الى الرجل الحديدي الف سلام وتحية

حجم الخط
من قرية ابو كشك قضاء يافا التي ما زالت تسكنه كما سكنها ثلاث سنوات هي طفولته فيها, من يافا حارسة البحر وبوابة الشمس اخرجوه طفلا , ولكن لم يستطيعوا ان يخرجوا يافا من قلبه الصغير , تشرد هو وعائلته في كل بقاع الوطن , لكنه كان تعرف دربه جيداً, وبوصلته كانت لا تشير سوى لفلسطين كاملة لا مجزءة ولا مشوهه. درس في احدى مدارس نابلس جبل النار ومنها بدأ وعيه الوطني حيث عمل في اتحاد الطلبة حينها لم يكن عمره يتجاوز الثمانية عشر سنه , وفي نابلس عمل ميكانيكي سيارات وكذلك في الكويت . رغم تنقله في اكثر من بلد عربي , لم ينتقل حب فلسطين من قلبه لحظه واحده. تنقل بين الاردن ولبنان والكويت والعراق , الا ان يافا الساكنة في قلبه ووجدانه كانت اشد وجعا وجوعاً اليها فبدأ يبحث عن طريق يصل فيها الى حلمه فلسطين, فكانت العراق بداية العمل العسكري , باحثا عن بندقية يحملها وجيشا ينتظم فيه عائدا الى فلسطين , فالتحق بجيش التحرير الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية , كان عمره وقتها ثمانية عشر عاماً من الوجع والشوق لفلسطين الغالية . تنقل في العراق بين بعقوبة الصامدة دوما حيث بدأ يتدرب جيدا كيف يحمل السلاح وكيف يطلق الرصاص على صدر عدوه شلومو, ومن ثم انتقل الى معسكر الرشيد بالقرب من بغداد , هناك تدرب تدريباً خاصا بأفراد الصاعقة ليعرف اكثر ويصبح جنديا متميزا في الصاعقة بجيش التحرير الفلسطيني , كان يعي رغم صغر سنه ان الطريق الى فلسطين يمر من خلال بندقية ثائر بوعي وايمان بحتمية النصر على العدو الدنيء. وفي عام 1967 تم ارساله الى منطقة الاغوار ليقود معركة مع الاحتلال هناك وبعد هزيمة العرب انتقل الى مدينة الزرقاء, وحقد في القلب كبير ليبدأ مشاوراته مع الضباط والجنود في معسكر جو قرب مدينة الزرقاء لبدء العمل السري والعسكري , وفي نفس الوقت بدأت فكرة تشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين , ورغم صعوبة الولادة وما رافقتها من انضمامات وانشقاقات فقد انطلقت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين معلنة معسكر اصدقائها ومعسكر اعدائها وطرق النضال للوصول الى الحرية والاستقلال. كما في كل جزء في جسمه مكان لرصاصه ,كذلك في كل بلد عربي له مكان . و في الاردن ورغم محاولات الحكومة الأردنية الانقضاض على المقاومة و كسرها , كانت ساحة الاردن من الساحات الاكثر اشتباكاً مع العدو لقربها واتساع حدودها مع فلسطين المحتلة , فكان التنسيق مع المجموعات العسكرية اكثر دقة وخطورة , فيتنكر ورفاقه كعمال من اجل الالتقاء والتشاور والتنسيق . وهناك تم اعتقاله على يد المخابرات الأردنية وسجنه لفترة من الزمن بتهمة الوقوف خلف نشاط وعمل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين, وتم الافراج عنه ضمن المبادرة العربية لحل ازمة احداث جرش. فبعد احداث جرش وما انتجت من خروج المقاومة من الاردن الى لبنان. و في حصار بيروت ولقدرته العسكرية العالية تم تكليفه من قبل الجبهة الشعبية لقيادة العمل العسكري في منطقة بيروت , ليشكل ورفاقه اروع صور الصمود والمواجهة والانتصار . فاطلق عليه الرفيق المؤسس جورج حبش الرجل الحديدي لصلابته وصموده وقوته واصراره العنيد. البندقية تعرفه جيدا والحدود تعرف قدميه حين يتسلل عشقا الى فلسطين مشكلاً الخلايا العسكرية فيها , يوجهها ويتشاور معها على طريق الهدف المرسوم في عقله وقلبه, فلسطين حرة عربيه. وحين دخل فلسطين عائدا اليها لم يكن في عقله سوى السير قدما على الطريق التي رسمها هو و مؤسسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين و رفاق دربه ,كنفاني والحكيم ووديع حداد وابو علي مصطفى والكثير من الرفاق الذين رحلوا ومنهم ما زال يشق الدرب نحو فلسطين من بحرها الى نهرها . فكان الرجل الصلب دائما كما كان صلبا في السجون الصهيونية ,وموسوعة للرفاق في كل سجن انتقل اليه , لم يبخل على احد من علمه وتاريخه العظيم , كان معلما لنا وملهما وصامدا في كل السجون, مجدو تعرفه وتعرف صلابته , فحين احترق السجن وقت الاشتباك مع الإدارة جاء الينا ملوناً بالسواد من دخان السجن وحرائقه , وكأنه خارج من معركة مع عدوه ,وهكذا فعلاً. وعوفر يعرفه اكثر حين تكالبت عليه القوات الخاصة الصهيونية ودخلوا سجنه واختطفوه من بين الاسرى وانهالوا عليه ضربا في كل جسده الصلب , كانوا يفكرون بغباء مطلق انهم سيكسروا هذا الجسد الصلب العنيد , فتنافخوا غضبا وحقدا وسالت دماؤه غزيرة من كل جسده ومن رقبته تحديداً , وابتسم هو, لان يافا في قلبه الكبير لوحت له بيداها ان النصر قريب ايها العنيد. فبعد ان نقلوه الى المستشفى, استنفر الرفاق في كل السجون محذرين مهددين من المساس بحياة رفيقهم , وتم نقله الى سجن هداريم المركزي معتقدين ان هذا السجن اللئيم سيكسر شوكته او يسكت صوته, وحين استقبلناه هناك , قال لي احد الرفاق وهو الرفيق الصلب نضال عنتري ابن بلدة دير شرف قال لي حينها لقد دمعت عيناي يا رفيق حين رايته واقفا بكل شموخ وفي رقبته جرحا عميقا من اثر الضرب الشديد للرفيق . في هداريم شديد الحراسة حيث صمم بنظام امريكي وحراسة شديده بحيث لا يستطيع احد هناك ان يخرج صوته للناس او يتكلم حتى داخل الغرف بكلمة من اجل فلسطين , فالغرف مراقبه ومجهزة بمجسات للصوت فسرعان ما تتكلم بكلمة يمس امنهم الا ويتم عقابك . رغم ذلك كان لابد ان يفعل شيئاً في ظل الانقسام الاسود بين غزة والضفة وقتال الاخوة على كرسي اعوج تافه . فصاغ الرفيق وثيقة الاسرى , وثيقة الوفاق الوطني هو ومجموعة من قيادات العمل الوطني والفصائل الوطنية, فصاغ هو و القائد مروان البرغوثي , و ممثل عن حركة حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين , ووقعوا عليها متحدين على برنامج سياسي داعين للوحدة على طريق استعادة الحقوق الوطنية المشروعة, ليوقن الجميع ان للأسرى موقفهم وان قضية الاسرى قضية سياسيه بالأساس .وان الاسرى جزء مهم واصيل من النظام السياسي الفلسطيني. وليوصل رسالته لحكومة الاحتلال برغم بشاعة سجونهم وقسوتها, سيظل الفلسطيني صاحب حق وقضيه وان سجونهم ساحة قتال من نوع اخر سننتصر بها على قمعكم وارهابكم. وحين اراد للجبهة ان تنهض من كسلها تخلى عن موقعه كنائب للامين العام للجبهة الشعبية وقدم استقالته ومجموعة من الرفاق المؤسسين ليسيروا على درب رفيقهم الراحل الحكيم وليجددوا العهد له بحماية هذا المارد الجبهاوي بتجديد الدم في عروق الجبهة الشعبية وليأخذ الشباب حقهم ودورهم في القيادة , وكانت رسالة لكافة الفصائل والقوى الوطنية بان سيروا على خطى الديمقراطية الحقيقية, وان احموا الثورة الفلسطينية من العجز في قياداتها, وهذا هو الطريق الديمقراطي قولا وفعلا . فالهدف فلسطين وليس منصبا هنا او هناك. نفتخر بك رفيقنا يا صاحب التاريخ العظيم والمزين بالنضال , ولتخرس كل الألسنة المتطاولة غدرا على رفيقنا فأهدافها مشبوهة لخدمة الاحتلال واعوانه. نفتخر بك ايها المناضل الصلب العنيد الحالم بوطنك فلسطين.