مقابلة | ماركوزة ومدرسة فرانكفورت

حجم الخط
نقدّم في هذا العدد من راديكال الجزء الأول من النص الكامل لمقابلة أجريت مع المفكر هربرت ماركوزه عام 1978. يتناول النقاش الذي يديره مقدّم برنامج "رجال ذي أفكار"، بريان ماجي، العديد من النقاط حول إسهامات مجموعة مدرسة فرانكفورت الفكرية منذ إنشائها أوائل عشرينات القرن المنصرم، وتحديداً مواقف ماركوزه وتأثيره على الحركة الطلابية في الستينيات والسبعينيات. راديكال - ترجمة وتقديم عصام حمبوز ينطلق المحاور من المقولة الماركسية حول “حتمية” إتجاه المجتمعات الصناعية نحو المجتمع الشيوعي والتي لم تحدث بتاتاً. حيث اتجهت بعض تلك المجتمعات (إيطاليا، ألمانيا، الخ) بدلاً من ذلك إلى الفاشية. ردة فعل الماركسيين لهذا الواقع كانت منتوعة: ترك البعض الماركسية كون هذه “النبوءة” كانت غير دقيقة، في حين لم يهتم آخرون لتناقض هذه الجزئية مع الواقع المعاش، ووقف آخرون موقفاً متمسكاً بالماركسية من جهة وداعياً إلى إعادة النظر فيها بغية إبقائها منهجاً راهناً. تبنى الخيار الثالث مجموعة من الماركسيين في نهاية العشرينيات، عرٍفوا فيما بعد بمدرسة فرانكفورت والتي اضطروا إلى تركها لاحقاً، في أوائل الثلاثينيات، بعد وصول النازية إلى السلطة، و انتقلوا في منتصف العقد ذاته إلى الولايات المتحدة. أبرز رموز هذه المدرسة: ثيودور أدورنو (Theodor Adorno): فلسفة، علم إجتماع، الموسيقى ماكس هوركهايمر (Max Horkheimer): فلسفة، علم إجتماع هربرت ماركوزه (Herbert Marcuse): المفكر السياسي الذي لمع نجمه بين أعضاء المجموعة وصلت شهرة هذه المدرسة أوجها في الستينيات من القرن المنصرم، يقول المحاور، لعدة أسباب، أهمها: الحركة القوية لمراجعة الماركسية في أوساط الماركسيين، في دول أوروبا الشرقية تحديداً فترة أحداث ربيع براغ 1968. وضعت هذه الحركة مدرسة فرانكفورت أمام الواقع الحقيقي للحياة في الدول الشيوعية. الإهتمام المتزايد بالماركسية في الغرب، و تحديداً في أوساط الشباب المثقف والذي كان جزءاً من الحراك الطلابي العاصف في فرنسا والولايات المتحدة. أعتُبِرَ ماركوزه رمزاً للحركة الطلابية آنذاك (الناصح السياسي)، حيث استخدموا أفكاره وعباراته في حملاتهم التي لم تتحوّل في النهاية إلى ثورة حقيقية منتجة. المحاور: لماذا اتجهت الحركة الطلابية الثورية إلى كتاباتك في الستينيات وبداية السبعينيات؟ ماركوزه: لا أعتبر نفسي مفكر أو ناصح لهذه الحركة التي لا تحتاج إلى أب أو جد يوجهها، وإنما توجهها الأوضاع المعاشة في مجتمعاتها ورفضهم لهذا الواقع الذي يكشف بشكل يومي ومباشر اللامساواة واللاعدالة والوحشية والتدمير الشامل. هذا الواقع كان بالنسبة لهم أمراً محسوساً معاشاً. المحاور: التوجه العام للجامعات والمعاهد الغربية في الفلسفة ذو الصبغة الأرثودكسية لم يتعامل أو يناقش هذه المسائل والأسئلة، بما في ذلك الفلسفة التحليلية (Analytic Philosophy) أو الفلسفة الوضعية (Positivism). ماركوزه: نحن في فرانكفورت ولاحقاً في الولايات المتحدة لم يكن بإمكاننا تصوّر أيّة فلسفة أصيلة لا تعكس بشكل أو بآخر حالة الإنسان الاجتماعية والسياسية وغيرها. بالنسبة لنا، الفلسفة هي فلسفة اجتماعية وسياسية منذ أيام أفلاطون. المحاور: الفلسفة لها دور كبير بالنسبة لك كمحاضر جامعي و أكاديمي وكاتب، ولكن لليسار الجديد والتي تُعتَبَر أنت من رموزها، لها موقف مناهض للمثقفين، و هذا مغاير لنهج حياتك. ماركوزه: لقد وقفت ضد هذا النَفَس المناهض للمثقفين منذ البداية. في رأيي، هذا الموقف نتيجة لعزلة الحركة الطلابية من الطبقة العاملة واستحالة إجراء أي “إصلاح سياسي” ممّا أدى إلى تكوّن عقدة نقص و ماسوشية ذاتية، وتدريجياً إظهار هذا الاحتقار للمثقفين فقط لكونهم مثقفين ولا ينتجون شيئاً في الواقع. المحاور: ما هي نقاط الخلل الأخرى برأيك والتي تتخلل اليسار الجديد؟ ماركوزه: خلل رئيسي أجده في جزء من اليسار الجديد هو اللغة غير الواقعية، وفي مواقع معينة استراتيجيات غير واقعية. رفض الإعتراف بأننا لسنا في وضع ثوري في البلدان الصناعية أو حتى في وضع سابق للثورة وبالتالي الاستراتيجية المتبعة تبعاً للوضع القائم. خلل آخر في جزء من اليسار الجديد هو رفض إعادة النظر في ماركس بمجالات شتى وتطويره، رفض لمعالجة المفاهيم الماركسية (وهي مفاهيم تاريخية وجدلية) بناءاً على التغيرات التي حصلت والتي لا يمكن إهمالها ونقل المعالجات السابقة كما هي (إسقاطات) إلى اللحظة الراهنة. المحاور: يثير حديثك هذا “الإنتعاش” وخصوصاً تركيزك على أهمية عملية المراجعة للماركسية آخذين بعين الإعتبار أنّ جزءاً من جمهورك الشاب توقف عن هذا التفكير المستمر بينما تركز عليه أنت الآن. تأخذنا الآن إلى الميزة الأساسية لمدرسة فرانكفورت وهي المراجعة النقدية للمفاهيم الماركسية وأهميتها، خصوصاً في ظل صعود الفاشية. ولكن ما هي الميزة الأساسية الأخرى التي حفزت هذا الاتجاه غير الفاشية. ماركوزه: بالنسبة لي، أحد أهم هذه العناصر تمحورت حول مفهوم الإشتراكية نفسه. خلال تطور النظرية الماركسية (وليس ماركس نفسه)، تمّ التركيز على مفهوم الاشتراكية بإتجاه عقلاني وواسع على تطور القوى العاملة المنتجة، على تطور أعلى للإنتاجية، على توزيع عقلاني أكثر للمنتجات بدلاً من التأكيد على أنّ المجتمع الإشتراكي مختلف نوعياً مقارنةً بالمجتمعات السابقة. كيفية هذا الإختلاف بالنسبة لي يتمثّل بأنّ نوعية وجودة الحياة في المجتمع الإشتراكي الحقيقي مختلفة. بمعنى إنه في هذا المجتمع، العمل المغرَّب لن يكون المقياس الكامل للثروة والقيمة. في المجتمع الإشتراكي الأصيل، يعيش الرجال والنساء حياةً بلا خوف ودون الخضوع للمقارنة ودون مضي حياتهم في أوضاع إغترابية. المحاور: هنالك نقطتان في كتاباتك ناقدة للنظرية الماركسية أوّد ذكرهما هنا: إعتبارك الماركسية مناهضة للتحررية (Anti-libertarien) أو تحررية بشكل غير كاف لم تبد الماركسية إهتماماً بشكل كاف للفردية ماركوزه: لم يستهلك ماركس نفسه بما يخص “الفردية”، ولم يكن هنالك داعٍ لذلك. لأنه في وقته، الوضع العام للبروليتاريا كان يحمل في طياته إمكانية جعل هذه الطبقة طبقة ثورية. الأمور تغيرت بشكل كبير منذ ذلك الحين. السؤال الآن هو إلى أيّ مدى يمكن الإستمرار بوصف الطبقة العاملة في الدول الصناعية المتقدمة بالبروليتاريا. الدول الأوروبية الغربية تخلت عن هذا المفهوم. ولكن المعروض حالياً هو تكامل واسع النطاق لأغلبية السكان ضمن النظام الرأسمالي القائم. الطبقة العاملة المنظمة (الآن) لم تعد “ليس لديها شيئاً تخسره إلا السلاسل”، بل أكثر من ذلك. هذا التوصيف أخذ حيزاً في المجال المادي إضافةً إلى المجال النفسي. وعي الناس قد تغيّر. إحدى المظاهر الأكثر دهشة تتمثّل بتلمس أيّ مدى إستطاعت بنية القوى المسيطرة التلاعب وتغيير الوعي و “ما دون وعي” للأفراد. لذلك أخذت وزملائي في مدرسة فرانكفورت بعين الإعتبار علم النفس كواحدة من فروع المعرفة الرئيسية التي وجب تكاملها ودمجها في النظرية الماركسية. هذه الخطوة ليست إحلالاً لعلم النفس مكان النظرية الماركسية، بل أخذها ضمن النظرية الماركسية. المحاور: قمت في العديد من كتاباتك بالمزاوجة بين الفرويدية والماركسية. وهنالك بعض الناس يخالفونك ويعتقدون أنّ هذا لا يمكن عمله كون أنماطهما التفسيرية غير متوافقة. بإختصار، تموضِع النظرية الماركسية المستوى النهائي للعلاقات الإنسانية في التكنيك. مدى تطور وسائل الإنتاج في أيّ مجتمع يحدد التركيبة الطبقية لذلك المجتمع وذلك يحدد طبيعة العلاقات بين الأفراد وبناءً على ذلك ما يتم تسميته بالبنية الفوقية (Superstructure) من أيديولوجيا وأديان وفلسفة وفن وغيره. أمّا بالنسبة لفرويد، فالتفسير ينبني أو يكمن في المحتويات المكبوتة في اللاوعي من تمنيات ومخاوف وأوهام وأحاسيس متكونة من تشوهات أو اضطرابات في علاقات سابقة (بالتحديد مع الأهل). بناءاً على ذلك يشرح ويفسر فرويد التصرف الإجتماعي والأيديولوجيا “بدواعي” عوامل خارجية لمحتويات النفسي المكبوتة. التفسيران مختلفان تماماً للظواهر عينها، فكيف بإمكانك دمج الإثنان في نظرية واحدة؟ ماركوزه: على الرغم من أن ماركس وفرويد طرحا تفسيرات مختلفة، إلا أنّ الرؤيتان يمكن مزاوجتهما بشكل كبير على مستويين مختلفين لكل واحدة. الدافعان الأوليان للاوعي الذي نصّ عليه فرويد، تحديداً الطاقة المثيرة (Erotic energy) والطاقة المدمرة (Destructive energy) ، تتطوران من خلال إطار إجتماعي معين و الذي ينظّم مظاهر هذان الدافعان الأوليان. التأثير الإجتماعي يتجاوز ذلك أيضاً حيث انه حسب فرويد كلما زاد الكبتالقمع في المجتمع زاد “فائض العدوانية” ضد هذا الكبتالقمع. بالإضافة إلى ذلك، يرى فرويد أنّ تزايد هذه الحالة يزيد من تطور ذلك المجتمع أو تلك الحضارة بالتوازي مع تعبئة لفائض العدوانية وإطلاقه. بكلمات أخرى: بتقدم الحضارة سيكون هنالك تطور في التدميرية. لا أجد أية فرضية اليوم قادرة على شرح ما يحصل بالطريقة التي تشرحها هذه الفرضية. المحاور: لقد ذكرت إلى الآن مجموعة من العيوب في النظرية الماركسية وتنبؤاتها: الفشل في تفسير نجاح الرأسمالية، عنصر مناهضة “التحررية” في الماركسية، غياب الموقف من الفرد، وذكرت أيضاً نظريات أخرى لاحقة للماركسية كالفرويدية وبالتالي لم يكن بالإمكان لماركس إدراجها ضمن رؤيته وعمله. العديد من الناس قد يتساءل: إذا كنت على دراية بهذه العيوب والنواقص، لماذا تصّر على بقاءك ماركسياً؟ ماركوزه: جواب سهل! بإعتقادي لم يثبت عدم صحة النظرية. بعض مفاهيم النظرية الماركسية يجب مراجعتها كما أسلفت القول، وهذا لا يحصل بشكل خارجي عن النظرية، بل شيء تتطلبها النظرية كنظرية تاريخية. من السهل عليّ نسبياً سرد النقاط الحاسمة والمفاهيم لتطور الرأسمالية لدى ماركس: تمركز القوة الإقتصادية، إندماج وإنصهار القوى الإقتصادية والسياسية، تزايد تدخل السلطةالدولة في الاقتصاد، تزايد الصعوبات النابعة من إنخفاض الربح، الحاجة إلى المشاركة في إمبريالية جديدة (نيوإمبريالية) لفتح أسواق جديدة ولتراكم رأسمال متزايد .. هذه لائحة ليست ببسيطة في جعبة الماركسية! المحاور: لدي بعض التعليقات على ما أوردت: لقد قلت أنّ هنالك زيادة في تمركز القوة الإقتصادية، ولكنه مع ابتكار الشركات المساهمة (Joint Stock companies) توزعت الملكية بشكل لم يحصل من قبل. أمّا نقطة إندماج القوتين الإقتصادية والسياسية، فما يحصل في الغرب على الأقل هو أنّ التحكم الحاسم في الإقتصاد إنتقل إلى أفراد منتخبين من قبل مجاميع الناس وهم من يتخذون القرارات الإقتصادية الأساسية في المجتمع. ماركوزه: بخصوص الشركات المساهمة، هذه إحدى نقاط المراجعة الماركسية مقدمّة من إنجلز نفسه، كشكل من الأشكال في المجتمع الإشتراكي. نعرف اليوم أنّ هذا خطأ واضح، فلن تحصل مثلاً في الشركات المتعددة الجنسية الكبيرة على مساهمين يسيطرون على سياسة هذه الشركات على المستويين الوطني والعالمي. الفكرة ليست في الملكية فقط بل أيضاً في السيطرة والمشاركة في القرارات والقوى العاملة. أمّا بالنسبة للنقطة الثانية، هل بإعتقادك أنّ السياسيين يتخذون القرارات بشكل ذاتي كأفراد أحرار؟ أم أنّ هنالك علاقة بين القرارات المتخذة والقوى الإقتصادية. يتبع في الجزء الثاني .. نستكمل في هذا العدد من راديكال المقابلة التي أجريت مع المفكر هربرت ماركوزه. في هذا الجزء يتم تسليط الضوء على بعض أعضاء مدرسة فرانكفورت و على موضوعات مثل الإغتراب والجماليات وأسلوب الكتابة. المحاور: بالعودة إلى مدرسة فرانكفورت، أود أن أسمع منك حول الأعضاء الفاعلين في هذه المدرسة، من هم وكيف كانوا. ماركوزه: هوركهايمر (Max Horkheimer) كان مدير المعهد، عالم فلسفة وإجتماع ذو معرفة واسعة، وبشكل غريب كان بارعاً في الأمور المالية، فقد كان يهتم بكافة الأمور المتعلقة بالمؤسسة في ألمانيا ولاحقاً في الولايات المتحدة. رجل فذ، شارك في مناقشة الكتابات الأولى للمعهد بمشاركة الأعضاء الآخرين. أدورنو (Theodor Adorno)، يصح تسميته بالعبقري، متمكن من الفلسفة وعلم الإجتماع وعلم النفس والموسيقى. كان بإمكاننا طباعة حديثه بشكل مباشر! هنالك من تمّ إهمالهم بشكل غير منصف: ليو لونتال (Leo Lowenthal)، الناقد الأدبي في المعهد. فرانز نيومان (Franz Neumann)، فيلسوف قانوني بارع. فريدريدك بولوك (Friedrich Pollock)، ناقش في إحدى المطبوعات الأولى انه لا توجد أسباب داخلية واضحة لإنهيار الرأسمالية! هنريك غروسمان (Henryk Grossman)، أكثر الإقتصاديين الماركسيين أرثدوكسيةً! والذي تنبأ بسقوط الرأسمالية في غضون سنة آنذاك! واتضح عدم صحة تنبؤه كما هو واضح. المحاور: واحدة من الأشياء التي كانت موجودة لديكم في العشرينات وأوائل الثلاثينيات هو الاهتمام بأعمال ماركس الأولى بدلاً من أعماله الأخيرة. تلك الأعمال المتأثرة بهيغل. إحدى أهم النقاط التي تمّ التركيز عليها هو مفهوم الاغتراب (Alienation). الاغتراب الذي صاغه هيغل بمعناه الحديث، ركّزه ماركس بعده، سقط من القاموس الغربي لقرن من الزمن. لكنكم أعدتم الاهتمام به. أوّد أن أسمع منك حول هذا المفهوم المهم. ماركوزه: حسب ماركس، الاغتراب مفهوم اجتماعي-اقتصادي. وعني، بشكل مختصر جداً، إنه بظل الرأسمالية، لا يستطيع الرجال والنساء تلبية رغباتهم وحاجاتهم الإنسانية خلال عملهم وذلك بسبب طريقة الإنتاج في الرأسمالية ولا يمكن علاجه إلا بواسطة تغيير هذا النمط الإنتاجي بحد ذاته. اليوم، هذا المفهوم تمّ توسيعه بشكل أضاع المفهوم الأصلي وجعله غير ناضج وخاطئ. المحاور: تحدثنا إلى الآن عن ما عارضته مدرسة فرانكفورت ونقدها للماركسية وللنظام الرأسمالي. ولكن على الصعيد الآخر، ما هي مساهمتها الإيجابية؟ ماركوزه: إحدى مساهماتها الأساسية هي التنبؤ بالفاشية قبل صعودها. ثانياً، ما اعتبره هوركهايمر ميزة، التوجه ذو التخصصات المتعددة للإشكاليات الاجتماعية والسياسية لتلك الفترة. أي الأخذ بالفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس في تحليل وتفسير الإشكاليات الراهنة. المساهمة الأبرز في رأيي تكمن في محاولة الإجابة عن ماهية الأخطاء التي حصلت للمجتمع الغربي والتي أودت في ظل قمة التطور التقني إلى أزمة في التطور الإنساني (عدم إنسانية، وحشية، التعذيب كوسيلة للاستجواب، التطورات في المجال النووي، الخ..). رجع هوركهايمر والآخرون إلى التاريخ الاجتماعي والنخبوي وحاولوا تعريف وتحديد الإسهامات بين المجالات التقدمية والرجعية، وبالتحديد في عصر التنوير والتي عادةً يتم تصويرها على أنها أكثر الفترات تقدمية في التاريخ. وقد استطاعت مدرسة فرانكفورت تحديد، في ظل هذا الجو التقدمي العام والميل التحرري، الميول نحو القمع والرجعية والتي استطاعت كبح جماح التقدم. المحاور: هذه الصورة التي رسمتها لنا لمجموعة من الماركسيين المهووسين بالتساؤل حول الخطأ الذي حصل (يقصد سير تقدم المجتمع الغربي تحديداً) تشير لي إلى خيبة أمل اتجاه النظرية الماركسية وربما اتجاه الطبقة العاملة نفسها لفشلها بأن تكون أداة فعّالة للثورة. هل كان هنالك شيء من هذا القبيل في تصورك؟ ماركوزه: إذا كنت تقصد بخيبة الأمل اتجاه الطبقة العاملة فسيكون ردي بالنفي قطعاً. لا يحق لأيٍّ كان لوم الطبقة العاملة في ما تفعله أو لا تفعله. ولكن كان هنالك خيبة أمل من نوع آخر، بالنسبة لي موضوعياً، تتعلق بالثروة الاجتماعية الهائلة والتي هي نتاج حضارة بأكملها، خصوصاً في فترة الرأسمالية، تستخدم بشكل واسع النطاق للتدمير بدلاً من البناء، بناء مجتمع إنساني لائق. المحاور: إحدى الموضوعات التي ركزت عليها مجموعة فرانكفورت هي الجماليات (aesthetics)، هذا مايُزُكم كمجموعة عن الفلسفات الأخرى، السياسية خاصة. وقد كتبت حول هذا الموضوع في السنوات الأخيرة. لماذا اعتبرتم الجماليات موضوعة مهمة في أعمالكم؟ ماركوزه: أدورنو كان يشاركني في هذه الجزئية. أعتقد أنّ الفن والأدب والموسيقى هي تعبيرات داخلية لا يمكن التعبير عنها باللغة الدارجة أو العادية. هذه التعبيرات ترسم صورة لبُعد جديد كلياً لموضوعات قد تُقمَع أو تُتعتَبَر تابوهات في الواقع المُعاش. صورة الوجود الإنساني والطبيعة لا يمكن لها أن تكون محصورة ضمن حدود قمع الواقع، يجب عليها أن تتحقق حتى لو كان ثمن ذلك القضاء عليها. حاولت توضيح ذلك بقولي أنّ رسالة الفن والأدب هي أنّ الواقع يجب أن يُعاش كما عاشه العشاق، كما عاشه كل من أنتوني وكليوبترا. بكلمات أخرى، تمزيق لوصفة المبادئ الموجودة وفي نفس الوقت استدعاء لصورة التحرر. المحاور: ما تقوله الآن شبيه بما تفضلت به في بدابة حديثنا، بأنّ الإشتراكية يجب أن تكون معنية بجودة مختلفة للحياة وليس فقط بالشيء المادي المحسوس. هذا يعني أنك ترى الأدب كمستودع لقيمة جديدة وليس فقط كناقد للمجتمع الموجود أو أداة ثورية ككثير من النقّاد الأدبيين الماركسيين. ماركوزه: في الحقيقة أجدها، أي الأدب، في المكانين. في الأولى: هي نقد أو اتهام للمجتمع القائم، و في الثانية وبشكل مرتبط، كصورة تحررية. لا أعتقد أنه في المستطاع إعطاء شرح واف لأي عمل أدبي بناءً على مفهوم الصراع الطبقي أو غيره بشكل حصري. المحاور: ما هي المساحات الأخرى التي من الممكن أن تنتج فيها مدرسة فرانكفورت عملاً أصيلاً ومعاصراً؟ ماركوزه: أستطيع هنا الحديث عن نفسي، أجزم أنّ مسألة تحرر المرأة والنسوية، تحررها الجذري، ذات راهنية وأهمية. الهيمنة التي رأيناها خلال التاريخ المكتوب هي هيمنة بطرياركية. إذا أردنا أن نرى المساواة مع المرأة، ولا أقصد هنا المساواة أمام القانون، بل على مستوى نشر القيم النسوية في المجتمع: مثل اللاعنف والتقبّل والحنان. فإننا هنا نتحدث عن بداية لمجتمع متساوٍ من نوع آخر يتجاوز الهيمنة البطرياركية بما يصاحبها من عنف ووحشية. أوّد هنا التنويه إلى أنّ ما أسميته بالقيم النسوية مرتبط ومشروط اجتماعياً، أي نتاج حالة اجتماعية موجودة. المحاور: أود التطرق إلى نقطة أخيرة في حديثنا حول مجموعة من الإنتقادات الموجهة إلى عملك. أولها تلك النقطة التي تطرقنا إليها سابقاً حول اعتبارك نفسك ماركسياً واعتبارك الماركسية صحيحة آخذين بعين الاعتبار تلك الإشارات الخاطئة في الماركسية التي ذكرناها. بالإضافة إلى ذلك، اليسار الجديد الذي تأثر بأعمالك، أجده بشكل رئيسي ينبع من الطبقة الوسطى ونخب تعتز بنفسها من ناحية، وبعيدة عن الطبقة العاملة حسب وصفك من ناحية أخرى. هؤلاء يعتبرون أنفسهم الأداة الرئيسية للثورة بشكل أجده أقرب إلى “موضة” أو تيار دارج إن صحّ التعبير، بدلاً من أن تكون الطبقة العاملة هي نفسها الأداة الثورية. ماركوزه: التوصيف الذي ذكرته أتوافق معه إلى حد ما، بتعبير آخر يمكن وصف الظاهرة بماسوشية ذاتية موجودة في اليسار الجديد. هي ليست بنخبوية وإنما لدينا مجموعات، مجموعات محفزة، وبسبب مستوى تعليمها وتدريبها استطاعت بلورة نظرية ماكنة ولكنها بعيدة عن تأثير عمليات الإنتاج. هذا لا يمكن تداركه أو علاجه إلا في خضم عملية التغيير نفسها. بالطبع هذه المجموعات لا يمكن أن تلعب دور الطبقة العاملة كأداة التغيير الثورية. بل إنّ دور هذه المجموعات الرئيسي يكمن في تطوير الوعي السائد، أي دور توعوي وتثقيفي، التثقيف السياسي. مجدداً، لا يمكن إستبدال الطبقة العاملة بهذه المجموعات. المحاور: هنالك نقطة مهمة تطرقنا إليها قبل بدء هذا الحوار تتعلق باللغة والأسلوب المتبعين في كتابات مجموعة فرانكفورت، قد تبدو هذه الجزئية تافهة، ولكنها ليست كذلك: نجد أنّ الكتابات صعبة القراءة بل حتى بعض النصوص غامضة إلى حد ما. على سبيل المثال، أجد بعض كتابات أدورنو والذي وصفته بالعبقري غير مقروءة أو بالأحرى صعبة القراءة. هذا يولّد حاجزاً بين الأفكار التي تحاولون نشرها وجمهور القرّاء الذين تودون التأثير بهم. بالمقابل هنالك فلسفات أخرى مثل التحليلية يقوم الكتّاب بعرض الأفكار بشكل جيد، وكذلك الأمر مع الوجودية. لماذا؟ ماركوزه: أتفق معك بشكل كبير. هنالك بعض الأفكار التي طرحها أدورنو لم أفهمها شخصياً. ولكنّي أوّد التنويه إلى نقطة واحدة تتعلّق بتبرير أدورنو لذلك. إنّ اللغة العادية تمّ التأثير بها بشكل كبير بواسطة النظام كما تمّ التأثير على الفرد بواسطة بنية القوى. لذلك عليك باللغة التي تستخدمها الإشارة إلى تلك القطيعة وذلك بنقل هذه القطيعة إلى النص و بنيته والقواعد والمصطلحات المستخدمة. لا أدري إن كان ذلك مقبولاً ولكن يجب أن أذكر إلى أنّ التبسيط غير الناضج للمشكلات المناقشة له تأثير خطير كذلك. المحاور: كخاتمة، أوّد طرح سؤال شخصي لك، ففي تجربتك في الحياة والتي أجدها نادرة في التاريخ، أجدك في معظم حياتك كأكاديمي محاط بمجموعة محدودة من زملائك ومنكّب على الكتابة، وعندما أصبحت في السبعين من عمرك، أكاد أقول إنه في يوم وليلة أصبحت رمزاً عالمياً وهذا شيء نادر الحدوث. ما كان عليه الأمر عندما حدث ذلك لك؟ ماكوزه: من ناحية، استمتعت بالأمر بشكل كبير. ومن ناحية أخرى، لم أجد نفسي أستحق ذلك. مرةً طُرٍحَ عليّ السؤال ذاته، وكان ردّي بأنه يبدو أنّ الآخرين كانوا أكثر غباءً مني! المحاور: ولكن هل توقعت يوماً ذلك؟ ماركوزه: لم أتوقع حدوث ذلك البتة. المحاور: الشكر الجزيل لك بروفسور ماركوزه. ________________