المفاوضات والحقوق الفلسطينية إلى أين؟

حجم الخط
يراودني سؤال باستمرار، إلى أين تريد أن تصل القيادة المتنفذة بمفاوضاتها مع الكيان الصهيوني؟! رغم معرفتنا بتعنت هذا الكيان منذ زمن وتنكره للحقوق الفلسطينية كرزمة واحدة، فهل المفاوض تمكن من خرق هذا التعنت على مدار ما يزيد على 20 عاما من المفاوضات المباشرة وغير المباشرة؟ وهل هناك أي إشارة تدل على أن الكيان الصهيوني قد يخضع للتنازل عن جزء من الحق الفلسطيني؟ يجب أن ندرك جيداً أن إطلاق سراح العشرات أو المئات من الأسرى ليس هدفاً استراتيجياً من أهداف النضال الفلسطيني، بمقدار ما هو واجب وطني والنضال بكل الوسائل من أجل تحريرهم، فهناك فرقاً بين أن يتم تحرير الأسرى رغم أنف الكيان الصهيوني وضمن شروط المقاومة كما حصل بعمليات التبادل الكثيرة التي حصلت منذ عام 1969 حتى الآن، وبين أن تكون عملية إطلاق سراحهم بشروط العدو. فالكيان الصهيوني على مدار 20 عام تقريباً، خلق وقائع جديدة على الأرض الفلسطينية، تتماشى والبرنامج والمخطط الصهيوني من خلال توسيع مستوطناته وشق الطرق وقلع الأشجار والاستيلاء على المزيد من الأراضي وممارسة القتل والعدوان والحصار والتضييق اليومي على المواطنين الفلسطينيين وضرب الاقتصاد الفلسطيني وملاحقة كل الوطنيين والشرفاء من شعبنا. هذه الحقائق والوقائع التي خلقها الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطيني طالب المفاوض بإيقافها وتجميدها وليس لإزالتها والتخلص منها، حقائق ثبتها الكيان بعد اتفاق أوسلو وعلى مدى المفاوضات بين الجانبين، نفهم أن الانتفاضتين الفلسطينيتين (انتفاضة الحجارة والأقصى) اللتين جاءتا ردا على ممارسات الكيان الصهيوني توقفتا من طرف واحد، فالجانب الصهيوني ما زال مستمرا بممارساته وإجراءاته حتى اللحظة، فالمفاوض الفلسطيني المتنفذ بالقرار ويمسك زمام الأمور ويسلط أجهزته الأمنية والتي عملت على تصفية روح المقاومة واجتثاثها من جذورها، قام بتجريد نفسه من أي ورقة قد يستفيد منها بمفاوضاته مع هذا الكيان. يدرك الكيان الصهيوني أن جيل انتفاضة الحجارة وما سبقه جيلاً يشكل خطراً كبيراً على وجود الكيان الصهيوني، وهو جيل ثوري بكل ما تحمله الكلمة من معاني، لذلك رأى الكيان الصهيوني أن تصفية النفس الثوري عند الأجيال القادمة هي من مهمات المرحلة القادمة وفرض مواقف على القيادة الفلسطينية من أجل خلق جيل جديد من الشعب الفلسطيني بمفاهيم جديدة تسمح بخلق شرخ بين مفاهيم الماضي والحاضر والمستقبل، وشرخاً آخراً بين مفاهيم الداخل والخارج بكيفية التعاطي مع الكيان الصهيوني وسياساته الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية، فالصورة واضحة حيث بالداخل الاهتمام ينصب أكثر على الراتب وبعض القضايا الحياتية والحريات، وتغيب المطالب الوطنية والسياسية وأولوية مقاومة الاحتلال التي بالأساس تصب بتوجهاته وسياساته، وبالخارج تشهد المخيمات الفلسطينية واللاجئين مؤامرة تصفية للوجود الفلسطيني بالشتات، مما يجعل هذه التواجد يناضل من اجل الحفاظ على وجوده أولاً، وان يعيش بكرامة ببيته بالمخيم. يدرك الكيان الصهيوني أن المفاوض الفلسطيني مفاوضاً فارغاً، وأن الكيان الصهيوني يتحكم بكافة تفاصيل المفاوضات، فالمجرم "بنيامين نتنياهو" الذي أصر على أن تبدأ المفاوضات من نقطة الصفر، كان الجانب الفلسطيني يصر أن تبدأ من حيث توقفت مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق "ايهود اولمرت"، فجاء تصريح "ليفني" بعد أول جولة لتقول: "علينا أن ننسى الماضي وأن نتوصل إلى اتفاق للمستقبل" ويفهم من هذا التصريح أن كل الحقائق التي أوجدها الكيان الصهيوني منذ اتفاق أوسلو ستبقى بموافقة فلسطينية واعتراف فلسطيني غير معلن وغير رافض، فآلاف الوحدات السكنية وارتفاع حدة الاستيطان ومصادرة الأراضي وبناء الجدار وقلع الأشجار واحتلال الأرض ونكسة 67 وعودة اللاجئين وتهويد القدس هي من فعل الماضي وعلى الجانب الفلسطيني أن ينساه، وأن لا يثيروه بأي جولة من جولات المفاوضات، وإنما الحديث فقط عن المستقبل. فالسؤال الذي يبقى، في حال لم يوافق الجانب الصهيوني على أيٍ من المطالب الفلسطيني، هل الجانب الفلسطيني لديه ضمانات أمريكية بالدولة الفلسطينية التي يحلم بها؟ وهل الجانب الفلسطيني سيوافق على دولة مؤقتة مقطعة الأوصال على مساحة 40% من الضفة الغربية؟ أكيد الجانب الفلسطيني سيرفض جزءاً من العروض الإسرائيلية، مما تكون سبباً لفشل المفاوضات، وهنا سيتحمل الجانب الفلسطيني مسؤولية رفضه العرض الصهيوني، وبهذة الحالة سيتم معاقبة المسؤولين الفلسطينيين على موقفهم الرافض من الطرفين الأمريكي والصهيوني، وهذه التجربة عشناها عام 1999 عندما رفض الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عرض باراك بإقامة الدولة الفلسطينية على تقريبا 95% من الضفة الغربية بدون القدس. القوى الفلسطينية المعارضة لنهج المفاوضات والشروط التي دخل على أساسها الطرف الفلسطيني المتنفذ، على هذه القوى ان تجمع نفسها استعدادا للمرحلة المقبلة التي قد تكون أكثر إحباطاً بالوسط الفلسطيني، وهي مطالبة بالبدء من اليوم بالتحضير والقيام أيضاً بفعاليات تشكل نهضة جماهيرية، فانتفاضة الأقصى التي جاءت ردا على فشل مفاوضات كامب ديفيد، يجب ان تتوفر أرضية للانتفاضة الثالثة، وهنا ضرورة إيجاد الكادر القادر على ان يكون يشكل رافعة أساسية للجماهير من اجل الانخراط بمعركة المستقبل، بعد أن أقدم الكيان الصهيوني ونجح حتى اليوم بتقطيع الأرض وخلق الكانتونات واستخدام سياسة فرق تسد، فان لم تنجح القوى الفلسطينية عامة على خلق الظروف التي تسمح باشتعال الانتفاضة الثالثة بأسرع ما يمكن فان الظروف ستكون أقصى كثيراً من أي ظروف أخرى مرت بها القضية الفلسطينية، فأمام هذه القوى تسعة أشهر لتنهض من سباتها من أجل الحفاظ على القضية الفلسطينية وإبقائها مطروحة بقوة، ومن هنا اقرع جدران الخزان لعلها تسمع.