رسالة سياسية
2/9/2013
التسوية والمفاوضات:
لا يوجد أي مبرر منطقي أو مشروع يجيز لفريق أوسلو استمرار المراهنة على المفاوضات، فالتجربة على مدار أكثر من عقدين أثبتت فشلها، ولم يتبقَ من هذا الاتفاق سوى سلطة متعسفة في الضفة والقطاع لا تستطيع العيش خارج غرفة الإنعاش، ورزمة من الالتزامات الأمنية لحماية أمن الاحتلال، وعلى الأرض تستمر الإجراءات العدوانية لحكومة الاحتلال في إطار سعيها لفرض الحل الانتقالي أو طويل الأمد، والدولة بحدود مؤقتة فُرضت على شعبنا وعلى المجتمع الدولي، ويبدو أن هذا الفريق ليس مستعداً لاستخلاص دروس هذه التجربة فها هو يتجاوز عملية البناء على الاعتراف الدولي لفلسطين كدولة بالعودة لنفس الأفق العبثي بالخضوع للضغط الأمريكي، فالصيغة التي وافق عليها لاستئناف المفاوضات ليست فقط خارج الإجماع الوطني، بل وأيضاً تنفي الأسس التي يضعها للعودة إلى المفاوضات أو الارتهان للمفاوضات الأمريكية. وهذا يذكرنا بأن مسار مدريد – أوسلو بني على ضمانات مشابهة في حينه والتي لم تتطبق سوى على الطرف الفلسطيني، فالاستيطان سيستمر وستبقى المرجعية لقضية الأسرى رهناً في إطار اجراءات بناء الثقة وحتى النوايا الإسرائيلية. إن اقدام السلطة على انتهاك قواعد الإجماع الوطني لا يهدد فقط بنسف المصالحة بل وأيضاً وحدة التركيبة الراهنة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
إن الدعوة لعقد المؤتمر الدولي حسب مرجعية الأمم المتحدة في إطار أولوية لالتزام "إسرائيل" باحترام القانون الدولي هو أحد محاور الرؤية السياسية البديلة لإدارة الصراع مع الاحتلال، فهنا يأتي في إطار نقل ملف القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة والمطالبة بالحماية الدولية لشعبنا ووضع الأرض المحتلة تحت إشراف الأمم المتحدة لفترة انتقالية يمارس شعبنا خلالها حقه في تقرير المصير وبناء مؤسسات دولته المستقلة وهي ترتبط بفك الارتباط بمدريد وأوسلو والمفاوضات العبثية. وبهذا المعنى نرفع شعار نضالي ركائزه السياسية مقاومة شاملة وشعبية للاحتلال بمختلف الأساليب المتوفرة مع موازين القوى التي تحوله من شعار دعاوي اعتراضي تحريضي إلى آلية واقعية لتحقيق قرارات الشرعية الدولية. وعليه فإن صوابية هذه الرؤية لا تحتاج إلى الموافقة الأمريكية الإسرائيلية، فهو مشروع نضالي يستهدف كسر الاحتكار الأمريكي الإسرائيلي للعملية السياسية، وأخيراً فإن هذه الرؤية والدعوات ستظل دعوات تبشيرية أخلاقية حقوقية ما لم ننجز المصالحة ويستعيد شعبنا وحدته الوطنية، فالوحدة الوطنية تمد هذه الرؤية بأسباب الحياة والقوة عن طريق تحشيد شعبنا في كل مكان للاشتباك مع العدو تحت لواء قيادة متماسكة تعكس في تشكيلها قواسم الجبهة الوطنية العريضة.
المصالحة:
إن إنجاز المصالحة واستعادة الوحدة الوطنية لا يحتاج سوى امتلاك كل من فتح وحماس الإرادة السياسية لتحقيقها، فما انجز من توافقات في جلسات الحوار الوطنية الشاملة والثنائية يوفر أرضية كافية لتحقيقها، فعدم الشروع بترتيب البيت الفلسطيني الداخلي وإعادة بناء مؤسسات المنظمة والسلطة، وعدم الوقوف في وجه كل المناورات وأشكال الحرب الباردة التي تطفو على السطح كلما اقتربنا من المصالحة لا تعكس في حقيقة الأمر سوى وجود شرائح متنفذة في فتح وحماس مستفيدة من استمرار الانقسام، فما يتبقى من مسائل خلافية غير جوهرية تحتاج لحوار موحد في حال توفير الإرادة السياسية لتحقيق المصالحة، وعليه فإنه انجاز هذه المهمة المتفانية لا يتطلب منا موقف الانتظار وتراجع الاحتمالات بل العمل الدؤوب وتفعيل كل وسائل الضغط الشعبي على طرفي الانقسام من قبل كل الفئات والقطاعات الشعبية المنسجمة مع متطلبات المصالحة الوطنية العليا وإعادة الاعتبار لمركزية الصراع مع الاحتلال ووضعه على رأس أجندة عمل قوى شعبنا السياسية.
واخيراً، فإن أي مساعي جديدة في الحديث عن المصالحة يقاس من خلال الشروع الفوري بتشكيل حكومة التوافق الوطني والتوافق على جدول زمني لإنجاز انتخابات مؤسسات السلطة والمنظمة، والإعلان عن الأطر القيادية المؤقتة لمنظمة التحرير الفلسطينية كمرجعية عليا لشعبنا لحين عقد انتخابات مؤسسات المنظمة.
إن تشكيل الحكومات أو تعديلها في رام الله وغزة لا يعكس أي سند شرعي فقط، بل وأيضا لا يعكس ادنى درجة من الشعور بالمسئولية تجاه قضية الوحدة الوطنية، فالتغيرات الحكومية أو التعديلات لطرفي السلطة لا تشكل أكثر من محاولات لاحتواء تناقضات فتح وحماس الداخلية، فالدعوة الخجولة التي أطلقها الرئيس أبو مازن عقب استقالة السيد سلام فياض لتشكيل حكومة التوافق الوطني قابلتها حماس بفتور، فالسيد الرئيس يدرك أن مساعي كبيرة لاستئناف المفاوضات تملي عليه تأجيل الحديث عن انهاء الانقسام واستعادة الوحدة، كما أن حماس غير معنية باستحقاق إجراء الانتخابات لتحديث شرعية مؤسسات السلطة وهي أيضاً بانتظار ما قد تسفر عنه التفاعلات الجماهيرية الجارية في المحيط الإقليمي.
جدلية الخلاف حول مفهوم الدولة الفلسطينية:
إن انهاء الاحتلال كجزء من فلسطين عام 67 يمكن أن يؤسس لتسوية انتقالية، لكنه لا ينهي الصراع أو يؤسس لسلام دائم، وإحلال ديمقراطي للصراع الفلسطيني الصهيوني، فقد سبق وأن جرب شعبي زيمبابوي وجنوب أفريقيا كل الحلول الجزئية لإنهاء الصراع ضد الحكومات والاستيطان العنصري، لكن منطق الصراع والتناقضات أخذت طريقها لحمل الديمقراطية الشاملة فقط من خلال دولة المواطنة الديمقراطية التي تنبذ كل أشكال القهر والتمزق، ومساحة التقاطع بين قضيتنا الوطنية وقضيتي زيمباوبوي وجنوب أفريقيا وصلت إلى مستوى قريب في الجوهر واعتقد أن هذا الطرح الذي يبدو طوباوياً وعصياً على الفهم في ظل موازين القوى الراهنة المحلية والدولية أو بسبب الدور الوظيفي للصهيونية ربيبة الامبريالية، سيظل هذا المفهوم منطقياً وستدفع كل هذه التناقضات للأزمة الموضوعية نحو أسس الدولة الديمقراطية الواحدة في عموم فلسطين التاريخية.
قضية الأسرى:
كان إدراج قيادة م.ت.ف قضية الأسرى في إطار الاعتراف المتبادل بين "إسرائيل" والسلطة، خطيئة حيث جرى تحويل قضية الأسرى إلى ورقة ضغط وابتزاز من قبل " إسرائيل" للفريق المفاوض من جهة ومن جهة أخرى بقاء المئات من الأسرى رهن الاعتقال لسنوات طويلة، بعضهم أمضى أكثر من 20 عاماً, إن الاعتراف الدولي بفلسطين كدولة غير عضو يفتح الباب مجدداً للعمل على تحرير ما تبقى من الأسرى وهذا يتطلب أولاً استكمال عضوية فلسطين في كافة مؤسسات الأمم المتحدة وبشكل خاص المحكمة الجنائية الدولية، وانضمام فلسطين إلى اتفاقية جنيف والتي تقوم وفق الآلية القانونية المناسبة لانتزاع اعتراف دولي يمّكن الأسرى بقانونية الاعتراف بهم كأسرى الدولة الفلسطينية المحتلة أراضيها كأسرى حرب مناضلين من أجل الحرية، وهذا يعطي الشرعية القانونية المطالبة بتحرير الأسرى على أسس اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة. وملحقها الموقع في روما عام 1977، آمل أن يتوقف دوران قيادة م.ت.ف حول نفسها لتعطي مصداقية للمطالب الداعية لتحرير الأسرى باعتبارها شروط أساسية للدخول في أي عملية هدنة أو مفاوضات، فتحرر الأسرى ليس موضوعا تفاوضياً بل عملية يجب أن تسبق أي مفاوضات ( رغم أننا ضد منهج المفاوضات برمته).
دخلت الحركة الأسيرة خلال العامين المنصرمين بخطة نوعية جديدة فقد فتح اضراب الرفاق في أيلول عام 2011 ضد سياسة العزل الانفرادي للعديد من المبادرات الفردية احتجاجاً على سياسة الاعتقال الإداري وتوجيه هذه المبادرات في شهر نيسان، 2012 الذي تكلل بالنجاح وحقق أهدافه الجوهرية بإنهاء عزل 18 مناضلاً وانتزاع حق أسرى غزة بزيارة ذويهم وتواصلت المبادرات الفردية ضد سياسة الاعتقال الإداري والتعسفي لمحرري صفقة شاليط التي تكللت أيضاً بالنجاح من خلال حالة الصمود الأسطوري خلال هذه المعارك والملاحم، واليوم يواصل الأسرى الأردنيين وإلى جانبهم الأسرى الإداريين إضرابهم المفتوح، وبعبارات مكثفة احتلت قضية الأسرى موقعاً في قلب الحدث في إطار الاهتمام الشعبي الرسمي على المستويات الوطنية والعالمية، وفي ظل هذا المناخ المواتي لنضال الأسرى تتأهل أمام الحركة الوطنية الأسيرة مهمة البناء على هذه الانجازات وإعادة صياغة أوضاعها بالتوافق على برنامج ورؤية استراتيجية نضالية لإدارة الصراع مع مديرية مصلحة السجون وتصليب الجسم الاعتقالي وتشكيل قيادة مركزية صلبة ومتماسكة لتنفيذ مهام هذا البرنامج من أجل توطيد وتوسيع استجابتها وصولاً إلى تصويب مكانة الأسرى القانونية كأسرى حرب، ومناضلين من أجل الحرية على طريق تحريرهم وعلى الرغم من التحديات التي تطرحها سياسة مديرية مصلحة السجون أمام تحقيق هذه المهام فإن تراث التجربة الاعتقالية الطويلة ستدفع نحو استعادة الحركة الأسيرة لتماسكها كطليعة تتقدم صفوف شعبنا.
الحراك الشعبي العربي:
إن المعيار الذي نستطيع من خلاله الحكم على مسار الحركة الشعبية العربية هو مدى اقترابها او ابتعادها عن مهام التحرير الوطني والديمقراطي وبمعزل عن محاولات أمريكا وعملائها في المنطقة لاحتواء الحالة الثورية وحرف مسارها ونجاحها جزئياً في كل من سوريا وليبيا على الرغم من ذلك، فإن ثورات الشعوب التي التف حولها قطاعات من الشعب عبرت عن استجابة موضوعية لضرورة الاطاحة بكل نظم وأدوات القهر والظلم والاستبداد والالحاق والاستغلال، فإن استطاعتها إسقاط رؤوس النظام في كل من مصر وتونس وانتزاع بعض المكاسب السياسية في كل من المغرب واليمن يشّكل كل ذلك خطوات في الاتجاه الصحيح، وإذا شئنا تسمية هذه الحالة بالربيع علينا ألا نسقط من جانبنا بأن هذا الفصل يوفر المناخ المناسب للأعشاب المفيدة والضارة أيضاً، وبلغة السياسة فإن محصلة انجاز هذه الثورات وانجاز مسارها يتوقف على موازين القوى التي تتحكم فيها، فعملية الصراع أولاً مع بقايا النظام القديم ومراكز قوته التي يمكن أن تنقلب بعبارات أو شعارات الثورة من جهة، وبين خوامل الثورة وقوى التغيير من جهة أخرى. وعليه فإن النتائج الأولية لمخرجات الربيع العربي وهيمنة قوى الإسلام السياسي بتفاوت على النظام السياسي الجديد يجب ألا تشكل فزاعة أمام قوى التغيير الديمقراطية، فالمناخ الديمقراطي المتشكل يفتح آفاقاً واسعة أمام هذه القوى لتوسيع صفوفها ومضاعفة قوتها. وعليه ضرورة ألا تسقط من حساباتها أي تناقض رئيسي للنضال الأولي ضد بقايا النظام القديم.
ويجب أن تظل هذه الحقيقة رادعاً فهي ضمان لحماية قوى الثورة وأهدافها إضافة لأن الاوضاع الثورية الجديدة لا تسمح لأي فصيل مهما بلغ شأنه التفرد بقيادتها والهيمنة على النظام السياسي الجديد، وفي كل الأحوال فالمنطقة تعيش حالة انتقالية مفتوحة على كل الاحتمالات ومع التأكيد احتمالية ان تتسم الثورات بالفشل أو الاندثار فإن أي نظام سياسي جديد يأتي لمصلحة حراك القوى السياسي الفاعلة ولن يستطيع العودة بالاوضاع للوراء.
( انتهى)
الأمين العام
احمد سعدات