على الرغم من الإرهاب الضارب أطنابه في سوريا الحبيبة والبالغ أوجه في معظم أنحائها لا يبقي حجرًا على حجر، ولا بشرًا بجوار بشر، ولا شجرًا واقفًا أو زاحفًا أو متسلقًا، فإن نوازع الخير لا تزال تقاوم وتؤدي دورها في مواجهة نوازع الشر وقوى الإرهاب والظلام بجميع مسمياتها ووظائفها الأصيلة والوكيلة والعميلة والأداة، نحو حلحلة الأزمة وفك عقدها ورموزها، وسط حالة استثنائية من الصمود تبديها سوريا شعبًا وجيشًا وحكومةً، متزنرة بثبات الموقف والمبدأ وبالهدوء والحكمة والاستبسال في مواجهة دهماء المؤامرة التي حيكت بليل ضدها.
وبينما يحتدم مشهد المواجهة بين خطي البداية والنهاية بين الجيش العربي السوري والعصابات الإرهابية والتكفيرية والظلامية المفتوحة لها صنابير الأموال والسلاح غربيًّا وإقليميًّا، ويقترب الجيش العربي السوري من خط النهاية بانتظار تلك العصابات لتصفية حساباته معها، ينطلق قطار التمهيد لانعقاد مؤتمر جنيف الثاني مدفوعًا بقوة إنجازات الجيش العربي السوري، وبالذكاء السياسي والدبلوماسي المركَّب السوري ـ الروسي الذي لا يزال يعمل على تعطيل الألغام المزروعة في طريق المؤتمر، وفرشها بالنيات الحسنة.
لقد لعب هذا التكامل بين الأداء العسكري للجيش العربي السوري والأداء السياسي والدبلوماسي السوري ـ الروسي دورًا كبيرًا في:
أولًا: إعادة الأخضر الإبراهيمي المبعوث الأممي إلى سوريا إلى وظيفته بعد أن تعمد المتآمرون على سوريا إحالته إلى تقاعد مبكر لأكثر من سنة، وذلك لرهانهم على عصاباتهم الإرهابية في تغيير الميزان على الأرض. وقد باشر وظيفته بزيارة القاهرة محطته الأولى ضمن جولته التحضيرية لمؤتمر جنيف، معطيًا أبرز ملامح المؤتمر عقب مباحثاته مع نبيل فهمي وزير الخارجية المصري من حيث إن المؤتمر هو "بداية وليس حدثًا يقتصر على اجتماعات لمدة يوم أو يومين في جنيف ثم كل طرف يعود لمكانه، بل هو عملية يبدأها السوريون مع حضور دولي مهم ثم يتواصل داخل سوريا في حوارات حتى يشترك الجميع". وأن "هناك أطرافًا كثيرة جدًّا في سوريا لا يمكن أن تحضر جميعها في "جنيف ـ 2"، إلا أن كل الأطراف السورية سوف تسهم في بناء سوريا جديدة".
ثانيًا: محاولات الغزل في أكثر من اتجاه ومن أكثر من قطر عربي، حيث بدأت دبلوماسيات عربية محاولة الوصول إلى القلب السوري والحصول على الرضا والصفح، عبر أقرب وأصدق الحلفاء، فهناك من اختار الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنها من اختارت روسيا لإثبات حسن نياتها وبراءتها رسميًّا من الإرهاب في سوريا، ومنها من مالت إلى حزب الله والتوسط لإطلاق سراح اللبنانيين المخطوفين التسعة، وعدَّت هذا النجاح عربونًا وبادرة منها على حسن النيات. صحيح أن سوريا في عملية الإفراج عن المخطوفين ضحت من أجل حلفائها، بإطلاق سراح مجرمين عاثوا قتلًا وإرهابًا بحق الشعب السوري، إلا أن الوساطة ذاتها ـ رغم ما يعتلج في النفس من آلام ومرارة ـ لها مدلولها السياسي لإذابة الجليد والتكفير عن الأخطاء.
ثالثًا: توليد قناعة تامة لدى معسكر التآمر والتخريب والتدمير أن سوريا عصية وستبقى عصية على أن تكسرها يد الإرهاب، بل إنها قادرة على دحر الإرهاب وأدواته، وبالتالي المراهنة على تدمير سوريا وفق المشروع الصهيو ـ أميركي عبر الإرهاب هي مراهنة خاسرة، وكذلك المراهنة على خيار العدوان العسكري، ولعل حادثة الصاروخين الأميركيين اللذين سقطا أو أسقطا في البحر المتوسط واللذين رصدتهما وتتبعتهما الرادارات الروسية حتى السقوط أو الإسقاط، كانت رسالة واضحة ومفحمة.
رابعًا: أيًّا كانت النتائج التي ستحرزها العصابات الإرهابية والتكفيرية في سوريا، فإن رحلة العودة أو تمدد إرهاب هذه العصابات أمر قائم لا محالة، وهذا ما غاب من حسابات القوى الضالعة في المؤامرة على سوريا والداعمة للإرهاب، ولم تنتبه إلا الآن وهي تشاهد رحلة عودة الإرهاب وأدواته من سوريا وعلى الطريق ذاتها التي سلكتها في رحلتها الفاشلة، وصولًا إلى المنطلق، مع المرور بجميع المراحل التي سلكتها في درب قدومها، وهذا ما ظلت تحذر منه دمشق مرارًا وتكرارًا، فليس عبثًا عزم تركيا إنشاء جدار عازل على حدودها مع سوريا، وليس مللًا أن تقوم مدفعيتها بقصف مواقع لإرهابيي تنظيم القاعدة وجبهة النصرة.
خامسًا: توكيد أن الولايات المتحدة لا يعنيها بالأساس سوى أمرين: مصالحها في المنطقة، وأمن حليفها الاستراتيجي كيان الاحتلال الصهيوني، وما عدا ذلك لا قيمة له بالنسبة لها، فحين تتحقق مصلحتها لا تنظر إلى من وقف معها إلا مجرد خدم، ولا يهمها التضحية بهم، فكيف بها وهي على حافة الهاوية اقتصاديًّا وتقاوم إعلان الانهيار.
سادسًا: انتفاء المعنى الحقيقي للمعارضة، فلا وجود للمعارضة على الأرض السورية سوى المعارضة الوطنية التي ترفض الإرهاب والتدخل الخارجي، وتؤيد الحل السياسي والحوار، وما عداها ما هم سوى عصابات إرهابية مأجورة تبحث عن المال والمتعة وتتغذى بالدماء والخراب والدمار والإرهاب. كما لا وجود لما يسمى "ثورة" وإنما إرهاب كوني تقوده حوالي ثمانين دولة.
يبقى القول إن سوريا ستستمر في تسطير ملحمة صمودها وتدثرها بثبات الموقف والمبدأ وتأبطها الحكمة، متماسكة مترابطة، وعلى جدران ذلك تتهاوى الأقزام وتسقط الأقنعة.