بموافقة الطرف الفلسطيني بالعودة إلى المفاوضات بالمعايير التي وضعها كيري، والتي تخلى الطرف الفلسطيني بها عن شروطه السابقة، وفي ظل غياب موافقة أغلبية أو إجماع فلسطيني على هذه العودة، أضحى الطرف الفلسطيني أكثر ضعفاً وقابلاً أكثر للانكسار من أي لحظة، حيث فقد ما تبقى له من أوراق قد تساعده بأي جولة مستقبلية بعد انتهاء فترة الأشهر التسعة التي حددت لانجاز اتفاق بين الطرفين، فإطلاق سراح الأسرى القدامى لا يعد انجازا بالمعنى الوطني، لان تم التعامل مع الأسرى على قاعدة تقسيمهم وعدم طرح قضيتهم كرزمة واحدة أو اعتبارهم مناضلين من اجل الحرية، حيث جاء إطلاق سراحهم ضمن الشروط والمعايير الصهيونية، وان ما صدر عن ديوان "نتنياهو" بأنه إذا انسحب الجانب الفلسطيني من المحادثات فان عملية الإفراج عن الأسرى ستتوقف، لتؤكد حالة الابتزاز التي يمارسها الجانب الصهيوني على الطرف المفاوض الفلسطيني والتي تنذر بعواقب وخيمة لمزيد من التنازلات.
فهل يجوز للمفاوض الفلسطيني مستقبلاً أن يطرح على طاولة المفاوضات شرط إيقاف الاستيطان ذا تخلى عنه بهذه الجولة؟ وهل يجوز له المطالبة بدولة على حدود ال 67 أيضاً؟ وهل يجوز له الحديث عن حق العودة إذا تخلى عنه منذ توقيعه على رسالة الاعتراف المتبادلة بين عرفات و"رابين" واتفاق اوسلو؟ وهل يجوز له مناقشة قضية القدس كعاصمة لدولته الهزيلة إذا وافق على أن تكون بعض جولات التفاوض بين بالقدس وأريحا؟ أسئلة مشروعة.
من خلال هذه الجولات الجديدة من المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني، شرع الكيان الصهيوني بخطوات جديدة ممثلة بتوسيع حلقة الاستيطان، وادعى مسؤول الإعلام "اوفير غنديلمان" في ديوان رئيس وزراء الكيان الصهيوني "ان الفلسطينيين قد وافقوا خلال الجولات السابقة من المفاوضات على بقاء الكتل الاستيطانية الكبرى تحت السيادة "الإسرائيلية"، وعليه فانه لا مانع من مواصلة أعمال البناء في هذه الكتل وفي أحياء من القدس".
لا مؤشر لنجاح المفاوضات واحتمالات الفشل واضحة كالشمس، فليس بالضرورة الانتظار 9 أشهر لنرى ما تسفر عنه المفاوضات، حيث الوقائع الجديدة التي تتمثل ببناء المزيد من الوحدات السكنية ومصادرة الاراضي والتضييق على حياة المواطن الفلسطيني قد تنذر خلال فترة السنوات القادمة الى هجرة جماعية فلسطينية بحثا عن مصادر رزق جديدة مما يسمح بتفريغ الأرض من سكانها، حيث تثبت الأيام ان قطعان المستوطنين يسرحون ويمرحون دون اي رادع اطلاقا، ويتصرفون بالأرض كما يشاءون، حيث يشعر المواطن الفلسطيني كل يوم بأنه غريب بأرضه وليس له حق التصرف واذا فكر بالدفاع عن ممتلكاته فهو معرض للقمع من الطرف الفلسطيني قبل قمعه من قبل قوات الاحتلال الصهيوني.
المبررات التي يطرحها الطرف الفلسطيني حول الضغوطات التي مورست عليه من قبل الحكومات العربية، للعودة الى المفاوضات متماشيا مع الموقف الامريكي، غير مقبولة اطلاقا، فالموقف الفلسطيني هو طبيعته موقف متخاذل مهادن ومساوم، وبمجمله يشكل كفرا بعدالة قضيتنا وحقوقنا الوطنية والشرعية والتاريخية، فالحكومات العربية لم تحمي يوما الثورة الفلسطينية وانما طعنتها وعملت على تصفيتها سواء بالاردن، او لبنان، ولاحقت اجهزة المخابرات العربية الفدائيين والمناضلين الفلسطينيين والعرب على مساحة الوطن العربي، وهي ليست سياسة وموقف جديد من الحكومات العربية بتأمرها على القضية الفلسطينية، وانما مواقف تابعة للموقف الامريكي تنتهز التراجع بالمواقف السياسية للقيادة الفلسطينية التي تأتي نتيجة الطبيعة الطبقية لهذه القيادة، ونتيجة للانتكاسات العسكرية التي صادفتها الثورة الفلسطينية بمعاركها ومواجهاتها مع الكيان الصهيوني.
فسياسة الاستجداء افقدت هذه القيادة احترام قطاعات واسعة من شعبنا، فمتى هذه القيادة ستتعظ من تصرفاتها وتغير من مسلكياتها؟ فبدلا من ان تبحث القيادة الفلسطينية عن بدائل لتعزيز مقومات الصمود والتصدي والمواجهة والتحدي لكافة ممارسات الاحتلال الصهيوني وقطعان مستوطنيه، نراها غارقة بمستنقع المفاوضات والتنازلات.
فالانجازات الفلسطينية والاعتراف الدولي بالحقوق الفلسطينية جاءت من البندقية المشرعة بوجه الاحتلال، كان ثمنها دماءا سالت على كامل التراب العربي من اجل فلسطين، وجرحى واسرى حرية خلف القضبان بسجون النازية الصهيونية وسجون الحكومات العربية الشقيقة، صرخات الامهات وهتافات الاطفال ضد الاحتلال، بمجملها شكلت رافعة اساسية بمسيرة النضال على طريق الحرية والاستقلال، لتقول لا للاحتلال نعم للمقاومة والبندقية، هكذا اكتسب شعبنا اعتراف العالم بحقوقه واحترامه لنضاله.