مرت الذكرى العشرون لتوقيع اتفاق اوسلو دون احتفالات وضجيج او اكتراث، سوى لقاءات عابرة في باريس ولندن ونيويورك عقدت مع الرئيس الفلسطيني بما فيها لقاء الرئيس الامريكي على هامش افتتاح دورة الجمعية العامة للامم المتحدة الذي اعلن فيه ان السلام لن يكون سهلا وبأن مسيرة اوسلو ومفاوضاتها مستمرة، فيما اكتفى الطرف الفلسطيني في هذه الذكرى كمن يقدم كشف حساب ليس لشعبه بل للادارة الامريكية والرباعية الدولية، بتكرار اسطوانته القائلة بأن الطرف الاسرائيلي اخذ من اتفاق اوسلو ما ينفعه ويخدم استراتيجيته فحسب دون ان يفي بالتزاماته، دافعاً بذلك عن نفسه تحمل المسؤولية في "تعثر" الاتفاق، ومتجنبا للعواقب التي ينطوي عليها وقف التمويل، الذي يمثل اكسير حياة السلطة،ويمدها بالطاقة التي تعينها على القيام بواجباتها الوظيفية في تنفيذ التزاماتها السياسية والامنية والاقتصادية.
قد يكون أيتام إتفاقيةأوسلو على حق باعتبارها قد ماتت منذ اختفاء شريكهم المسمى باليسار الاسرائيلي الذي مضى الى غير رجعة بغنيمة الاعتراف المجاني والمسبق "باسرائيل" ونبذ "الارهاب"، ومن حيث موت أوهامهم بأن تسفر عن دولة كانوا يرونها قريبة!!. كما ان لعل بعضهم على حق ايضاً، بقولهم أن اتفاقية اوسلو حية ترزق وباقية ومستمره بوصفها الوسيلة والمسوغ لديمومة السلطة كما رُسم لها ان تكون،حتى لو غدت في حال يذكرنا بروابط القرى الغابرة، التي سعى المحتل ان يشكل منها كابحاً للنهوض الوطني وللانتفاضة الكبرى التي اندلعت شرارتها الاولى من غزة في كانون اول 1987 لتشعل في وجه المحتل الحقل كله، وتفتح لأول مرة امام الشعب الفلسطيني بوابة الحرية والاستقلال وامكانية قيام الدولة الفلسطينية.
من غرائب الامور، أنّ وصفها بالعبثية والعقيمة والخديعة ووحيدة الجانب والجزئية والمرحليةممن وقعوا اتفاقية اوسلو، لم يحل دون عودتهم مجددا لاستئناف المفاوضات بشروط اسوء بما لا يقاسكما ارادها رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو،بعيداً عن مرجعية الشرعية الدولية ومطالبهم، وتبرعوا فوق ذلك بتقديم تنازل جديد يقضي حتى بعدم الاحتجاج لهيئة الامم المتحدة ومؤسساتهاعلى اي انتهاكات اوجرائم احتلالية جديدة طيلة فترة المفاوضات السرية المحددة بتسعة شهور كحد ادنى، في سلوك تفاوضي مستغرب "كإبداع" جديد في استراتيجية " الحياة مفاوضات "، ودون احساس واجِب بالزمن الفلسطيني النازف ارضا ودماوالمشبع بالعذاب والتضحيات.
في لحظة يُجمع فيها اغلبية شعبنا والساسة المحليون والدوليون بان تقدما يذكر لم يتحقق منذ عشرين عاما، لا بل واصبحت فيها اوضاع ملايين الفلسطينيين اسوء بكثير من قبل توقيع هذا الاتفاق المشؤوم ، تداهمنا غرائب لا تعد ولا تحصى، بما فيها ان يُطلب منا ان نرفع رؤوسنا عالياً زهواً وفخراً، في وقت باتت فيه مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير والاراضي الزراعية والاقتصاد الوطنيوالبنى الاجتماعيةأشبه بخرائب،وتَستبيح فيه سوائب المستوطنون ودوريات جيش الاحتلال باستخفاف رهيب ودون رادع من قريب او بعيد،باحات المسجد الاقصى وكل بيت أومقر لسلطتنا واجهزتها العتيده.
كمن لا يضيره ان يخسر نفسه كي ينال رضى السيد الكبير في البيت الابيض، ودون اعتبار لقرار الاجماع الوطني والمجلس المركزي وتنفيذية منظمة التحرير،تتواصل على انغام السلام الامني والاقتصادي التطبيعي منذ نهاية تموز الماضي المفاوضات الثنائية والسرية والصامتة التي أستؤنفت من واشنطن، دون حق الاعلان عن مجرياتها اوالانسحاب منها اوحتى الأنين اوالشكوى لهيئة الامم المتحدة التي بدأت للتّو جلسات جمعيتها العامة بالانعقاد في نيويورك، في ظل الاعتقالات العشوائية المستمرة والقتل اليومي وانفلات الاستيطان وارهاب المستوطنين والتطهيرالعرقي والتهويد المحموم للاقصى والقدس والاغوار والحصارالوحشي للقطاع، عبر عملية حثيثة منظمة للاجهاز التام على ممكنات قيام الدولة الفلسطينية المستقلة، كحق يكفله القانون الدوليلشعبنا دون قيد او شرط.
ليست مجرد مفاوضاتاوتنازلات وقرارات غير شعبية، انها المؤامرة الكبرى التي يحيكها الاحتلال وحليفه الاستراتيجي في غفلة من الزمن والوطن والمواطنلتصفية القضية الفلسطينية برمتها عبر فرض اوسلو جديد على شعبنا، بعد ان تم بجريرة اوسلو القديم تفتيت وحدة الشعب والارض والقضية، وهو ما يفرض علينا جميعا كل في موقعه وقدر طاقته الانخراط اليوم قبل الغد في معركة التغيير والانقاذ الوطني بدعم الحراك الشعبي المتنامي في اوساط الشباب والطلبة وبين قطاعات الشعب الفلسطيني وفئاته المختلفه داخل الوطن وخارجه لوقف هذه المفاوضات المدمرة والتصفوية واستعادة روح الثورة والانتفاضة، ثورة ال36 وانتفاضة الحرية والاستقلال وانتفاضة الاقصى، والوحدة الوطنية الجامعة مهما كلف الثمن، بوصفها مفتاح الحرية والاستقلال والعودة وبوابة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.
• عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين... رئيس تحرير مجلة الهدف.