تحديات وسبيل نهضة مصر

حجم الخط
في كلمة بمناسبة الذكرى الـ40 لحرب أكتوبر المجيدة أعلن الرئيس المصري المؤقت، المستشار عدلي منصور، عن قرْبِ انطلاق مشروعين، هما: إنشاء محطات لإنتاج الطاقة النووية للاستخدامات السلمية، وإطلاق مشاريع لتنمية منطقة قناة السويس. هنا حديث عن مشروعين عملاقين يعدان، إن تحققا، خطوة كبيرة في "مسيرة ألف ميل" تحتاجها مصر للحاق بدول اطلقت مثلها قبل ستة عقود مشاريع للتحرر الوطني والنهضة وبناء دولة حديثة ومستقلة وسيدة وقوية عبر هزيمة أدوات داخلية استخدمتها، ولا تزال تستخدمها، قوى النهب والسيطرة والتقسيم الغربية. إذ بينما تحقق ذلك لدول كالهند والصين والبرازيل واندونيسيا وكوريا الجنوبية، (مثلاً)، فقد تخلفت مصر إلى درجة أن يقول الكاتب والصحافي والمناضل المصري الوطني والقومي، عبد الحليم قنديل: "كنا رأساً برأس مع كوريا الجنوبية وأصبحنا ذيلاً بذيل مع بوركينا فاسو". ولا عجب في هذه المفارقة. إذ تخيل حال مصر اليوم لو أنه استمر فيها تراكم المال والخبرة كما أرادها عبد الناصر مع ما لديها من كم بشري هائل، وجامعات مقرونة بمعاهد تطبيقية لتحويل العلم النظري إلى تكنولوجياً في المجالات كافة. يفسر هذه المفارقة الكاتب المصري صلاح عيسى في كتابه "البرجوازية المصرية وسياسة الطرد خارج الحلبة"، وجوهره: السادات طمس عبد الناصر، ومبارك طمس الاثنين، (وطمس مرسي- برأيي- الجميع)، وكأن تاريخ مصر الحديث مجرد عهود لأشخاص وليس مراحل تاريخية في صيرورة واحدة. رغم ما في توصيف قنديل للحالة المصرية من مرارة، وربما قليلاً من مبالغة مقصودة، إلا أن فيه أيضاً تشخيصاً عاماً دقيقاً لحجم ونوعية التحديات الداخلية والخارجية المطلوب مواجهتها لاستعادة مشروع نهضة مصر وإطلاقه من جديد حداثة وتحديثاً. فمصر الدولة العربية المركزية، وذات العراقة التاريخية والحضارية، والزاخر تاريخها القديم بمشاريع وانجازات عملاقة، يتعذر، بل يستحيل، تفسير راهن حالها بغير حقيقة أن مشروعيْ نهضتها الأساسييْن في تاريخها الحديث والمعاصر قد اصطدما بقوى خارجية لها أدواتها المحلية. أما لماذا وكيف؟ بإيجاز: مشروع محمد علي الحداثي والتحديثي تم ترسيم اجهاضه في اتفاقية لندن 1840 بعد هزيمته بالقوة العسكرية على يد تحالف دول الاستعمار الغربي وروسيا القيصرية مع الإمبراطورية العثمانية "المريضة". وكانت النتيجة إعادة مصر إلى دواليب تقسيم العمل الدولي الاستعماري القديم الذي كان حشرها في دور البلد المصدِّر للقطن. ومشروع ثورة 23 يوليو بقيادة الراحل عبد الناصر تم ترسيم الانقلاب عليه في معاهدة كامب ديفيد 1979 بشروطها والتزاماتها السياسية والأمنية المذلة والمجحفة رغم النصر العسكري في حرب أكتوبر 1973. وكانت النتيجة 40 عاماً من الارتداد على ما أرسته ثورة 23 يوليو من نظام سياسي اجتماعي أعاد توزيع الدخل لمصلحة الطبقات الشعبية والوسطى، وانتهج سياسة اقتصادية انتاجية ركزت على التصنيع في المجالين المدني والعسكري، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لعدم إدراج مصر في دواليب نظام الليبرالية الجديدة المتوحش الذي قادها إليه نظام "الانفتاح السداح مداح" الساداتي، وعمقه نظام مبارك، ما أفضى إلى الفتك بمنظومة مصر الانتاجية وتفكيك قطاعها العام، وإدخالها في نظام مبني بشكل مطلق على ربحية الشركات العامل جلها مقاولاً من الباطن للاحتكارات الغربية المسيطر عليها أمريكياً. أما معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة التي ما انفك البنك وصندوق النقد الدوليين يتحدث عنها، فلم تكن إلا مؤشرات خادعة على نمو هش ومعرض للتراجع، بل وجالبة لكل ما صاحبها من استبداد وفساد و"تجريف مجتمعي سياسي ومدني" وارتفاع مذهل فى مستويات البطالة واللامساواة. وهو ما جعل الانفجار الشعبي في 25 يناير 2011 ثم في 30 يونيو 2013 أمراً محتوماً. على أي حال، لئن كان ليس بمقدور، وربما ليس في وارد، سلطة "الإخوان" تحويل مشروعها: "نهضة مصر" إلى فعل كما وعدت بآية أنها لم تجرؤ على تجشم تحديات وتبعات حقيقة أن نهضة مصر ترادف "صداماً" مع "غرب" يستميت لإبقاء مصر خاضعة تابعة لنظام نهب معولم تقوده الولايات المتحدة، فإنه لن يكون أيضاً بمقدور "سلطة مصر الانتقالية الجديدة"، بل وأية سلطة لاحقة، أن تنفذ مشروع نهضة مصر إلا إذا توافرت لديها الإرادة والعزيمة السياسية على تجديد مواجهة التحديات الداخلية والخارجية ذاتها التي واجهتها تجربة الراحل عبد الناصر دون أن ننسى تغيرات الظروف واختلاف المعطيات والشروط المحلية والإقليمية والدولية. أما لماذا؟ على سبيل التمثيل لا الحصر: إن مشروعيْ إنشاء محطات لإنتاج الطاقة النووية للاستخدامات السلمية، وتنمية منطقة قناة السويس اللذيْن أعلن عن إطلاقهما الرئيس المصري المؤقت، ليسا مشروعين جديديْن، بل قديميْن ولا تشكل العودة إليهما سوى تصحيح لخطيئة تاريخية يتحمل مسؤوليتها نظاما السادات ومبارك. فالتخلي عن تنفيذ المشروع الأول، النووي، طيلة 40 عاماً كان تخلياً عن تجسيد الحق السيادي لدولة بوزن مصر في امتلاك الطاقة النووية التي تستطيع، (فيما تستطيع)، أن تنتج لمصر كهرباء رخيصة تحل محل ما تنتجه طوربينات السد العالي، وأن تعوضها عما يوشك أن ينضب من مصادر الطاقة النفطية المصرية المكتشفة. ذلك خلافاً لما أنجزته من مشاريع نووية- سلمية وعسكرية- دول مثل إسرائيل والهند وباكستان، أو لما تسعى إيران باستماتة إلى انجازه لأغراض سلمية، رغم أن المكتشف من مصادر طاقتها النفطية لن ينضب قبل عقدين أو ثلاثة عقود وفقاً لتقديرات الخبراء الإيرانيين أنفسهم. أما التخلي عن تنفيذ المشروع الثاني، تنمية منطقة قناة السويس، طيلة 40 عاماً، فكان يعني التخلي عن تحويل هذه المنطقة إلى منطقة مشاريع اقتصادية كبرى بينما ظلت منطقة تجارة حرة، (منذ أواخر سبعينيات وحتى تسعينيات القرن الماضي)، أي إلى حين أن نقلها، (منطقة التجارة الحرة) مبارك إلى جنوب سيناء. مع كل ما عناه ذلك من عدم توازن ديموغرافي، ومن إهمال لتلك المنطقة التي كان من شأن تنميتها بمشاريع اقتصادية انتاجية كبرى أن يستوعب أعداداً هائلة من العاطلين عن العمل، وأن يجتذب إلى غرب القناة، (مدنها الثلاث)، وشرقها، (سيناء)، مزيداً من السكان، بل وإنشاء مدن جديدة وموانيء إضافية وشركات أخرى لخدمات النقل البحري، بما يخفف ضغط الاكتظاظ السكاني في القاهرة والاسكندرية، ويجعل سيناء مأهولة بدل أن تبقى مجرد أرض شاسعة يقطنها فقط نحو نصف مليون نسمة محرومين من حقهم في رعاية الدولة وخدماتها، ويشكلون خاصرة رخوة للأمن القومي المصري، أي منطقة خالية عملياً، ما اضطر الجيش المصري أثناء العدوان الثلاثي 1956 إلى الانسحاب غرب القناة للدفاع عنها، وإلى تكرار السيناريو ذاته عند احتلالها في العام 1967، بينما كان من شأن كثافة سكانية عالية فيها أن يعوض القوة المسلحة ويساعدها. قصارى القول: لئن كانت في غنى عن الشرح الأهمية الاستراتيجية لامتلاك مصر للقدرة على انتاج الطاقة النووية، فإن تنمية منطقة قناة السويس غرباً، مدنها الثلاث، وشرقاً، سيناء، ستفضي إلى استغلال موارد مهدورة في الصحراء وحول النيل وفي الساحل الشمالي، وربما تفضي إلى اكتشافات للطاقة الكامنة كالنفط والمعادن الثمينة ما يساعد الاقتصاد المصري على الافلات من التبعية ويحوله من مجرد اقتصاد خدمي وسياحي إلى اقتصاد منتج عنوانه الأول التصنيع المدني والعسكري، وهو الركيزة التي ارتكزت عليها تجربة الراحل عبد الناصر، وانطلقت منها، ونجحت من خلالها في تحقيق انجازات وطنية وقومية واجتماعية عظيمة. فمصر ليست مجرد أهرامات ومعابد ومراكز للسياحية، بل فيها أيضاً، على أهمية ما تقدم، من الموارد ما يكفي لبناء دولة حديثة ناهضة منتجة ومستقلة وسيدة وقوية وقائدة لأمتها، ولاعباً محورياً نافذاً وفاعلاً في محيطها الإقليمي بشقيه الأفريقي والشرق أوسطي. كيف لا؟ ألم يكن هذا هو حالها في مرحلة ما بعد ثورة 23 يوليو المجيدة التي تشكل ثورة 25 يناير بموجتيها امتداداً لها واستعادة لروحها ورداً على 40 عاماً من الارتداد عليها. هذا هو صوت الشعب المصري أما غيره فليس سوى صدى لصوت يصدر من وراء البحار، ومن واشنطن بالذات.