الّتي لم يرها احدا وسط الجماهير ِالغفيرة على طرفِ الشّارع. ويداي خلف ظهري احتجاجا على ضياعي. لم اتحرّك قيد انملة، الا لاتابعَ تفجّعَ الاخت الحزينة على اخيها. اذرفُ دموعا صامتة بين الفينة والاخرى، وامسحُها بكمّ يدي. لم استجب لتوسّلات اختي الاصغر منّي ان اذهب معها لانّ امّي قلقة. فهمتُ انّ المشهد لم يتنته بعد، وانَّهُ ليس يوم القيامة، بل شيء اخر اصعب. حتّى حلّ المساء والقت العتمة بسوادها في عينيّ. حينها اصبح لون النّاس والاسفلتِ احمرَ قانٍ. لم افهم شيئا سوى انَّ دمَ خَيْر نزفَ بينَ النّاسِ في تلك اللّحظة، واغرقهم بلون الدّم.
وفق الشّروط الّتي حدّدَتْها الرُّؤيا عدتُ الى البيت، لم ابالِ بصراخِ امّي، ولا بتحريضِها لابي علي. كنتُ اعرفُ انَّهُ لنْ يَفعَل. قلتُ لِامّي ببُكاء حقيقي، "لقد نزف الدّم بين النّاس، واغرقَ عيوني"، هكذا انقذني خيالي الخصب من كُفُوفِهَا الحَامِية.
حكايةُ الارض لم تنته. بداتُ استجوابي لابي حول خَير. قال لي جملة واحدة بعدها فهمتُ كلّ شيء، "هل تذكرين الشّاب الاشقر صاحبُ العينينِ الزّرقاوين الّذي كان ياتي على مركبة عالية؟ انّه خّيْر" فَزعتُ للوهلة الاولى، استحضرتُ صورتُهُ امامي، وحلّقت.. حين يصلُ الى ورشة ابي اقف على بيت الدّرج واتمسّك بالدّرابزين الحديدي كي الفتَ انتباهه بعِيدا عَن عيني ابي. هوَ لم يلتفت لأحد، كان يتسلّق مع شعره الطّويل الاشقر غيما لا نراه انا وابي. دائما رايتهُ على صهوة غيمة اعلى من رؤوس البشر، ودائما غِرتُ من حلقاتِ شَعرِة الدّائري الاشقر. ودائما تساءلت، لماذا ياتي بمركبة عالية لا تشبه مركبات الفلّاحين، اكان يُجهِّزُ نفسَهُ للطيّران فوق رؤوس النّاس؟ اكانَ يعرفُ انّه يمضي الى قدر لا يشبه اقدار البشر؟ اكان شعره الاشقرالغائب رِهانُ العاشِقِ على الغيبِ!
ذهبت السّؤالات، وابقت الحيّز المكاني الواسع في ورشة ابي فارغا من مركبتهِ الخضراء. لم يعد خير الى الورشة، وتوقّف عن حراثة الارض. ولوقت غير قصير ظلّتِ المركباتِ الزِّراعيّةِ بلا اجنحة، وبلا فرسانَ تقودُ رَسَنَهَا. انا بقيتُ حائرة انتظر حلقات شعر دائريّة شقراء جديدة. سافر خير خلف الغيم. احيانا اطيل النّظر الى السَّماء، واتساءل اذا كان خير اللَّحام يتذكّرُ طفلةً كانت تقف خلف الدّرابزين وتغنِّي اغنياتِ صفّ البُسْتَان كي تثيرَانتباهه!