ازمة بيرزيت: الشراكة هي الحل

حجم الخط
في لقاء بين إدارة جامعة بيرزيت ونخبة من الإعلاميين دعا اليه مركز تطوير الاعلام في الجامعة للتباحث بشأن الجامعة وما تواجهه من أوضاع صعبة تحول دون انتظام نحو عشرة الاف طالبة وطالب على مقاعد دراستهم الجامعية، بل وأكثر من ذلك الاضرار بسمعة ومكانة الجامعة محلياً وعالمياً، وهي الجامعة التي خرجت وتخرج قادة مجتمعيين في مختلف المجالات والمواقع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهي الجامعة التي لعبت ولازالت أدواراً وطنية ومجتمعية بالغة الأهمية. مداخلتي في اللقاء الذي عقد في مقر مجلس أمناء الجامعة في رام الله نتيجة تعذر عقده في حرمها في بيزيت بسبب اغلاقه من قبل الطلبة، انطلقت من انحيازي للحركة الطلابية وعدالة مطالبها وضرورة الحفاظ على مكانتها وهيبتها وحقها بالنضال النقابي المطلبي لما فيه مصلحة الجامعة وطلبتها وخاصة الفقراء منهم والمعوزين، ان هذا ليس تأييداً او قبولاً لما ذهب اليه الطلبة من اغلاق قسري للجامعة خرج عن أصول واعراف العمل النقابي، بل انه يعصف بالإرث الديمقراطي للجامعة والعلاقة بين مكوناتها من طلبة وإدارة وأساتذة وعاملين، وهو يؤسس لثقافة عنف واكراه،ولا يمكن قبوله او المرور عليه مرور الكرام. ان معالجة الجامعة لهذه الخطوة جاءتايضاً كردٍ قاسٍ ومؤلم ومهين للحركة الطلابية،فقرار مجلس الجامعة بفصل عشرة من ممثلي الطلبةبدى كمن يعالج الخطأ بخطيئة، فحرمان عشرة طلبة من حقهم بالتعليم بهذه الطريقة العقابية من قبل مجلس الجامعة والقيمون عليها منذوي الرأي والخبرة والحنكة، ودون النظر لسياق الخطوة التي اتخذها ممثلو الطلبة، او النظر للأسباب التي دفعتهم للقيام بذلك، يكاد يوازي خطأ الطلبة أنفسهمبإغلاق الجامعة قسراً. ولعل مبررات قرار الجامعة بالحفاظ على الإرث الحضاري والديمقراطي للجامعة ومنع النزوع للعنف والاكراه، وهي مبررات صحيحة تماماً، يوازيها ايضاً مبررات تخطئةهذا القرار بمعاقبة قادة الطلبة الذين اخذوا على عاتقهم الدفاع عن حقوق زملائهم والذود عن مكانة الحركة الطلابية ودورها النقابي في حماية مصالح الطلبة، ناهيك عن تحقق مبدأ حرمان الطلبة من التعليم، وهو غير مقبول في كلا الحالتين. ان الحقيقة التي تضعها إدارة الجامعة امام الراي العام بان نحو 82 بالمائة من الطلبة قد اوفوا بالتزاماتهم المالية للفصل الأول،هي في الواقع لا تعني ابداً ان هذه النسبة من الطلبة موافقة او غير مكترثة لقرار الجامعة برفع الأقساط، لأن قيام الطلبة بدفع ما طلب منهم جاء على أرضية خشيتهم من إمكانية خسارتهم لمقاعد الدراسة او لمواد مهينة يحتاجونها او يرغبون بالتسجيل لها، وهو بالتالي يشبه القاعدة التي تتبعها على سبيل المثال شركة الاتصالات عندما تلزم المشترك الذي يقع خطأ ما في فاتورته بضرورة تسديدها اولاً تحت طائلة فصل خطه عن العمل، ومن ثم النظر في اعتراضه، حيث عادة ما يرضخ المعترض مضطراً دون ان يعني موافقته على المبدأ او قبوله بهذا الاجحاف. وفيما تساءل بعض الإعلاميين الذين حضروا الاجتماع عن دور الهيئة التدريسية ونقابة العاملين في الاسهام بحل المشكلة القائمة، فانه ورغم معرفتي بان نقابة العاملين قد بذلت جهوداً في سبيل ذلك واصطدمت بتعنت الطرفين وتمترسهما كل خلف موقفه ومنطقه ورؤيته للأمور، فإنني ازيد على ذلك بان قرار الجامعة اساساً لم يكن رفعاًللأقساط بنسبة معينة، بل تم ربط قيمتها بسعر صرف الدينار الاردني على أساس 5.6 شيكل اسوة بما تدفعه الجامعة للعاملين من رواتب، ولعل في هذا المنطق، الذي يبدو وكانه يحمل الطلبة تبعات استحقاق كان قد حققه العاملون والأساتذة قبل عدة سنوات ما يضع العاملين القابضين بمواجهة الطلبة الدافعين، وكأن لسان حال الجامعة يقول ( من دهنه قلليله )، وهذه المعادلة تحرج العاملين وتضعهم في خانة تضارب المصالح. ان الخلافات والتناقضات بين إدارة الجامعة والحركة الطلابية قديمة، عايشت جزء منها خلال التحاقي بالجامعة بين عامي 1982-1990، أساسها هو غياب شراكة حقيقة بين مكونات الجامعة، او بالاصح تغييب الحركة الطلابية عن التخطيط واتخاذا القرارات لا سيما الهامة منها المتعلقة بالطلبة بشكل مباشر، بل وبديلا لذلك تجنح إدارة الجامعة في عديد المحطات الى الاستهتار بالحركة الطلابية وقدراتها وامكاناتها، وتسعى لتجاوزها، وفوق ذلك تحميلها تبعات قراراتها التي قد تكون خاطئة احياناً، اذ لا كمال لاحد او جهة. هذا التغييب للحركة الطلابية عن صنع القرار، والطلب منها بالمقابل تحمل تبعاته، بما في ذلك الازمة المالية المستمرة للجامعة يفضي حتماً الى رفض الطلبة تحمل تبعات تلك القرارات على قاعدة اما اننا شركاء في القرار وتحمل التبعات، او خذوا ما شئتم من قرارات ولكن لا تشركونا بتحمل تبعاتها. وفي بعض المحطات والتجارب التي تم اشراك ممثلو الطلبة فعلياً في هيئات صنع القرار، وسمع رأيهم، كانت تحل الازمات بسلاسة وسهولة، بل ان ذلك كان يعطي قوة للجامعة ومصداقية لقرارها، ويضع كل مكوناتها في موقع المدافع والحريص على تنفيذ مثل هذه القرارات، ولعل من عايش ولازال يذكر مثل هذه التجارب في بعض المحطات المفصلية يدرك كيف جنبت الجامعة في حينه أزمات ومشاكل كبرى. ان ما وصلت اليه الأمور في الجامعة اليوم بات يتطلب حلاً سريعاً يضمن عودة الطلبة لمقاعد الدراسة دون ضياع أي يوم إضافي، وهو ما يوجب إيجاد مخرج اني للوضع الحالي يضمن التأكيد على رفض اغلاق الجامعة، وعدم اللجوء الى العنف او الغلق القسري لها تحت أي مبرر، وعودة مجلس الجامعة عن قراره بفصل الطلبة وتأكيده على مشروعية النضال النقابي المطلبي بالطرق السلمية والحضارية المعروفة، وتجميد قراره برفع الأقساط او معادلة سعر صرف الدينار، ومن ثم فتح حوار ناضج مع ممثلي الطلبة على قاعدة الشراكة الحقيقية. ان هذا الحل الاني السريع يؤسس لعلاقة جديدة تعمل من خلالها كل الأطراف المعنية على البحث عن حلول لازمة الجامعة المالية لا يتحمل وزرها الطلبة وحدهم، بل ان اساس الحل هو ايفاء الحكومة بالتزاماتها المالية تجاه كافة الجامعات، وتخصيص ميزانيات أكبر للتعليم تكون تصاعدية للسنوات المقبلة، كما ايرادات السلطة التي تزداد باستمرار مع الارتفاع المضطرد للضرائب والجمارك والرسوم التي يجب ان تصرف اساساً على الصحة والتعليم وغيرها من الخدمات الأساسية. مثل هذا الحل الممكن، وربما الوحيد المتاح بحاجة لجهود جهة ما تكون قادرة على اجتراح الية تنفيذ ومخرج عملي يحفظ الجامعة ومسيرتها الاكاديمية والتربوية والوطنية، ويضمن للأطراف احترامها وهيبتها، ويضع حداً لإمكانية اللجوء للعنف لاحقاً، ويؤسس لشراكة فاعلة بين الإدارة والطلبة والعاملين في الجامعة.