يثير التقارب الجاري بين الولايات المتحدة وإيران أسئلة كثيرة، لعل المفتاحي منها: هل هو تقارب طوعي لإبرام صفقة تاريخية شاملة أم هو تقارب اضطراري لإدارة أزمة في مصلحة الطرفين تخفيف حدتها لتفادي دخولهما في حرب؟ يجافي المنطق بقدر ما يجافي مجريات الواقع على الأرض إنكار أن هذا التقارب نجم-أساساً- عن تفاقم الأزمة السورية الى درجة الانذار باندلاع حرب إقليمية واسعة وشاملة بينما يشهد إقليم الشرق الأوسط والعالم تحولات عاصفة غيَّرت- نوعياً- موازين القوى السائدة منذ بداية تسعينيات القرن الماضي في السياسة الدولية ومؤسساتها ونظامها، حيث لم تعد الولايات المتحدة الآمر الناهي في العالم. هذا هو السبب الجوهري لمرونة سياسة إدارة أوباما في إدارة الصراع مع إيران. بل هو السبب الفعلي لكل ما تعيشه الولايات المتحدة من تراجعات سياسية إقليمياً ودولياً. هذا بينما هنالك جهات سياسية أمريكية داخلية وأخرى خارجية حليفة للولايات المتحدة، في مقدمتها فرنسا وإسرائيل وبعض الدول العربية، لم تقتنع أو لا تريد أن تقتنع أن ارتدادات نظام الليبرالية الجديدة ووحشية عقدين من عمل "المحافظين الجدد" على عولمته بالقوة العسكرية انعكست على الولايات المتحدة قبل غيرها، حيث لم يعد أمام الشعب الأمريكي المثقل، ومعه الشعوب الأوروبية، بالانعكاسات الاجتماعية والخسائر البشرية والمادية الكبيرة لهذا النظام وحروبه، سوى القبول بالواقع والتكيف مع شكل جديد للعولمة تكون الولايات المتحدة فيه أحد أو أقوى الأقطاب وليس القطب الوحيد، بما ينعكس إيجاباً على حياة المواطنين الأمريكيين والأوروبيين المطالِبين بتوفير المصروفات المهولة على الحروب لمصلحة أهداف التنمية المختلفة. وهو ما يفسر تصويت الشعب الأمريكي لبرنامج أوباما في دورتين انتخابيتين متتاليتين، من جهة، وتراجع تأثير معسكر"المحافظين الجدد" في السياسة الأمريكية داخلياً وخارجياً، من جهة ثانية.
إذاً نحن أمام تقارب أمريكي إيراني إضطراري لتجريب استخدام لغة السياسة الناعمة لإدارة، وربما حل، أزمات ملفات مترابطة تكاد تشعل حرباً. فالولايات المتحدة البراغماتية المتعبة من أزمتها الاقتصادية البنيوية وحروبها الباهظة الخسائر لا ترى خطأً في أن تتعامل بواقعية لمدة زمنية معينة مع الصراع الناجم عن تفاقم الأزمة السورية شديدة الصلة بالصراع مع إيران وبغيرها من الصراعات في المنطقة، بما يوفر لها فرصة للخروج الآمن لقواتها من أفغانستان، ولالتقاط الأنفاس وترميم اقتصادها الغارق في أزمة منذ العام 2008. بالمقابل فإن قيادة إيران لا ترى خطأً في أن تجرب التعامل بمرونة لمدة زمنية توفر لها فرصة للخلاص من سيف التهديدات المسلط على رأسها، وربما لتخفيف متدرج للعقوبات الثقيلة المفروضة عليها، بما يسمح لها استكمال مشروعها لامتلاك القدرة على انتاج الطاقة النووية بهدوء وحذق وحنكة ونفس طويل. ما يعني أنه لئن كانت أسباب ومحددات إدارة أوباما للتقارب مع إيران في غنى عن الشرح، فإن أسباب ومحددات قيادة إيران لهذا التقارب تستند إلى ما بيدها من أوراق قوة داخلية وخارجية، خاصة بعد نشوء حالة توازن دولي في المنطقة أحدثها-أساساً- دخول روسيا بتحالفاتها الإقليمية والدولية بقوة على الخط. ما يعني أن القيادة الإيرانية تدخل لعبة هذا التقارب بحسابات دقيقة لجميع الاحتمالات. بدا هذا واضحاً في كلمة المرشد الأعلى لإيران، خامنئي، بمناسبة الذكرى السنوية لسيطرة الطلبة الإيرانيين على السفارة الأميركية في العام 1979، حيث قال:
"كشف الطلبة الإيرانيون آنذاك حقيقة وهوية هذه السفارة كوكر للجاسوسية". وأضاف: "اليوم وبعد مضي أكثر من ثلاثة عقود تُسمى السفارات الأميركية في الدول الأوروبية، وهي شريكة الولايات المتحدة، أوكار تجسس....". واستخلص "أن شبابنا تقدموا بأكثر من ثلاثين عاماً على تقويم الولايات المتحدة بوصفها الحكومة الاستكبارية التي ترى أن من حقها التدخل في شؤون جميع الشعوب". وشدد على أن "الشعب الإيراني وقف بثورته أمام غطرسة الولايات المتحدة وهيمنتها واقتلع جذور المستكبرين في الداخل..."، وأنه، (أي الشعب الإيراني)، "على النقيض من بعض الدول لم يترك هذا العمل ناقصاً في منتصفه ليعاني من تبعاته".
هنا لا يحتاج المرء إلى ذكاء كبير كي يكتشف أن كلام خامنئي إنما يهدف إلى توضيح حدود ومحددات إيران في انفتاحها الأخير على الولايات المتحدة، وإلى رسم صورة واقعية لآفاق هذا الانفتاح بعيداً عن كل مبالغة، داخلية كانت أو خارجية، تتجاهل كما قال: "إن محاباة المستكبر لا تعود بأي فائدة على الدول والشعوب"، و"إن النهج الاستكباري للولايات المتحدة أدى إلى شعور بعدم الثقة والاستياء لدى الشعوب تجاهها"، و"إن التجربة أثبتت أن أي شعب وحكومة تثق بالولايات المتحدة تتضرر حتى لو كانت من أصدقائها"، و"إن الولايات المتحدة اليوم هي القوة الكبرى الأكثر كراهية لدى الشعوب". وأكد، وهذا هو الأهم، أنه "يدعم فريق المفاوضين الإيرانيين الذين يتباحثون مع مجموعة دول الـ(5+1)"، لأنهم "أبناء لا ينبغي لأحد أن يقوم بإضعافهم أو إهانتهم أو وصمهم بالمساومين". وأضاف "أن إيران قبل عقد من الزمن وافقت خلال المفاوضات على تجميد التخصيب لتكتشف بعد فترة أنه حتى بمثل هذه الأعمال ليس هنالك أي أمل إطلاقاً بتعاون الأطراف الغربية". ويلفت الانتباه أنه لم يعتبر ذلك خطأ، بل أكد "أن إيران لو لم تفعل ذلك حينها لخرج من يدّعي أن التراجع كان ليفيد". ما يعني أن خامنئي رغم إعرابه عن دعمه "الجاد والراسخ للمسؤولين المعنيين بالقضايا الجارية مع الولايات المتحدة"، إلا أنه قلل من منسوب التفاؤل في المفاوضات بالقول: "ليس من المعلوم إن كانت ستحقق النتائج التي يترقبها الشعب أم لا، لكننا نعتقد بأن لا إشكالية في هذه التجربة، شرط أن يكون الشعب يقظاً وأن يعلم ما يجري". واعتبر "أن الخلافات السياسية في الولايات المتحدة وتعطيل أعمال الحكومة الفدرالية لمدة 16 يوماً والمشاكل الاقتصادية الكبرى والعجز في الميزانية بآلاف مليارات الدولارات، عدا الخلافات العميقة بين أوروبا والولايات المتحدة في مختلف القضايا، بما فيها قضية الهجوم العسكري على سورية، هي أمثلة للأوضاع الراهنة للجبهة المقابلة للشعب الإيراني". وأكد على "أن الشعب الإيراني شعب واعٍ ومقتدر ومتطور ولا يقارن عما كان عليه قبل عشرين أو ثلاثين عاماً".
هنا لئن كان كلام خامنئي رسماً للخطوط الحمراء أمام حكومة الرئيس الإيراني، روحاني، في الانفتاح على الغرب بقيادة الولايات المتحدة، فإن روحاني بدوره ما انفك يقرن حديثه عن تقارب إيران والولايات المتحدة بالتأكيد على "أن الشعب الإيراني لا يعادي أي شعب في العالم، بمن في ذلك الشعب الأميركي، وعلى"أن ما يثير القلق هو السياسة العدائية للدول"، وعلى التحذير من "أن تكون دول الـ(5+1)، والولايات المتحدة منها بالذات، تسعى إلى الاستغلال وليس إلى الوصول إلى حل"، وعلى "أن الشعب الإيراني هو أهل للمنطق، لكنه أيضا شعب صامد ومقاوم في الدفاع عن حقوقه"، وعلى "أن خطوطنا الحمراء في المباحثات مع الغرب هي حقوق الشعب الإيراني والسيادة الوطنية والاستقلال وعدم الرضوخ للإجبار".
قصارى القول: التقارب الأمريكي الإيراني يعكس-فيما يعكس- ارتخاء قبضة الولايات المتحدة وتراجع قدرتها –كقائدة للثالوث الإمبريالي المكون منها ومن اليابان ودول الاتحاد الأوروبي- على التحكم بوسائل السيطرة على العالم: السيادة على التطور التكنولوجي، والقدرة على الوصول إلى الموارد الطبيعية في العالم، والسيطرة على المنظومة المالية العالمية، والهيمنة على توزيع المعلومات، واحتكار اسلحة الدمار الشامل. وهو التراجع الذي أضعف قدرة هذا الثالوث على الحفاظ على أوضاعه المميزة في السيطرة على الكوكب، من جهة، ومنح فرصة تاريخية لـشعوب "الدول الصاعدة" لتحدي هذه السيطرة، من جهة ثانية. لكن هيهات أن يقر بهذه المعادلة الدولية الجديدة- التي تجيد القيادة الإيرانية الاستفادة منها- كل دعاة إغراق منطقة الشرق الأوسط، وربما العالم برمته، في أتون حرب جديدة يدفعهم إليها تطرفهم السياسي وتشددهم الأيديولوجي. ولا عجب في أن يكون في مقدمة هؤلاء غلاة "المحافظين الجدد" وقادة حكومة المستوطنين في إسرائيل بوصفها "نزازة الحروب" العدوانية التوسعية.