أشعار محمود درويش تمنحنا قبضة من الأمل
ها هي القهوة تغلي ويرتفع مزيجها في “الركوة”، البخار يتصاعد ويتكاثف على زجاج نظارته، يرفعها، ويحرك المزيج بهدوء، يقلّبه، يشتم فيه رائحة النضج، ويستشعر رائحة الهيل، يدرك بحرفة الذوّاق انتهاء الإعداد، يحضر فنجاناً، ينتظر قليلاً لكأنه يقول للقهوة خذي وقتكِ، لن أحتسيكِ قبل الأوان، يسكب القهوة في الفنجان ويمضي حافياً إلى الشرفة التي تطل على الشجرات الواقفات بحزن في الأفق .
يرشف القهوة على مهلٍ وكأنه يستمع إلى الموسيقى، يحبس أنفاسه ليكون في كامل الهدوء، عيناه تنظران إلى البعيد، هناك حيث البيوت، التي تنمو بين أشجار الزيتون وترتدي أوراق العنب والأزهار المنزلية، يسمع إيقاع الهواء في صدره، يشتم رائحة النباتات في الأصيص حوله، حينها فقط تأتي القصيدة وفي يدها قبضة من أمل تمس يده وتمضي به إلى أوراقه والأقلام .
تسيل القصيدة بين يديه نصاً مكتمل التكوين: “لا أعرف الشخصَ الغريبَ ولا مآثرهُ/ رأيتُ جِنازةً فمشيت خلف النعش،/ مثل الآخرين مطأطئ الرأس احتراماً ./ لم أجد سبباً لأسأل: مَنْ هُو الشخصُ الغريبُ؟/ وأين عاش، وكيف مات فإن أسباب/ الوفاة كثيرةٌ من بينها وجع الحياة” . هكذا تحيك المخيلة صورته قبل أن يرقد هادئاً، ويترك قلب القصيدة ينبض ولا يموت، فاليوم تمر الذكرى الخامسة لرحيل الشاعر الكبير محمود درويش، إذ في مثل هذا اليوم من عام 2008 وعند الساعة الحادية عشرة صباحاً، غيّب الموت درويش في مستشفى “هيوستن” في الولايات المتحدة الأمريكية .
في مثل هذا اليوم تحسس صديقه المهندس علي حليلة، الذي رافقه أثناء اجراء العملية التي أودت بحياته، قدميه بعد مرور يوم كامل على انتهاء العملية، فوجدهما باردتين، فأدرك حينها أن درويش فارق الحياة .
في مثل هذا اليوم فجع الوطن العربي برحيل قامة سامقة من قامات الشعر العربي قامة عبرت عن القضية الفلسطينية بمفرداتها المختلفة، وعنونت الصحف العربية صفحاتها بمانشيتات تنعى رحيله، منها: “وفاة الشاعر الفلسطيني محمود درويش بعد جراحة في القلب”، و”رحيل محمود درويش أبرز الشعراء العرب”، “الحزن يعم أراضي عام 48 فور إعلان رحيل الشاعر الكبير محمود درويش”، “درويش يترجل موحداً الفلسطينيين خلفه في لحظة نادرة” .
عند استعادة الشاعر الكبير محمود درويش، فإن التفاصيل تبدو كثيرة، منها ما يتعلق بحياته اليومية، وصداقاته، وموضوعات القصيدة لديه، ويوميات من سيرته في العواصم العربية، إضافة إلى صورته كرمز للقضية الفلسطينية، وتحولات القصيدة لديه، وانفتاحها لتحمل الهموم الكونية، وغيرها .
موضوعات عديدة تناولها الكتّاب بكثير من الاستفاضة، رغم ذلك تظل الكثير من الجزئيات تحتاج إلى حديث طويل عن هذا الشاعر الاستثنائي، منها تلك العلاقة الغامضة التي لم تفتح عليها الأبواب ولم يلتفت إليها أحد، وهي علاقة درويش بالقهوة، وصورة البن في قصيدته، فالمتتبع لسيرة القصيدة لديه يجد معالجات عديدة لطقس إعداد القهوة، ويجد الحضور اللافت لمفردتها في قصيدته .
وربما يكون أبرز ما يكشف ذلك نصه “رائحة القهوة” إذ يقول: “مع طقوس الصباح وارتشاف القهوة واحتراف التأمل والغوص في النفس والذكريات في مواجهة مناخ خريفي . أجدني أتأمل، أتوغّل في فلسفة القهوة، في مذاقها، صوتها ورائحتها . وتحضرني حروف الشاعر: كيف تكتب يد لا تُبْدع القهوة؟ أعرف قهوتي، وقهوة أمي، وقهوة أصدقائي، أعرفها عن بعيد وأعرف الفوارق بينها . لا قهوة تُشبه قهوة أُخرى” .
يبني الراحل درويش مع القهوة علاقة سرية تربطه بيومه إذ تسرد سيرته أن إعداد القهوة وتناولها على مهل هو أول ما كان يبدأ به يومه، فلا تمثل القهوة مشروباً ساخناً يدفع إلى اليقظة والتنبه وحسب، بل هي معادل موضوعي لبداية نهار جديد، فنجده يقول: “أريد خمس دقائق من أجل القهوة . . والقهوة لمن أدمنها مثلي هي مفتاح النهار” .
القهوة مفتاح النهار لديه، وكم يصبح لهذه المفتاح من قيمة حين يصبح إعلاناً للحياة، وكم يزداد ذلك حين تكون الحياة على مرمى حجر من الموت، فالمرض الذي أصاب درويش في سنوات عمره الأخيرة جعله متأهباً دائماً للموت، يتحضر له كما لو أنه يتحضر لزيارة بيت أحد الأصدقاء، فتروي الفصول الأخيرة من حياته أنه كان يخشى الموت وحيداً في بيته، فأعطى نسخة من مفتاح البيت للخادمة التي تزوره كل يوم، ولصديقه المهندس علي حليلة .
كان كل صباح لدى درويش هو نجاة من موت، كان يمكن أن يقابل الموت في الليل، فصار طقس إعداد القهوة لديه احتفالاً، يفرح فيه بيوم جديد من عمره، إذ يسرد الموسيقي سمير جبران أحد الإخوة الذين يشكلون فريق ثلاثي جبران، بداية النهار لدى درويش خلال رحلة رافقه فيها في فرنسا، فيقول: “استيقظت وأخي وسام على صوت درويش في المطبخ يعد القهوة ويدندن بأغنية عبد الوهاب، “كل داه كان ليه” وكان يرتدي “بيجامة” زرقاء، فشاركناه في الغناء” .
تكشف علاقة درويش بالقهوة عن تعلقه بالحياة، وخشيته من عدم إكمال مشروعه الشعري، وليس ذلك وحسب بل تكشف عن علاقة القصيدة لديه بالفعل اليومي، فكثيراً ما أشار درويش إلى طقوسه اليومية وهو يكتب القصيدة، وكتب عن لعب النرد مع صديقه غانم زريقات في قصيدته الشهيرة “لاعب النرد” .
تفاصيل كثيرة تكشفها قصيدة درويش، تتصدرها حكايته مع القهوة، وفنجان الصباح الذي يعلن يوماً جديداً لدرويش في الحياة، فكما يقول: “قهوة بلون عيناها/ حنجرة ذهبية/ شمس دافئة/ وأنا . . وقارورة الفانتازيا/ وما تبقى غير مؤهل للنهار/ حتى لو أتت الكلمات/ يكفي جرعة من الذكريات/ وأمضي نحو نهار آخر” .
قصائد درويش عند تأملها مرة أخرى تمنحنا الأمل، في ظل واقع عربي عبّر عنه كثيراً، واقع يعيش حراكه اليومي، واقع يعيش مخاضات كثيرة، مفتوحة الاحتمالات، تهيمن عليه الأحلام بالأفضل حيناً، وتسوده أجواء مشحونة بالحيرة في أحيان أخرى، وتتابع فيه صور العنف والدمار، واقع يتشوق إلى قصائد شاعر يعبر عن مساراته، كما فعل صاحب “سجّل أنا عربي” .