فلسطين ومستجدات الثورة المصرية

حجم الخط
شكل غرس إسرائيل في فلسطين أخطر حلقات مخطط سايكس- بيكو، وعكس تلاقي المصالح الاستعمارية الغربية والصهيونية في الوطن العربي. بمفاعيل تلك الواقعة التاريخية وما ترتب عليها من صراع ما زال دائراً، وما قادت إليه من تداعيات على الحالة العربية ما انفكت تفعل فعلها في السياسة والمجتمع والاقتصاد، تبقى القضية الفلسطينية، شاء من شاء وأبى من أبى، قضية عربية. فإسرائيل مذاك تشكل تهديداً عسكرياً دائماً للأمة وأمنها واستقرارها، بل وتهديد سياسي لمكانتها ودورها في النظامين الإقليمي والدولي، حيث ظل إضعاف وضرب مراكز قوتها الأساسية، في مقدمتها مصر وسورية والعراق، بنداً ثابتاً على جدول أعمال إسرائيل ورعاتها الغربيين، ما يعني أن ما دفعته فلسطين، ولا تزال، من ترابها ودم أبنائها إن هو إلا جزء من ثمن مواجهة الأطماع الصهيونية والاستعمارية الغربية في الوطن العربي. ظلت الحقائق أعلاه مسلمات سياسية حتى جاء نظام السادات بمطالعة أن جوهر الصراع العربي الإسرائيلي نفسي، ذلك لتبرير وتسويق وتعميم صفقة كامب ديفيد التي أبرمها على حساب مجمل قضايا الصراع العربي الإسرائيلي، وجوهره القضية الفلسطينية. لكن ولما كانت حقائق الصراع أكبر وأعند من تبريرات صفقة السادات، فإن إسرائيل- العدوانية التوسعية بطبيعتها- لم "تجنح للسلم"، بل، ظلت "الدولة القلعة"، ولم تتخل عن تهديداتها العسكرية والسياسية للأمن والاستقرار في الوطن العربي، ما يعني أن تخلي النظام الرسمي العربي عن مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية يساوي عملياً إخلاء مسؤولياته عن أمنه واستقراره الذاتي، وعن مكانته ودوره في النظامين الإقليمي والدولي، ذلك لأن تخلي هذا النظام عن قضية فلسطين لم يكن مجرد خلل فكري بنيوي في فهم الطبيعة الصهيونية العدوانية التوسعية لإسرائيل، فحسب، بل كان، أيضاً، سقوطاً سياسياً في أوهام إمكان تفادي المواجهة المفروضة معها. ففلسطين كقضية هي ليست قضية "يتيم" يُبر، بل هي موضوع أمن أمة كانت ضحيته المباشرة فلسطين وشعبها. لذلك كان الأمل في أن يعيد الحراك الشعبي العربي حقائق الصراع العربي الإسرائيلي إلى نصابها. لكن بدايات الحراك الشعبي ظلت ناقصة لأنها لم ترتبط بموقف حاسم تجاه دور العرب ومكانتهم في النظامين الإقليمي والدولي، وموقع القضية الفلسطينية فيهما. فبعد عامين ونصف العام على انطلاق هذا الحراك ثمة في مشهده حالة من التدخلات الأجنبية بأشكالها وجنسياتها، ومن محاولات التفتيت المذهبي والطائفي والتقسيم الجغرافي، ومن العمل على استغلاله باتخاذه مدخلاً لتدمير الدول وتفكيك نسيجها الوطني والمجتمعي وتحطيم جيوشها، مع ما أنتجه كل ذلك من تقتيل وتذبيح للبشر وتدمير للقدرات والإمكانات وإضاعة للاتجاه وفقدان للبوصلة. وهو ما يشكل ربحاً صافياً لإسرائيل ورعاتها، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. هنا ثمة لوحة توحي بوضعية عربية قاتمة تنذر- فيما تنذر- بتهميش قضية فلسطين وإحباط شعبها الذي لم يشعر بالانعكاسات الإيجابية المباشرة لحركة التغيير في الوطن العربي على قضيته، ما يفسر أنه لم يستطع حتى الآن، وهو من خاض في العام 1987 أول انتفاضة شعبية كبرى أبهرت العالم، محاكاة هذا الحراك الشعبي العربي الواسع. يعود السبب في ذلك إلى غياب الصراحة والوضوح في موقف بعض النخب السياسية العربية التي ركبت موجة الحراك الشعبي من القضية الفلسطينية، وخاصة تلك التي تسنمت ظهر هذا الحراك، أعني جماعة الإخوان المسلمين. فلو كان هناك نوع من الجدية في تعامل "الجماعة" مع القضية الفلسطينية لامتلأت ميادين فلسطين بالشباب الذي يعبر عن وحدة المعركة والمصير، ولبات هذا عاملاً مباشراً وحاسماً لإنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي، ولوضع حد لترجيح المصالح الفئوية الضيقة على المصلحة الوطنية العامة وارتباطها بعمقها العربي الذي تبقى فلسطين في مركز مكونات وجدانه. لكن هل اتسع الخرق في ثوب الحراك الشعبي العربي على أي راتق؟ إن المتفحص لتفاصيل وملموس اللوحة يستطيع أن يرى خطوطاً مفتوحة على آفاق أخرى مغايرة. أما لماذا؟ فلسطين وقضيتها نواة مضمرة- بالقوة- في الحراك الشعبي العربي. إذ صحيح أن هذه الحقيقة لم تتجلَّ بالفعل غداة انطلاق هذا الحراك وإبان حكم من صعد إلى السلطة على كتفه في أكثر من قطر عربي، وفي مصر بالذات، لكنه صحيح أيضاً أن الاصطدام الموضوعي لتطور هذا الحراك مع تأثيرات تدخلات الولايات المتحدة، قد أفضى إلى إحداث نقلة نوعية في الوعي الشعبي العربي، عكستها وجسدتها- أساساً- الموجة الثانية للثورة المصرية، حيث تلمس الشعب والجيش والقوى السياسية الوطنية والحركات الشبابية الثورية المصرية الخطر الداهم من الشرق، سواء بوعي مغزى التكاثر البكتيري لمنظمات الإرهاب التكفيري في سيناء لاستنزاف الجيش المصري الذي تحد قيود اتفاقية كامب ديفيد من قدرته على مواجهة هذه الجماعات، أو بوعي مغزى ما يُرتَّب إقليمياً من دور لسيطرة إسرائيل أولاً وتركيا ثانياً، على المنطقة. بهذه النقلة تحول الفعل الشعبي المصري بتداعياته عربياً إلى عمل سياسي يضع الاستقلال الوطني، المرادف للخروج من القبضة الأمريكية في مقدمة مطالبه. بهذا تكون الموجة الثانية للثورة المصرية، رغم كل ما يعترض سبيلها من تحديات وعراقيل ومصاعب كبيرة، بل ومؤامرات، محلية وإقليمية ودولية، قد فتحت الباب على مراجعة اتفاقية كامب ديفيد، وعلى تجاوز نواقص الحراك الشعبي العربي، بما في ذلك نقيصة غياب الموقف الواضح والصريح والحاسم من القضية الفلسطينية، عصب الوعي القومي عند الشعوب العربية. وهذا أمر مجرب وليس كلاماً ديماغوجياً. لقد فتحت الموجة الثانية للثورة المصرية آفاقاً لمواجهة قيد العوامل الخارجية بوصفه العامل الأكثر حسماً في عدم وصول الحراك الشعبي العربي إلى منتهاه الطبيعي، الاستقلال الوطني، ما دفع قواه الفعلية إلى استنتاجات عمقت من وعيها وممارستها بحيث نقلت المعركة من مجرد معركة ديمقراطية ليبرالية وصندوق اقتراع إلى مواجهة حقائق مفتاح كل ديمقراطية وحرية وعدالة اجتماعية حقيقية، أي الاستقلال والسيادة الوطنيين، مع ما يفرضه ذلك من استحقاقات تجاه القضية الفلسطينية تدفع القوى الفعلية للحراك الشعبي العربي إلى اتخاذ مواقف تلفظ الاختباء خلف شعار: "نقبل بما يقبل به الأخوة الفلسطينيون"، مع كل ما في هذا الشعار من تزييف لحقائق الصراع، ومن اشاعة لأوهام إمكان تخلي إسرائيل عن تهديدها لأمن واستقرار ومكانة مراكز القوة العربية ودورها في النظام الإقليمي الذي تجري محاولات إعادة صياغته لمصلحة إسرائيل، سواء من خلال دق طبول الحرب على سورية، أو من خلال استنزاف الجيش المصري في سيناء، أو من خلال التكاثر البكتيري للجماعات التكفيرية واتساع نطاق أعمالها الإرهابية في العراق وسورية ولبنان واليمن ومصر وليبيا وتونس والمغرب والجزائر. وكل ذلك في إطار استماتة الولايات المتحدة لاستعادة مكانة القطب الأوحد في النظام الدولي، متناسية أن الظرف التاريخي الآن هو ليس الظرف التاريخي بعد انتصارها في الحرب الباردة، وأنها لم تعد الآمر الناهي في العالم، وأن الآخرين، في مقدمتهم روسيا والصين، لم يعودوا مكبلي الأيدي، وأن شعوب العالم، بما فيها الشعوب الغربية، لم تعد قادرة على تحمل نتائج ما أدى إليه النظام الليبرالي الجديد من أزمة اقتصادية عالمية طاحنة وحروب عدوانية مدمرة. وكل هذا بفعل أن 216 احتكاراً عالمي، أكثر من نصفها وأقواها أمريكية، اتحدت في إمبراطورية نهب عالمية متحالفة مع النظام الأمريكي. لكن بفضل هذا كله، وليس رغماً عنه، ثمة عداء شعبي عالمي متنامٍ في مواجهة النظام الأمريكي الذي لم يستطع، رغم ما يملكه من إعلام يبرمج الوعي البشري ويشكل 90% من الخبر في وكالات الأنباء وبرامج التلفزة والفضائيات، حجب الحقيقة إلى ما لا نهاية.