غريب ذلك الشبل الذي غادرنا وسط عيون لم تفارقها دموعها وما زالت براءة الطفولة على محياه تتحدث ... تحاكي سنين الغربة السادسة والاربعون حين غادرنا واترابه وهو في سن الثالثة عشر ربيعا من مخيم جباليا تحت وطأة نيران القذائف والرشاشات ليعود غريب وهو ابن التاسعة والخمسون ربيعا .
تلك السنين التي عاشها غريب بين ركام أزقة وأطلال مخيم البداوي فقرا مدقعا يتحدث عن نفسه بممنوعية احتراف ما لا يقل عن 65 مهنة .
مخيم البداوي الذي حكم عليه بممنوعية الاعمار وملاحقة كل ذرة اسمنت لكل فرصة عمل وما زال قائما ومستمرا باهله بلاجئيه وآثار الجرائم التي ما زالت شاهدا حيا على جرائم الاحتلال .
الفلسطيني في لحظة من اللحظات حين يفقد كافة مكونات التعريف عليه من أوراق وغيرها وسط الدمار الشامل سواء جراء الحرب الأهلية او قذائف طائرات العدو الصهيوني يكون قد انعكس عليه منظومة من تداعيات الوضع والمؤثرات السكيولوجية مما قد ينسيه ذلك اسمه الحقيقي لا بل مكوناته العائلية التي تركها وسط متغيرات الواقع الديمغرافي .
انها الحرب الوجودية من تمزيق وضياع الهوية الوطنية وكافة مكونات الوجود الإنساني .....
غريب ذلك الاسم الحركي لذلك المقاتل الذي نمى وترعرع في اتون حرب المخيمات وحروب الردة والتتار من اجتياحات متلاحقة متنقلا ما بين بيروت وسوريا والميه ميه وشاتيلا والبداوي حارسا لذلك الوجود صابرا صامدا في وجه الملاحقة الوجودية للانسان الفلسطيني غير ابها بالحياة غير آبها بأي شيئ سوى ما تبقى لنا من كرامه أملا ان يعود الى مسقط رأسه في مخيم جباليا التي في لحظة من اللحظات فقد ذاكرة معالمها التي فعلا تغيرت على مداد سنين العمر .
وما بين ازقة مخيم اليرموك وازقة صبرا و الاوزعي تتجلى جدلية العلاقة بين مكونات الوجود الفلسطيني المعبر عنه بثبات ووجود ذلك المقاتل الذي انبرى من بين أزقة وشوارع مخيم جباليا وبين مخيمات وشوارع اللجوء في لبنان وسوريا ومداد أزقة شنلر وغيرها من شوارع الأردن .
في أتون التجربة وعراقتها خاض غريب الدورات الكفاحية في روسيا ..
يقول غريب عندما طلب مني ان اعبئ استبيان عن مكوناتي العائلية لم يكن لدي أي شيئا أعبئ بها الاستمارة سيما وانني اعيش تحت كابوس النسيان ... وعدم المعرفة حقا بعد سنين طويلة خلت .
في ضنك الحياة وملاحقة قنابل الخريف العربي أخيرا يقول غريب ..يبقى الفلسطيني غريبا الى ان يعود ... الى ان يعود ...
عاد غريب ... سمير ...مغنم ... سمي ما شئت من الأسماء سمي يا رفيقي ما دامت هذه الأسماء تعبيرا عن كلمات السر للطريق التي تعبر عن روح التلاحم والدفاع عن القضية الفلسطينية عبر أشرس معركة للوجود الإنساني عبر جدلية العلاقة التي تفعل فعلها في ملاحقة شطب الهوية على طريق الاندثار ...
أخيرا عاد غريب الذي لم يستخدم اسمه الحقيقي " سمير " حتى قارب أن ينساه ..............
وحين أصر على انتزاع الغماية الضاغطة على دماغه ورقيبه الذاتي عادت الدماء تتدفق الى شرايينه مع أول ساعة من عودته إلى شوارع وأزقة مخيم جباليا مخيم الثورة واللجوء عادت الذاكرة وكأن شيئاً لم يكن .
سمير .... غريب .... تلك الرواية والمخاض الذي يعبر عن حياة ومكونات الكثير من الفلسطينيين في كافة أصقاع الأرض .
عاد سمير ... غريب ... إلى عشقه الأبدي يتفقد ازقته ... جيرانه ...ممن بقوا أحياء مصادفة ...
غريب سندانة من سنديانات فلسطين سنديانات عراق السودان .
يقول غريب .. كنت دائما وسط لهيب المعركة وقذائف المورتر حين كانت لا تفارقني دندنات اغنية غريب الدار القائلة ... غريب الدار عليه جار زماني قاسي وظلمني ...مشيت سواح هنا وهناك بدور عالي راح مني ...غريب ... غريب .... غريب الدار .... غريب الدار ...
ليجد نفسه كما قال بين اهله وعشيرته الاكبر والاعظم من رفاقه في الجبهة الشعبية الذين احتضنوه بدفئهم الرفاقي الذي جعله استرداد ما ضاع من تيه الذاكرة والعودة الى هذا الجزء الاصيل من هذا الوطن يستطرد غريب قائلا ..انه الامن والامان والحياة ما بين شغاف الاهل والاحبة والرفاق والذاكرة اقبل من اقبل من احبة توافدوا من كل صوب وهدب وما زال شريط العمر يلاحقني متذكرا الشهداء ممن قضوا على مذبح الحرية وامن شوارع مخيمات اللجوء ... ما تبقى من دمار في ابنية وازقة البداوي وشاتيلا والميه ميه ودموع تنهمر لم يدري احد ان هذه الدموع هي عصارة التماهي ما بين شوارع وازقة مخيم جباليا وشوارع وازقة الشتات المعذب اهله الى ان نعود ... الى ان نعود ... الى ان نعود ....