مصر: مؤامرة ممتدة على ثورة مستمرة

حجم الخط
ثورة 25 يناير المصرية-ككل ثورة- حدث تاريخي فاصل أطلق صيرورة تغيير لا يمكن إيقافها إلا بإنهاء البنية السياسية الاجتماعية الاقتصادية السابقة عليها، وإحلال بنية جديدة محلها، وفي أقلة إجراء تعديلات جوهرية عليها. لكن هذا وذاك لم يكن ليكون دون الدخول في تعرجات والتواءات تفرضها حقيقة أن الثورات ليست قطاراً يسير على خطين مستقيمين، إنما على درب وعرة فيها الصعود والهبوط، وفيها التضحيات والإنجازات. وغني عن الشرح أن الشعب المصري-ككل شعب يعيش زمناً ثورياً- تعلم في كل يوم من العامين الماضيين أكثر مما تعلمه في سنين من الزمن العادي. لذلك كان من الطبيعي لدرجة البداهة أن تأخذ ثورة 25 يناير مداها بوصفها علاجاً له ديناميكيته الخاصة وموجاتها المتتالية التي جاء بعضها جامحاً كجموح حصان انطلق بعد حجز طويل، ما يجيز القول: إن موجة 30 يونيو هي، وإن كانت الأعلى حتى الآن، إلا أنها- على الأغلب- لن تكون الأخيرة، لكنها في الحالات كافة راكمت على انجازات موجة 25 يناير، وأضافت أولياً: 1: شقت طريق العزل الجماهيري لأقوى تيارات "الإسلام السياسي"، "الإخوان"، بعد انكشاف عجزه وفشله، واتضاح أنه مجرد إجابة خاطئة على أسئلة الثورة الصحيحة. ففي 30 يونيو الماضي استعاد الشباب المصري زمام المبادرة، وأطلق أعتى موجات ثورة 25 يناير حتى الآن، وفجَّر غضب شعب أطاح السلطة السياسية لجماعة "الإخوان"، كجماعة محافظة ركبت موجة الثورة، وخطفت جهد مشعلها الحقيقي، (الشباب)، وصانع انجازها الفعلي، (الشعب)، عبر توسل المقدس الديني، وتقمص دور القائد الثوري الديمقراطي، وإبرام الصفقات مع قوى الثورة المضادة بقيادة الولايات المتحدة، خارجياً، ورجال المال والأعمال، داخلياً، بغرض احتواء حدث 25 يناير التاريخي، ووضع سقف لأهدافه، وحرف مساره الثوري عبر إدخاله في دهليز مسار دستوري ليبرالي، أوصل السيد مرسي كممثل لجماعة "الإخوان" لمنصب رئاسة الجمهورية. وهو ما استغله لمصلحة تمكين جماعته، وكانت ذروة ذلك عندما انتهك الدستور وتجاوز صلاحياته وأصدر "إعلاناً دستورياً" جعله حاكماً بأمره بغرض تمرير مشروع دستور غير متوافق عليه. وكل ذلك في إطار تسهيل عملية "أخونة" الدولة والمجتمع والاستئثار بالسلطة وإقصاء الآخرين عنها. 2: عمقت مفهوم الثورة في ذهن الناس، حيث لم تعد الثورة مسألة تغيير شخوص، فمرسي، (مثلاً)، صار في الوعي الشعبي علامة فاشلة لتيار سياسي يعيد انتاج سياسات نظام مبارك، داخلياً وخارجياً، اجتماعياً واقتصادياً، أي "استبدال رأسمالية السيجار برأسمالية السواك"، وفقاً لصياغة حمدين صباحي الذكية، حيث حل رجال مال وأعمال "الإخوان" بقيادة خيرت الشاطر وحسن مالك محل رجال مال وأعمال نظام مبارك بقيادة أحمد عز وحسين سالم. 3: زادت انتباه القوى والتيارات السياسية والحركات الشبابية للثورة إلى حاجات الناس الواقعية، بحسبان أن تلبيتها، هو القول الفصل في الحكم على جدارتها، والمعيار الأساس لتقدم أو تراجع شعبيتها. 4: عمقت وعي الناس بالدور الأمريكي التخريبي وارتباطاته في الداخل ممثلة ببقايا نظام مبارك، ومن ركب موجة الثورة في غفلة من مشعلها، (الشباب)، وصانعها، (الشعب). وقد تجلى ذلك في إعادة الاعتبار لمفهوم السيادة والاستقلال الوطنييْن ورفض التهديدات والابتزازات الأمريكية، ما يعني اتساع وتعمق الوعي الشعبي بأن مصر حتى لو تخلصت من حكم أقوى تيارات "الإسلام السياسي"، "الإخوان"، فإن الولايات المتحدة بوصفها قائد الثورة المضادة خارجياً، لا تريدها دولة عَقْدِيَّة خارج التبعية السياسية والأمنية لها، وخارج استمرار إدراجها في دواليب نظام اقتصاديات الليبرالية الجديدة ومفاهيمها تجاه ما يسمى دول "العالم الثالث"، وهي المفاهيم العنصرية الاستعمارية ذاتها المرادفة لعبء "الرجل الأبيض" كما صاغه جون ستيوارت مل الذي قطع بأن "الغرب المتمدن" هو وحده القادر على الأخذ بيد "الشرق المتخلف"، والوصول به إلى درجة "الرقي والحضارة"، وأن "الغرب" بذلك إنما يتحمل أعباء "تمدين الشرق". ماذا يعني هذا الكلام؟ بموجة 30 يونيو من موجات ثورة 25 يناير دخل الشعب المصري-بقوة- على خط الصراع الدائر بين تعبيريْن سياسييْن لطبقة الرأسمالية الكمبرادورية ذاتها، هما تيار"الإسلام السياسي بطبعة الإخوان" وتيار"الانفتاح الساداتي بطبعة مبارك"، ما يؤدي إلى إنهاك هذيْن التعبيريْن، وإفساح المجال أمام بروز تعبيرات سياسية جديدة، وربما تعديلات على الدور القيادي لشرائح الطبقة الرأسمالية المصرية، ما يجبرها على إعادة صياغة خطابها باتجاه عقلاني رشيد يحمل مهمة إعادة بناء الوطنية المصرية بصورة أكثر تجانساً، وبما يمكِّن من إعادة صياغة نظام حكم قائم على العلاقات المدنية في نظام برجوازي ديمقراطي يفك ثنائية إما "الدولة الدينية" أو "الدولة العسكرية"، أي نظام ينتهج سياسة اجتماعية اقتصادية هي أقرب إلى "الرأسمالية الاجتماعية" التي بمقدورها الحفاظ على استقرار النظام. تتبدى ملامح ذلك في ما أطلقته موجة 30 يونيو من مبادرات اقتصادية اجتماعية لجمع تبرعات تستهدف الرد على التهديد-الابتزازي- بقطع المعونة الأمريكية، وفي دعوة الجمعيات الخيرية الوطنية إلى الحلول محل الجمعيات "الإخوانية" التي تقدم أعطيات الإعاشة لنحو مليون أسرة مصرية، وفي مبادرة بعض الرأسماليين الوطنيين بطرح مشاريع اقتصادية كبرى ذات طابع انتاجي تنموي، خاصة في محور بور سعيد سيناء. وهو ما من شأنه أن يرفع عدد سكان سيناء إلى مليون نسمة. هذا ناهيك عن رؤى تنموية مختلفة تقدم بها العديد من العلماء والمفكرين والسياسيين المصريين مثل عالم الفضاء، فاروق الباز، والمفكر الاقتصادي الكبير، أحمد سيد النجار، والسياسي اللامع، مصطفى الجندي، نائب رئيس البرلمان الأفريقي، الذي طرح حلاً يعطي مصر دور مركزي في تنمية بلدان حوض النيل، بما لا يحرم دول المنبع من الحق في التنمية، ويزيد من حصة مصر في مياه النيل. إذاً ثمة بعد اجتماعي للثورة آخذ بالتعمق بعد أن غيبت سياسة الانفتاح والخصخصة الفكر التنموي المنتج الذي ساد مصر في العهد الناصري لمصلحة سيادة الفكر الكمبرادوري الاستهلاكي والإفقاري في آن. لقد اكتشف المصريون العاديون المنخرطون في الثورة أنه لم يكن هنالك نظام يتمتع باستقلال وطني ناجز، لا في عهد مبارك، ولا في عهد "الإخوان"، ما جعل شعار الكرامة الوطنية مرادفاً لشعار السيادة والاستقلال الوطنييْن. هنا يتبين أن قوى الثورة الفعلية التي اشغلها الإخوان وبقايا نظام مبارك في لعبة تغيير الشخوص، قد اصطدمت بحقيقة مفادها، أن الأمر يتعلق بتغيير بنية فاسدة تابعة وخاضعة أدرجت مصر، سياسة واجتماعاً واقتصاداً وأمناً وثقافة، في دواليب نظام الليبرالية الجديدة المعولم بقيادة الولايات المتحدة. قصارى القول: موجات ثورة 25 يناير تترى، وكما لم ينفع لاحتواء موجتها الأولى لجوء "الإخوان" إلى توسل المقدس الديني ونظام الأعطيات وتقمص دور حامي "الشرعية الدستورية" وعقد الصفقات مع قوى الثورة المضادة، داخلياً وخارجياً، فإنه لن ينفع لإيقاف اندفاع السيل الجارف لجولتها الثانية لجوء "الإخوان" إلى ممارسة العنف ووعيد إغراق مصر في أتون حرب أهلية. فالشعب المصري قرر-بعشرات الملايين- تصحيح مسار ثورته، وطلائعه الشبابية قررت-بإبداع وطموح ثوري لا حدَّ لهما- اقتحام عنان السماء وتقديم التضحيات المفروضة في سبيل إنجاز مطالب هذه الثورة السلمية في "العيش والحرية والعدالة والكرامة والاستقلال الوطني". ما يعني أن مصر بعد 30 يونيو الماضي صارت فعلا أمام مؤامرة ممتدة على ثورة مستمرة. ولا عجب. فأوروبا خاضت حروباً داخلية وخارجية على مدار عشرات السنين حتى استقرت دولها القومية الديمقراطية المدنية الحديثة. بقي القول ليت "الإخوان" يقرون بأن قيادتهم، وتيارها الصقري بالذات، هي المسؤولة عن سقوط سلطتهم في مصر، وعن كل ما ستتركه ارتدادات هذا السقوط المدوي من آثار عميقة على مكانة تنظيم "الإخوان" ودوره في الوطن العربي كله. إذ بهذا الإقرار- المراجعة- فقط يمكن تجنيب مصر الدولة و"الإخوان" التنظيم- المطلوب ترخيصه وفقاً لقوانين دولة وطنية ديمقراطية مدنية حديثة- جريرة تمادي قيادة جماعة "الإخوان" في حماقة ممارسات العنف التكفيري التي أطلقها خطاب المرشد، بل المحرِّض، العام للجماعة، وغيره من رموز التيار الصقري في قيادتها.