قراءة لوحة الصراع بشكل جيد تفتح الباب واسعاً أمام سؤال الوعي، فهل استطعنا أن نصل إلى درجة كافية من وعي لوحة الصراع المبنية على وعي الآخر انطلاقا من وعي الذات؟.
فإذا كانت الإجابة.. بنعم...، فلماذا هذه الهوة السحيقة بين ما قُدم من تضحيات غزيرة وعزيزة وبين ما حقق واقعاً، وإذا كانت الإجابة.. لا...، فما هو المطلوب لجسر هذه الهوة السحيقة؟.
إن مفتاح هذا الباب، يستدعي أن نعمل من أجل امتلاك الوعي بتاريخنا العربي عموماً والفلسطيني منه خصوصاً. الوعي بالواقع المعاش وتفاصيله (اقتصادياً – اجتماعياً – سياسياً – ثقافياً – تعليمياً – صحياً...الخ)، الذي يمكن أن يُختصر بسؤال "من نحن"؟!
الوعي بالعدو الذي نُواجهه، تاريخاً وحاضراَ (منطلقات وأسس وبنية ووظيفة وإمكانات ودور)، الذي يمكن أن يُختصر بسؤال "من هم"؟!.
الوعي بالحلقات/الدوائر المرتبطة بالصراع ودور كل منها، وأين تقف؟! وفي خدمة من تصب؟! وإلى ماذا تَرمي؟! أو بمعنى أدق إعادة الفرز الصحيح لجبهتي "الأعداء والأصدقاء".
الوعي الذي يَشغِلُنَا بالمستقبل، دون أن يَحكُمنا الماضي، ويبدد قوانا ويستهلكنا الحاضر. وَيَحضُرَني الكاتب والأديب الفرنسي المبدع "فيكتور هوجو" حين يقول: "للمستقبل أسماء كثيرة، بالنسبة للضعيف هو ليس في متناول اليد، وبالنسبة للخائف هو مجهول، وبالنسبة للجريء هو فرصة".
ذلك الوعي الذي لن يكون حقيقياً/معرفياً إن لم يكن نقدياً، ولن يكون معرفياً إن لم يكن مرجعه (كِتَاب) وليس شذرات متفرقة من هنا وهناك.
فكما يقول الكاتب اللبناني د. جان الشيخ "لا يَكتُب التاريخ إلا قادر على قراءته، من هذا الواقع الذي يتكشّف منه لعين الفكر الثوري النافذ في الأحداث إلى عقل الأحداث". ويؤكد بحق "إن الوعي ضرورة لنجاح الثورة، والوعي ضرورة حتى تكون الأهداف شعبية، والوعي هدف نجاح المعركة التغييرية الحقيقية، والثورة بدون وعي فوضى، والشباب بدون وعي لا يمكن أن يكون ثورياً". هنا تتجلى نقطة التقاء المفكرين الماركسيين الإيطالي أنطونيو غرامشي واللبناني مهدي عامل "إما أن يكون المثقف ثورياً أو لا يكون". وهنا يحددا بالضبط أيضاً نقطة الافتراق بين المُثَقَف التقليدي الذي هو ليس أكثر من مجرد مُتحذلق ومُدعي معرفة وعارض لبضاعة من خلال اختصار علاقته بمجتمعه إلى مجرد علاقات بيروقراطية/ فوقية وصورية/شكلية فارغة من كل فهم وإحساس بالهموم والمشكلات والمطالب الحقيقية، والمُثَقَف العضوي المرتبط والمتعمق بمجتمعه إحساساً وفهماً ومشكلاتاً ومطالباً إلى جانب المعرفة، وبالتالي يكون معبراً صادقاً عن مجتمعه، وجسراً على طريق انجاز المُثقِف الجمعي (الحزب الثوري) الذي هو ضرورة ذاتية وموضوعية للتغيير الجذري في آن.
وعلى أساس هذا الوعي تُبنى الرؤى والتطلعات والأفكار والاستراتيجيات وتُوضع الأهداف والبرامج والخطط، وتُحدد الأدوات والوسائل بشكل سليم. غير ذلك لا يعني سوى "استمرار النزف ومزيد من التراجع والانكسار وتكرار الهزيمة".
* عضو اللجنة المركزية الفرعية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين