من وحي ثورة 30 حزيران.

حجم الخط
في عام 1965 طرح المفكر القومي العربي د.قسطنطين زريق سبقاً فكرياً حول إبتكار ما أطلق عليه (علم النكبة) الذي يعني البدء بدراسات ثاقبة ودقيقة لقضية فلسطين أصولها، وأطوارها، وأحوالها الحاضرة ومستقبلها أي بإختصار التعامل مع النكبة بعقلية علمية تستند للنقد والبحث لأن قضية فلسطين كما أكد ليست قضية حق فحسب بل قضية علم وعقل مستنير يشكل للشعب العربي ذخيرة علمية وفنية وفكرية تغدو سنداً قوياً للعمل. ومن وحي الثورة المصرية نقول إن الثورات الشعبية عموماً ورائعتها الثورة المصرية خصوصاً تحتاج إلي إفراد علم خاص بها يبحث فيها بعمق وتجرد لاستخلاص العبر والحفاظ عليها كتجربة مشرقة ونقلة حداثية في العقلية الجمعية العربية لتراكم عليها الأجيال وتمضي قدماً بعيداً عن الاستلاب والتذويب اللذان كادا أن يطيحا بها خلال الفترة السابقة التي عجت بتناقضات بنيوية جعلت من الإنفجار الشعبي حتمياً. اللافت في ثورة 30 حزيران أنها كاليوتوبيا الثورية التي حلمنا بها طويلاً إذ خلق الشعب طليعته وأنضجها بسرعة قياسية ثم قادها خلفه إلى حيث يريد فحافظ عليها من الإنزلاق وضياع البوصلة, ناهيك عن أنها كرست وبعمق معنى الفعل والمسؤلية والمسائلة الشعبية الجمعية بتلافيها لأخطاء ثورة يناير التي أنضج خلالها الشعب حلمه ولكنه لم يتمكن من تحقيقه على الارض لغياب صيغة القيادة الشعبية التي يفرزها الشارع والفعل الثوري على الأرض. لكل ما سبق نقول إن ثورة يناير كانت شرارة كادت أن تضيع في زخم تناقض وتضارب البرامج والمصالح ثم جاءت ثورة 30 حزيران لترسم معالم التطلعات الجماهيرية وتحدد سقف صلاحيات النخب السياسية والاحزاب على إختلاف توجههاتها أي أنها وبإختصار أعادت زمام المبادرة لأصحابها (الجماهير الشعبية) التي يتوجب عليها في راهن الوقت أن تحافظ على ثقافة وفعل الثورة والثقة بها كمحدد أساسي لحركة التاريخ وأن تنضج قيادتها من بين صفوفها ليظل الشعب سلطةً قائمة بذاتها تحد بين سلطات أي نظام سياسي ستأتي به العملية الديمقراطية فيما بعد, وكي لا نُغرق في التفاؤل فالمشهد ليس مثالياً خالصاً إذ يظل الخوف قائماً كدافع عمل وباعث حركة ليحافظ الشعب على ثورته نقية ديمقراطية يجنبها هزات ارتداد الثورة المضادة أو سياسات اقصاء وغبن أي طرف كان مع حفظ المكانة للمؤسسة العسكرية كضامن للديمقراطية والإرادة الشعبية وليس مسيراً لها.