سياسة واشنطن الخارجيّة: تحوّل تاريخي

حجم الخط
لقد شكلت الانعطافات الأميركية مفاصل تاريخية منذ الحرب العالمية الأولى، وصولاً الى ما بعد 11 أيلول 2001. واليوم، في ظل الأزمة المالية والاقتصادية التي تضرب أسس الاقتصاد الأميركي، يتصاعد بصورة لافتة الحديث عن إرهاصات انعطافة أميركية ستترك تداعيات خطيرة على النظام الدولي ككل. يمكن اعتبار غزو العراق نقطة التحول للولايات المتحدة الأميركية من جهة قدرتها على الاستمرار كقوة هيمنة عالمية، إذ إنّه أدى الى عملية استنزاف غير مسبوقة للموارد الأميركية، وهو ما أطلق سيلاً من الدراسات والتوقعات التي تؤكد تجاوز الولايات المتحدة ذروة هيمنتها، وأنّها بدأت تسلك مساراً معاكساً. إنّ واحداً من أهم أسباب وهن القوى العظمى وتراجعها هو غياب التجانس بين وسائلها وأهدافها، أي تصبح أهدافها طموحة جداً بالمقارنة مع محدودية مواردها المتاحة، ما يدفع بها نحو الإفلاس، وهذه الحال هي ما أطلق عليها بول كينيدي «فرط التوسع الإمبريالي»، في دراسته الشهيرة حول صعود القوى العظمى وهبوطها. إذاً، يمكن تجنب ذلك المسار عبر التراجع نسبياً عن الأدوار الخارجية، من خلال تخفيض الإنفاق العسكري، والامتناع عن خوض صراعات مكلفة، ونقل بعض الأعباء والمسؤوليات الى الحلفاء، وإعادة استجماع عناصر القوة الداخلية، أي اعتماد سياسة تقشفية، ولا سيما في مجال الدفاع والسياسة الخارجية، بهدف استجماع الأنفاس وعكس مسار الهبوط. وعليه يعرّف ماكدونالد وبارينت التقشّف في السياسة الخارجية بأنّه «سياسة التراجع عن الالتزامات الاستراتيجية الكبرى كاستجابة لضمور القوة النسبية»، أي توجيه الموارد المخصصة للسياسة الخارجية وحصرها نحو الالتزامات الجوهرية على حساب الالتزامات الهامشية. وهذا ما عبر عنه كيسينجر سابقاً بقوله «إن الولايات المتحدة ستستنفد مواردها المادية والمعنوية إذا لم تتعلم كيف تميز بين ما يجب عليها القيام به، وما الذي ترغب في القيام به وما هو خارج قدراتها». هذا التراجع قد يشمل الانسحاب من التزامات محددة، أو مناطق معينة أو إشراك الحلفاء والشركاء في تحمل أعباء إضافية بدل لعب دور «الراكب المجاني». إلا أنّه في حال رفض الولايات المتحدة سلوك هذا المسار، فإنّها تتجه نحو داء الإمبراطوريات القاتل، أي «فرط التوسع الإمبريالي». هذا التوسع «المرضي» تبرزه الزيادات الضخمة في الميزانيات الدفاعية الأميركية التي ارتفعت بنسبة 70% بين 2001 و2009 لتصل الى قرابة 700 مليار دولار سنوياً. لذلك أطلق ريتشارد هاس في آب 2011 مذهبه الجديد للسياسة الخارجية الأميركية، والذي يهدف الى «إعادة التوازن للموارد المخصصة لمواجهة التحديات الداخلية، في مقابل التهديدات الخارجية، وذلك لمصلحة التهديدات الداخلية». إنّ القيام بذلك سيمكّن أميركا، بالإضافة الى مواجهة التهديدات الداخلية الحرجة، من إعادة بناء أسس قوة هذا البلد ليكون في موقع أفضل لمواجهة المتحدّين الاستراتيجيين. إنّ مذهب «الترميم» كما يسمّيه الكاتب، يهدف إلى ترميم وإحياء «قوة هذا البلد وتجديد موارده الاقتصادية والإنسانية والمادية». ثم يستدرك الكاتب مباشرة أن هذا المذهب مختلف تماماً عن الانعزالية، إذ إن الولايات المتحدة «ستستمر في ممارسة سياسة خارجية فاعلة: لخلق ترتيبات دولية لإدارة التحديات التي تنتجها العولمة، لتنشيط التحالفات والشراكات، والتعامل مع التهديدات المرتبطة بعدوانية كوريا الشمالية، والتسلح النووي الإيراني، وفشل الدولة الباكستانية». إلا أنه في ظل مذهب «الترميم» ستتقلص التدخلات العسكرية إلا في حالة الضرورة. إلا أن هذه الطروحات سرعان ما تواجه بتهمة «الانعزالية» الى درجة ينعت فيها تيد كاربيتر سياسة واشنطن الخارجية بأنّها «مسكونة بالوساوس المرضية»، ثم يكمل قائلاً «إنّ الاتهامات الهستيرية بالانعزالية، رداً على الطروحات المتواضعة بشأن تشذيب الالتزامات الأميركية المفرطة في الشؤون الأمنية الدولية، تُظهر المشهد المضطرب والذي يبدو أنّ النخبة السياسية غير قادرة على تعديله». ويعتقد كاربيتر أنّ تفحصاً خاطفاً للأفعال الأميركية على الساحة الدولية، منذ سقوط جدار برلين، يُقدم أدلة قوية عن دولة غير قادرة أو على الأقل غير راغبة في القيام بتمييز بديهي بين المصالح الحيوية، المصالح الثانوية، المصالح الهامشية، والشؤون التي لا صلة لها بها. لذا يجب على القادة الأميركيين الحد من التدخلات العسكرية في المسائل التي يمكن فيها ضرب استقرار النظام الدولي، وتعجز قدرات الدول الكبرى الأخرى عن التعامل معها. ووفق الاتفاق المبدئي الذي جرى بين الحزبين في الكونغرس أخيراً حول أزمة الدين الأميركي، فإنّ واشنطن ستقلص ميزانيتها العسكرية في السنوات العشر المقبلة ما بين 350 مليار دولار الى 1.3 تريليون دولار. ولا يزال التخفيض مدار جدل حاد، ويرجح أن يشكل مادة دسمة في معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة. ويسوّق الطرفان، المؤيد والمعارض للتخفيض، جملة حجج. يستند مؤيدو تقليص ميزانية الدفاع الى الحجج الآتية: 1- التخفيضات ليست أمراً جديداً في السياسة الأميركية، وهي قد حصلت سابقاً بعد حرب فييتنام وفي عهدي ريغان وكلينتون. 2- إن حجم الفساد والتحايل والهدر في الميزانية العسكرية هو الأكبر والأكثر ضرراً، مقارنة بأي مجال آخر، الى حد يصف فيه فريد زكريا مؤسسة الدفاع الأميركية بأنها «الاقتصاد الاشتراكي الأكبر في العالم». 3- ثم إنّ ذلك سيعيد التوازن بين السياسة الخارجية والدفاع، إذ إنّ الواقع الحالي يشهد اختلالاً عميقاً لمصلحة النفقات العسكرية ينعكس تهميشاً لبرامج السياسة الخارجية، وهذا ما يشجع الإدارات الأميركية على تفضيل الخيارات العسكرية على تلك الدبلوماسية. إن ميرانية الشؤون الخارجية، والتي تشتمل على المساعدات المالية الخارجية، هي أقل بعشر مرات من ميزانية الدفاع. 4- يشير دانيال سيروير الى أنّ التهديدات التي يواجهها الأمن القومي الأميركي هي في معظمها تهديدات غير تقليدية في الوقت الحالي كتهريب المخدرات، الإرهاب والتطرف الديني، والانتشار النووي والقرصنة الإلكترونية، وهي بمعظمها صادرة عن دول ضعيفة أو فاشلة. وعليه، فإنّ تهديدات كهذه يجب مواجهتها عبر الوكالات المدنية، لا عبر الوكالات العسكرية. وهذا يستدعي أن يتركز التخفيض على الميزانية الدفاعية، لا على ميزانية الوكالات المدنية الفاعلة في الشؤون الخارجية لأنّ هذه الوكالات هي القادرة على التدخل باكراً وقبل انفلات الأوضاع الخارجية، وصولاً إلى الحرب. 5- إنّ الرافضين للتخفيض يغالون في تقدير أهمية الصدقية ـــــ التي يمكن أن تتضرر بنظر الحلفاء والخصوم إذا تراجعت الولايات المتحدة عن بعض التزاماتها ـــــ إذ إنّ الأهم هو القدرات الفعلية على القيام بالالتزام. 6- لن يؤثّر هذا التخفيض على مظهر أو قدرات الولايات المتحدة، فالانسحاب من التزامات معينة لا يعني بالضرورة الانسحاب من كل الالتزامات، بل ربما العكس تماماً، إذ يمكن أن يؤدي الانسحاب من مجال أو منطقة محددة الى توفير موارد لتركيزها في التزامات أفضل. 7- يحذّر هؤلاء من خطر خيار «الحرب الوقائية» التي تحتاج الى موارد وحلفاء متماسكين، وكلاهما غير متوافر. كما أنّ الهزيمة في حرب كهذه ستعني فقدان أي احتمال لعودة القوة الضامرة إلى الصعود مجدداً في المدى المنظور. وحتى في حال النصر، فإنّ هذه القوة ستصبح مستنزفة، وبالتالي مكشوفة للتهديدات الأقل جدية. ولذلك شبّه ريتشارد بيتس هذه المحاولة بـ«الانتحار خوفاً من الموت». 8- إنّ إقرار هذه التخفيضات في السياسة الخارجية لعدة سنوات سيمكّن الولايات المتحدة من استجماع الأسس الاقتصادية لقوتها، وسيعيدها الى موقع القيادة من خلال ظهورها كنموذج يُحتذى، كما يعتقد ريتشارد هاس في حديثه عن مذهب «الترميم». 9- اتجاه آخر وإن كان يقرّ بحصول تراجع في القوة الأميركية، إلا أنّه يحاجج أن هذا التراجع لن يصل الى مستوى يؤدي الى خسارة الولايات المتحدة لقب القوة العالمية الأقوى، إذ إنّ سائر المنافسين المحتملين ليسوا في أفضل أحوالهم أيضاً، فالصينيون مرهقون بالداخل، والأوروبيون بأزمة الديون، والروس واليابانيون ليسوا قادرين حتى على مواجهة أزمتهم الديموغرافية. في المقابل، يسوّق الرافضون لتخفيض النفقات العسكرية جملة حجج: 1- إنّ ذلك سيكرس أنّ الولايات المتحدة تعيش فعلاً في لحظات ضمور وتراجع على الساحة الدولية. إن هذا الإحساس يدفع بعض الساسة الأميركيين الى التمسك بالالتزامات الدولية في ما وراء البحار، رغم كلفتها العالية وعوائدها المحدودة، وهذا بدوره يعمّق المأزق ويهدد بسقوطٍ مدوّ. 2- إن ذلك سيعدّ إشارة وهن وضعف، ما من شأنه أن يؤدي الى فقدان الصدقية والثقة مع الحلفاء الذين سيسارعون الى البحث عن تحالفات أخرى تخدم مصالحهم، فيما سيُظهر الخصوم عدوانية أكثر وشهية مفتوحة لمحاولة قضم نفوذ القوة المتراجعة. لهذه الأسباب، يدعو غيلبين الى خيار «الحرب الوقائية» لمواجهة معضلة الضمور بدلاً من اعتماد خيار تقليص النفقات. 3- كونها تستجلب مخاطر أكبر بكثير مما تتيحه من فرص، إذ إنّها تقلل من فرص كسب أي مواجهة عسكرية، كما أنّه لا يمكن ضمان النوايا الحسنة للقوى المنافسة، لذلك يكون التخفيض آخر الخيارات وينجح في لحظات نادرة عندما يكون استعمال القوة في الساحة الدولية غير مرجح. لذلك، يحذّر جون بولتون من اقتطاعات كبيرة من ميزانية الدفاع، ويعتبر أنّ ذلك سيكون بمثابة «خنجر في قلب الأمن القومي الأميركي». 4- إنّ التراجع في موازنة الدفاع والسياسة الخارجية يعني قدرة تأثير أقل في البيئة الخارجية، سواء في استعمال القوة أو التهديد باستعمالها، كما يعني فاعلية أقل للقوة الناعمة التي تحتاج إلى موارد مالية معتبرة. وهو واقع يختصره كريستوفر هيل بالقول عندها «سيصل مسؤول أميركي كبير إلى بلد ما، فيعرض المشورة، فلا يجد من يكلف نفسه عناء الإصغاء إليه». 5- يحاجج آخرون من باب حفظ الاستقرار الدولي والإقليمي، إذ يحذّرون من أنّ تراجع الولايات المتحدة على المستوى العالمي سيخلق فراغات سياسية وأمنية هائلة ستؤدي الى خلق صراعات بين القوى الساعية الى إشغال هذا الفراغ. على سبيل المثال، يؤكد صموئيل هنتنغتون أنّ «عالماً بدون سيادة الولايات المتحدة سيكون عالماً أكثر عنفاً وفوضى وأقل ديموقراطية وأدنى في النمو الاقتصادي من عالم بدون هذه السيادة». 6- يحاجج مايكل سينغ في «فورين بوليسي» رداً على ريتشارد هاس بأنّه «لا يمكن للشعب الأميركي أن يهمل أو يؤجل القضايا الدولية لمصلحة الأمور الداخلية. فرفاهيته لا تتوقف فقط على الظروف السياسية والاقتصادية في الداخل، بل أيضاً على تلك التي في الخارج». والقول عكس ذلك هو ببساطة لا يتناسب مع واقع اليوم، فقد تمت عولمة الازدهار الاقتصادي للشعب الأميركي، إذ إنّ التجارة ورأس المال واليد العاملة تتحرك على نحو متزايد عبر الحدود الوطنية. وإذا ما وضعت أميركا الآن الأعباء الخارجية جانباً وركزت على الأمور الداخلية، فإن ذلك سوف لا يضرّ العالم فحسب، بل واشنطن أيضاً. يبقى أنّ محدداً أساسياً سيقرر الخيار الذي ستسلكه واشنطن، ألا هو تنافس الحزبين ولا سيما هوية الفائز المقبل في الانتخابات الرئاسية. يحاجج ستيفن والت «أنّ الولايات المتحدة سمحت لسياستها الخارجية بأن تتعرض للانحراف بسبب التراشق بين الحزبين، خطفها من قبل اللوبيات والمصالح الداخلية الضيقة، والخطاب غير الواقعي، وجرى أخذها رهينة لأعضاء الكونغرس العديمي المسؤولية»، إذ رغم أنّ التقشف أمر ضروري، إلا أنّه يبدو أنّ القوى الكبرى تاريخياً ترفض ذلك لأسباب محدودة الأفق ومرتبطة بالثقافة الوطنية أو السياسات المحلية، وهي عقبات أصابت بريطانيا في نهاية القرن التاسع عشر وساهمت في نهايتها كقوة عالمية. وقد لفت كيسينجر الى أنّ السياسات المحلية والإعلام تؤدي الى دفع السياسة الخارجية في اتجاه معاكس، ولا سيما بسبب ما يحصل بين الحزبين من مقايضة للسياسات الداخلية بتلك الخارجية منها. في كل الأحوال، يسهل الجزم بأنّ الولايات المتحدة عند مفترق تاريخي مصيري ومعها العالم، إذ عندما تسقط الصخرة تأخذ بطريقها كثيراً من الحصى الصغيرة.