منذ أن كتب نجيب محفوظ، روايته الحائرة "القاهرة الجديدة" في العام 1945؛ تعيّن على المعنيين بفك ألغاز مجتمع الدولة والمدينة الصاخبة، أن يعودوا في كل فترة، الى التأمل في أوضاع المحروسة بمجملها. وهذا ما كان يبتغيه المخرج السينمائي صلاح أبو سيف، عندما قدم الرواية على الشاشة، في العام 1966 مع تغيير عنوانها الى "القاهرة 30". منذئذٍ، اقترن رقم الثلاثين، بحكاية المدينة وما تضطرم به من أوجاع، وتناقضات، وانحباس للدم في الشرايين..!
الفضاء العام، للرواية، كما للمقاصد في ذلك السياق؛ كان يتسم بمنحى قوامه خوض الروائي محفوظ، في حيثيات الأيام وأوضاع السلطة، والإقلاع عن ترف الأيديولوجيا أو الذهاب الى استرجاع التاريخ البعيد. فـ "القاهرة الجديدة" مثلت نقطة تحوّل رئيسة، في أدب القاص الموهوب. نقلته وقائع الأربعينيات وأحداثها السياسية والاجتماعية، وشقائها؛ من الرواية التاريخية الفرعونية (عبث الأقدار، رادوبيس، كفاح طيبة) الى رواية الحال الذي فيه الناس، والى الخط الواقعي، الذي ينبري فيه الفنان، الى الوصف بعد التأمل بعين ذكية. وصلاح أبو سيف، المتأثر بمدرسة الإخراج السوفياتية في الستينيات، أخذ صورة الأربعينيات، التي رسمها محفوظ، كوثيقة إدانة لعهد بائد، وقدمها للمشاهدين، فأصبح رائد السينما العربية الواقعية. استعاد الرجل الفكرة، عندما تردت الأوضاع في مصر، فأعد نفسه لتقديم "القاهرة 90" لكن العمر لم يمهله.
الثلاثون من حزيران (يونيو) 2013 يمثل، كذلك، مشهداً لرواية يتعين أن تُكتب. منذ "القاهرة 30" حتى الثلاثين من العام 2013 تغيرت الأسماء وبقيت الأدوار في توجهاتها العامة. ما زالت تتبدى، في المشهد، جموع الناس الطيبين الطبيعيين، الباحثين عن خلاص، المفعمين قلقاً على مستقبل حياتهم. هم الغالبية الساحقة، التي يعوم فوق بحرها، الانتهازي صاحب "طُز" والثوري المثالي الحالم وغير الواقعي، والديوس السعيد. ثلاثتهم لا يلبي طموح الناس التي تفتش عن رمزٍ يأخذها الى وجهة صائبة، وتتمثله "عصبية" نبيلة، تتلخص في نخبة من رجال قادرين على حمل أعباء الـ 30 الجديدة. أما الثلاثي العقيم، الماكث وإن تبدلت أشكال الانتهازية ومزاعم الثورية وأنماط البيع الرخيص للأوطان؛ فلا يُرجى منه سعي الى الخلاص..!
نظرة واحدة، من عين سينمائي واقعي، على مشهد التردي العام في العالم العربي؛ يدعو الى استذكار نصيحة ابن خلدون الذي دعا الى "عمران" تنهض به عصبية تعكس إرادة الأمة وتحظى بثقتها. فلا عمران في السياسة والاجتماع والتحقق الحضاري والوطني؛ دونما عصبية نبيلة، يجمعها الهدف، ويلتقي أهل العزم فيها، على تحمل العبء. أما العصبيات الرديئة المغلقة، فإنها تفعل العكس، لأنها تمثل خطاً لانتاج الانتهازيين والعقيمين والنعراتيين، وأدعياء الوصاية على الآخرين، ومعتمدي منطق البيع الرخيص في كل أمر.
* * *
في مصر، أرض الكنانة حصراً، ما زال المشهد يستحث ويتحدى إمكانيات الكاميرا، ويتطلب مخرجاً يرتب اللقطات بالتوازي مع خط يحدد وجهة الوجدان الشعبي، يكون التقطه وسط الزحام. إن شقاء الناس، في الثلاثين من حزيران (يونيو) معطوف على شقائهم في عام الثلاثين من الألفية المنصرمة. آمالهم في الأولى، هي من جنس آمالهم في الثانية: الحق في الحرية، وفي الخبز، وفي الاطمئنان على المستقبل، وحقهم في قيمة عُليا للمواطنة، وفي مكانة رفيعة لمصر، تليق بها، وكذلك حق "المحروسة" في أن تشِع، وأن يسطع نجمها. فإن خبا نجم مصر، حلّت العتمة في الوطن العربي. وهذه قاعدة قياس، ترقى الى سوية النواميس في التاريخ وفي السياسة..!