الحائز على جائزة اسرائيل – نتان زاخ، متكدر في بيته، يشاهد نشرات الأخبار. قبل اسبوعين فقط احتفل بعيد ميلاده الـ 81. كارثة إثر كارثة، على حد قوله. ايران، النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، وفي الوطن – الشوارع تشتعل. موضوع استبعاد النساء تسلل الى قلب النزاع الإسرائيلي المركب على أية حال. زاخ، شاعر، محرر، مترجم وناقد أدبي، ترجمت كتبه الى لغات عديدة، انسان الكلمات بالنسبة له هي الحياة، بات منذ الآن يجد صعوبة في إيجادها كي يعرب عن القلق الشديد الذي يلم به.
"عندما ظهر تيدي كوليك صديقي في التلفزيون قبل بضع سنوات طويلة"، تذكر زاخ، "قال له المذيع: يا سيد كوليك، أنت متفائل أم متشائم بالنسبة لوضع الانشقاق في البلاد؟، فأجاب: أنا متفائل جدا. سألوه، ومتى كل هذا سيرأب، الخلافات والاختلافات والكراهيات؟، فقال: هذا موضوع... لنقل 50 – 60 جيلا. قال له المذيع: يا سيد كوليك! كم هو الجيل بالنسبة لك؟، قال: 40 سنة. أجابه المذيع: أنت تتحدث عن 2500 سنة؟ فهل سننتظر كل هذه الفترة الزمنية؟ فأجابه كوليك: اذا كان هذا مبالغا فيه، فسنأخذ بـ 2000 سنة.
"أنا مع رأي كوليك. ليس مفاجئا أن الدولة تصل الى وضع يكون فيه الإنسان للإنسان ذئب. في نهاية المطاف نحن نعود الى فترة دافيد بن غوريون لإنتاج أتون صهر. فقد اعتقد بأنك اذا أخذت أناسا مختلفين من عقائد مختلفة، من أجزاء اخرى من العالم، تقاليد وثقافات متنوعة وتضعهم كلهم في مطحنة واحدة فإنهم جميعهم سيصبحون متشابهين. في الحياة هذا ليس بسيطاً بهذا القدر. والدليل، أميركا 300 سنة لم تنجح في التغلب على الفوارق الاجتماعية لناسها. اليهودية التي تمثلها الكتب الدينية واليهودية المتطورة جدا من الأدب اللاحق لعهد الهيكل الثاني، هما دينان مختلفان. في الدين أيضا تقررت ثغرات وان كان لزمن قصير خيل أنه عامل موحد بين المتدينين الاشكناز والمتدينين الشرقيين، ناطوري كارتا، جماعة حباد، بار سليف والباقين".
ولكن كان للجميع، باستثناء ناطوري كارتا، مهمة مشتركة: إقامة دولة.
"هذا الأمر الذي يسمى إسرائيل، هو شعب لاجئين من كل أنواع البلدان، بلغات مختلفة، طبائع مختلفة، آداب مختلفة، ثقافة مختلفة وتقاليد مختلفة. هذه الأمور لا يمكن أن تلتحم بالضغط، حيال عدو خارجي، سواء أكان هذا احمدي نجاد أم العالم العربي الآخذ في التأسلم. كان غباء كبيراً الظن بأن يكون هنا مجتمع عسكري من جهة، ولكنه مجتمع يدار مثلما في الدانمارك مثلا. هذا عبث".
قاعدة متهالكة
زاخ لا يعرف من أين يبدأ إحصاء المشاكل. في الجيش، في التعليم، في العالم الأصولي، ربما ما يعتقده الكثيرون كغرور لأناس الجديرة او الخضيرة، ممن يرون كل ما هو خارج قاطعهم الخاص "ريفا".
ما الذي يقلقك أكثر من أي شيء آخر؟
"انعدام القاعدة المشتركة. القواعد المشتركة – الدين، التاريخ، ذكرى صهيون، حائط المبكى والرموز التي ساعدتنا على فهم أنفسنا كشعب واحد نجح في تصميم شخصية يهودية حيال المسيحية، كل هذا اختفى. ليس لدينا في واقع الأمر شيء. وفي كل مكان الشر يتعاظم. وحتى في الجيش، الذي كان القاسم المشترك للجميع. اعتقدنا بأنه مع دخول الأصوليين الى الجيش، ستزداد المشاركة – فأخطأنا. المتدربون المتدينون غير مستعدين لان تغني امرأة أمامهم. نحن ببساطة آخذون في الانغلاق في إطار الظلام الذي يخرج فيه الجنين من بطن أمه. استبعاد النساء بحد ذاته هو أمر مقيت لدرجة أنه يتحدث عن نفسه من تلقاء ذاته. هذا يدل على وضع دولة إسرائيل. في البلاد ثقافيا لا مجال للحديث عن استبعاد النساء، لأن هذا جد أمر مسلم به. الحاخام عوفاديا يوسيف، المعلم الذي يعتبر مربيا محبوبا من الجمهور الشرقي يصدر فتاوى، مشكوك ان تكون جدية في أن الرجل الذي يسير بين امرأتين هو حمار. لقد بدأت أعتقد انه من أجل هذا أقاموا هنا أرصفة منفصلة كي لا يكون الرجال حميراً. ماذا تبقى؟ خلق حركة مثلما في الهند من المدنسين الذين يمنع الاتصال بهم؟ وعندها، من سيكون الدنس هنا؟ العلمانيون؟ الروس الذين يتميزون عنا ويحافظون على ثقافتهم؟ العرب؟ الاشكناز؟".
فهل ربما يدور الحديث حقا عن حفنة غريبي الأطوار ممن خرجوا عن التوازن؟
"نحن لا نخرج عن التوازن. التوازن هو أداة تساعدنا على تناول الامور التي نعرفها، ولكن استبعاد النساء، على الأقل منذ قيام الدولة، هو أمر لم يسبق أن كان عندنا. ولما كان هكذا هو الحال، فنحن لا نعرف كيف نرد. لا قاض ولا قضاء. البلاد أصبحت فالتة تماماً. شجرة زيتون متعددة الفروع يستغرق المرء ان يربيها مائة سنة، ولكن هنا يقطعون أشجار زيتون العرب فقط لأنهم عرب. هذا عمل مجنون. اذا كان ثمة ثغرة صغيرة في السور، فانك تستطيع أن تشير إليها، ولكن اذا لم يكن هناك سور، فمع من وعلى ماذا ستتحدث؟ فقد كان واضحاً بأن القوة العسكرية التي نعيش فيها في هذه البلاد، ستنتقل من المجال السياسي الى المجال الشخصي. اللوطية كانت قائمة دوما. ولكن منذ متى أصبحت شيئا يثير الكراهية والشغب؟ هؤلاء لا يريدون انشاد هتكفا (النشيد الوطني) وأولئك لا يريدون غناء النساء، وأولئك الذين لا يريدون العرب. هؤلاء لا يريدون الاثيوبيين، وأولئك الذين لا يريدون الشرقيين في مدارسهم، هؤلاء الذين لا يريدون الروس والروس لا يريدون ما يرونه مدرسة يهودية دنيا. هذا لا يمكن أن يصمد".
ما لي والسياسة الآن
الساحة السياسية المنقسمة، التي التقديرات المتزايدة بشأنها هي أنه في الانتخابات القادمة من المتوقع للاحزاب الكبرى، باستثناء الليكود، ان تفقد العديد من المقاعد – من غير المتوقع أن تصلح الشرخ الكبير. مهما يكن من أمر، فان زاخ لا يعلق عليها آمالا كبيرة.
هل ترى مع ذلك إمكانية ان يكون الحل لبعض المشاكل المعقدة سيأتي من أحد الأطراف في الخريطة السياسية؟
"من؟ يمين اليوم هو حركة تقوم على الكراهية، وليس فيها شيء عميق. الأفكار الاشتراكية التي جمعت الكيبوتسات لم تعد. العمل لم يعد موجوداً. فقط الاعتراض على الآخرين هو ما تبقى. التوراة التي تربينا عليها، الصهيونية، الكيبوتس، وحتى محبة البلاد في أغاني العشرينيات، كل هذا أفلس تماماً. كل البلاد تتقلص من جهة واحدة الى المدن الكبرى، وللعجب: في داخلها لا تحصى حتى حيفا. يدور الحديث عن قاطع من باتيام وحتى نتانيا، وكل باقي البلاد متروكة لكل أنواع جماعات العنف. الكيبوتس الديني كان ذات مرة ذروة الاعتدال. اما اليوم فهو ايضا سقط ضحية لذات كراهية الآخر".
ولعل القصة عن تيدي كوليك تجسد بأن ما كان هو ما سيكون.
"في الماضي عندما لم يكن هناك الكثير من الشظايا كان هناك تفاؤل أكبر. عندما كنت ابن 17 ونصف سرنا بطواعية نحو حرب التحرير وبشعور غبي بعض الشيء في أن هذا ضروري. في حينه أيضا كانت هناك انشقاقات ولكن على خلفية عسكرية – ليحي، ايتسل، هغناه، وفي نهاية المطاف كان للجميع قاعدة مشتركة ضد من رأيناه عدوا. الأمر الأصعب على الهضم هو حقيقة أن اليهود هم شعب قادر على النزاعات الداخلية الفظيعة. في الماضي شعرت نفسي لاجئاً ألمانياً انخرط في حرب التحرير. أما اليوم فليس لي أي اتصال مع أجزاء واسعة من الشعب، الذي يفترض أن أكون جزءاً منه".
رغم كل شيء، في 36 من سنواتها، وصلت دولة اسرائيل، هكذا كما يخيل على الأقل، الى انجازات جميلة.
"ما هي الانجازات؟ أنهم استثمروا قليلا في المواضيع الفنية؟ الثمار رائعة ولكنهم لم يستثمروا في أي شيء آخر. كان ينبغي البدء بشبكة التعليم. بعد ذلك بنوا بلاداً مختلفة. التعليم، الذي كان في تقدم كبير جدا في الجامعات وفي التخنيون عندما كانت شولميت الوني وزيرة التعليم، وصل اليوم الى درك اسفل. استثمروا مالا في الصناعة، في الجيش وليس في التعليم الذي هو أحد أكثرها تخلفا في العالم. صحيح، يوجد أناس أكفاء، ولكن هذا لا يكفي. كان ينبغي الاستثمار منذ البداية بكل قرش في التعليم. فقط التعليم التعليم التعليم. القليل الذي حققناه هو بواسطة التعليم".
هل يحتمل أن يكون هذا طبيعيا، بعد 63 سنة، والآن هذه مجرد أزمة عابرة؟
"وهل يفترض بهذا أن يبرر الكراهية المتطرفة هنا؟ باريسي في فرنسا لا يعتقد للحظة بأنه يشبه أحدا من نورمندي. ولكن ليس بينهما هذه الكراهية التي توجد بيننا. ما يوحدهم هو فكرة فرنسا. ما الذي يوحد كل الألمان؟ ألمانيا. أما إسرائيل، وما العمل، هذه بلاد لاجئين من ستة أطراف المعمورة. جئنا باسم الصهيونية وكل فكرة نهضة الشعب اليهودي هي فكرة الهرتسلي الذي اكتسب لنفسه الكثير من المؤيدين بسبب حربين عالميتين. هذه بلاد لاجئين لا شيء يوحدهم. لم يعد لدى الصهيونية ما تقدمه.
"لا اعتقد أن هذه الدولة ستصمد. هذا الشعب تفتت الى فصائل متعددة مفعمة بالكراهية والحسد ومستويات اقتصادية مختلفة تماما. نضيف الى هذا المشكلة العربية والاحتمالات في أن يحصل هنا شيء طيب تلغى. المجتمع تفتت الى شظايا، ومع هذه الشظايا ينبغي للجميع رغم أنفهم ان يخلقوا جبهة موحدة ضد عدو خارجي. ولكن كيف يمكن لهذه الشظايا ان ترتبط؟ فشظايا الزجاج لا يمكنها أن ترتبط من جديد".
ماذا إذن، أننتظر 2.000 سنة أخرى؟
"على الأقل 2.000 سنة. الناس لم يعودوا يقولون انا اسرائيلي. يقولون أنا أسكن في إسرائيل. في نظري لا مستقبل لمفهوم إسرائيل كهوية جامعة. قنبلة ذرية واحدة يمكنها أن ترتب كل هذا الموضوع، وان لم تكن واحدة – فثلاث".
عن "معاريف"