اما جاهل أو معتوه

حجم الخط
نحن كفلسطينيين وربما يشبه حالنا الكثير من شعوب هذه الأرض، لا يهمنا لا بقليل ولا بكثير ما يصدر من تصريحات ومواقف للمرشحين المحتملين أو حتى المرشحين للرئاسة الأميركية، لا خلال المرحلة التحضيرية للانتخابات الحزبية، ولا حتى حين يرسو التنافس على مرشحين من الحزبين المهيمنين على السياسة الأميركية، الديمقراطي والجمهوري. ولقد علمتنا تجربة عشرات السنوات، أن السياسة الأميركية لا تستند إلى البعد الشخصي، وان الفارق بين رئيس وآخر، هو فارق نسبي ذلك أن ثمة آليات معروفة لصناعة القرار، لا تغيرها أو تعدلها على نحو ملحوظ المزايا الشخصية للمرشح أو الرئيس. لاحظنا كيف تعاطفت الشعوب العربية والإسلامية، ومنها الشعب الفلسطيني مع الرئيس الأميركي الحالي براك أوباما، لا بسبب لون بشرته، ولا لأصله الإسلامي رغم تنكّره لذلك، وإنما لأنه استخدم خطاباً ثقافياً ينطوي على قدر من التقدير للإسلام، والمسلمين، لغة نال على أساسها، جائزة نوبل عن سلام لم يحققه، بل فشل في تحقيقه. كل ما هنالك، أن أوباما جاء بعد ولايتين لجورج بوش الابن، خاض خلالهما حروباً ومغامرات خاسرة، واستخدم خطاباً يؤجّج الصراع بين أتباع الأديان السماوية، ويحرض أصحاب الحضارات على بعضهم بعضاً، الأمر الذي أساء إلى سمعة الولايات المتحدة بين شعوب العالم، وعمّق كراهيتها ضد الغطرسة الأميركية، وبالتالي حاول أوباما، تحسين صورة بلاده وإعادة رسم صورة غير حقيقية لها بين شعوب الأرض. ماذا كانت النتيجة؟ لقد فشل أوباما في أن يصلح ما أفسده الدهر فالولايات المتحدة، الدولة الأعظم على وجه الأرض حتى هذه اللحظة، من المستحيل أن تتخلى عن أطماعها وأنانيتها، ومصالحها، وأن تتخلى عن سياستها، الاستغلالية والاستعلائية، للشعوب الأخرى، مهما تحلّى رئيسها بالإخلاص بفكرة مغايرة. إن الرئيس في الولايات المتحدة هو مجرد الموظف الأكبر، والأول الذي عليه أن ينفذ السياسات التي ترسمها دوائر القرار والمصالح والاحتكارات ومنها اليهودية الأميركية التي تحظى بمكانة وتأثير كبيرين. معروف أن الولايات المتحدة تاريخياً، تشكل الحليف الرئيسي والسند الدائم والقوي لإسرائيل، وهذه حقيقة سياسية وأخلاقية ثابتة، لم يغيرها قول الرئيس الراحل أنور السادات بأن الولايات المتحدة تملك 99% من أوراق حل الصراع في الشرق الأوسط، ولم تغيرها كل المراهنات التي عقدتها وتعقدها دول وجماعات سياسية، خصوصاً في المنطقة العربية، والتي تتطلع إلى أن يكون دعم أميركا لإسرائيل مرجّحاً، ولكن ليس بنسبة 100%. كما لم ينجح الرئيس أوباما في أن تولد خطاباته مثل هذا الأمل لدى المراهنين على تغيير ولو طفيفا في وضعية الولايات المتحدة بالنسبة لإسرائيل والعرب، فلقد اتضح أن الرئيس الأميركي مستعد لأن يتحمّل الكثير من الإهانات التي تصدر عن مسؤولين إسرائيليين، بل وان يغدق العطايا للإسرائيليين حتى لو أدى ذلك إلى إغضاب العرب، لنيل رضى إسرائيل واللوبي اليهودي أملاً في الحصول على فرصة للفوز بولاية رئاسية ثانية. وبالمناسبة، لا نستطيع أن نقدر ما الذي سيقدمه أوباما لإسرائيل خلال العام المقبل، الذي ستجري فيه الانتخابات الأميركية، فقد يعطيها الضوء الأخضر لتوجه ضربة عسكرية لإيران، رغم أن السياسة الأميركية لا ترى وجاهة في تصعيد التوتر العسكري وإثارة أجواء الحرب والصراع في المنطقة. ومع الأسف فإن ما نقوله أو نكتبه، أو ما يصدر حتى على ألسنة مسؤولين فلسطينيين أو عرب في وصف تصريحات المرشحين للرئاسة الأميركية، لا يؤثر من قريب أو من بعيد على خطابات الدعاية للمرشحين للرئاسة الأميركية فالقول هنا يعود إلى أصحاب النفوذ والقوة المؤثرة على أصوات الناخبين، وهؤلاء ليس من بينهم العرب والمسلمون. عدد المسلمين والعرب الأميركيين يفوق بكثير عدد اليهود الأميركيين، وهم بالتأكيد يتمتعون ببعض القوة، لكنهم مشتّتون، ولم ينجحوا في تجميع عناصر قوتهم للتأثير في الحياة السياسية الأميركية. لكن كل ذلك شيء، وما صدر عن المرشّح المحتمل للرئاسة الأميركية عن الحزب الجمهوري ليوت غينغريتش شيء آخر، يدلّ على مدى ضحالة الثقافة والمعرفة التي يتمتع بها هذا المرشح المحتمل. غينغريتش قال: "إن الفلسطينيين مجموعة إرهابية، ليسوا شعباً، وإنما تم اختراعه، إذ لم يكن لهم دولة، وإن معاملة الرئيس أوباما لهم على قدم المساواة مع الإسرائيليين أمر يدعو للأسف". المفروض أن مثل هذه التصريحات، تترك لدى كل مواطن أميركي شعوراً بالخجل، والحزن وسيكون كارثياً إن نجح هذا المرشح في أن يكون مرشحاً للرئاسة، والكارثة أكبر لو أنه فاز فعلياً بمقعد الرئاسة، حينذاك سنطالب كل من انتخب هذا المرشح باعتذار للشعب الفلسطيني ولكل شعوب الأرض، وكل المؤسسات الدولية، التي تعترف بالشعب الفلسطيني وبحقه في تقرير مصيره. خطاب هذا المرشح المحتمل، يخرج عن سياق التاريخ، وهو يحاول المزايدة على الديمقراطيين وعلى نظرائه المرشحين الجمهوريين، تزلّفاً لإسرائيل، بأن يستعيد مقولة الحركة الصهيونية، التي نفذت مخططاتها في فلسطين تحت عنوان "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، تلك المقولة، وما يقف وراءها من سياسات ومواقف طمرتها تحت التراب، حركة التاريخ، التي نسفت كل مكوّناتها. لقد فرض الشعب الفلسطيني وجوده السياسي والثقافي والحضاري والتاريخي على الأرض، رغم كل محاولات الإنكار والتذويب والتشريد، والتوطين والدمج، وها هو يكافح لفرض حقيقة وجوده كهُويّة وطنية في دولة على أرضه المحتلة. إما جاهل بحقائق التاريخ، وإما أن يكون معتوهاً من ينكر أو يتنكّر لحقائق التاريخ التي تؤكد أن الشعب الفلسطيني أعمق جذوراً في أرضه، وأسبق حضارة بآلاف السنين من وجود الولايات المتحدة نفسها، وإن كان هذا ما يبدأ به هذا المرشح المحتمل لخوض المنافسة على الوظيفة الأولى والأهم في الولايات المتحدة، فما الذي يتبقّى له أن يقوله وما الذي يتبقّى ليفعله في حال فوزه، إلا إعلان الحرب المستمر على الشعب الفلسطيني بعد أن شطب تاريخه وحقوقه؟