منتصف ديسمبر الماضي, احتضت تونس مؤتمراً عن"الهولوكوست"وكان بذلك أول مؤتمر تعقده عاصمة عربية عن هذا الموضوع.انعقد مثلما قيل من أجل استنكار عذابات اليهود التونسيين على أيدي الاحتلال النازي لتونس, الذي استمر ستة أشهر ما بين العامين 1942-1943.بداية السنة الحالية منعت تونس مناضلين فلسطينيين ولبنانيين وعرباً من دخولها, لحضور مؤتمر عن مقاومة الصهيونية!بالرغم من أن العديد من بينهم حصلوا على تأشيرات تونسية من سفارات تونس في بلدانهم.
مفارقة كبيرة تمارسها حركة النهضة , التي اختطفت الحراك الجماهيري للشعب التونسي, والتي انفردت عملياً بالحكم في هذا البلد،رغم حرصها على تشكيل تحالف حاكم مع حزبين آخرينْ صغيرينْ غير مقررينْ بالمعنى الفعلي في السياسة التونسية !.مفهومة الخلفية التي وقفت وراء انعقاد مثل هذا المؤتمر عما يسمونه بــ"المحرقة اليهودية" ,وهي رسالة حسن سلوك جديدة ترسلها حركة النهضة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الغربية ,من أجل إثبات حرصها المادي والمعنوي على مصالح هذه البلدان.من قبل حضر زعيم حركة النهضة راشد الغنوسي مباحثات أجرتها وفود من أحزاب الإخوان المسلمين من دول عربية عديدة , مع وفد من وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن.رئيس النهضة حضر أيضاً حوارات نظمتها مراكز دراسات أمريكية موالية للصهيونية في الولايات المتحدة ,عدا عن تصريحه الشهير:بأنه لا يؤيد أن يتضمن الدستور التونسي الجديد فقرة بتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني.
لقد مارست حركة النهضة سياسة ما تسميه بــ"الحرص على إشراك كافة القوى في حكم تونس"لكنها بعد اتفاق كافة القوى في حوارات أشرف عليها"الاتحاد التونسي للشغل"على تشكيل حكومة ائتلاف وطني, تقوم بتسمية رئيس للوزراء يكون بمثابة القنبلة التي تفجر هذاالاتفاق،الذي تحقق لمرات عديدة والذي لم تجر ممارسته على الأرض ولو لمرة واحدة،الأمر الذي يدلل وبلا أدنى شك على حرص حركة النهضة على التفرد بالحكم في تونس.حصيلة سنوات حكم النهضة منذ إجبار بن علي على الرحيل هي:ازدياد نسبة الغلاء،والفقر والبطالة،وانعدام الأمن بشكل أسوأ مما كان إبّان حكم الرئيس المخلوع.لقد جرى اتهام صريح من قبل المعارضة التونسية لحركة النهضة بالمشاركة في اغتيال القائدينْ المعارضينْ:شكري بلعيد وزميله البراهي.لقد مارست حركة النهضة سياسة من أجل إشعال نار الفتنة في سوريا من خلال غض الطرف تماماً(إن لم يكن بالمشاركة الفعلية)عن ذهاب الأصوليين التوانسة للقتال ضد الدولة السورية ،كذلك غض الطرف عن التونسيات اللواتي ذهبن لما يسمى بــ"بجهاد النكاح"واتخذت تونس موقفاً سلبياً من مصر بعد التغييرات الأخيرة وإسقاط حكم الإخوان هناك.أما بالنسبة للقضية الفلسطينية فتمارس حركة النهضة سياسات التضييق على المقاومين والمناضلين والناشطين الآتين من دول عربية عديدة(بمن فيهم الفلسطينيين)لحضور مؤتمرات في تونس للتضامن مع النضال الفلسطيني،وممن حاولت حركة النهضة عرقلة دخوله إلى تونس هو كاتب هذه السطور،فقد قامت بتأخيره عدة ساعات في المطار قبل السماح بإدخاله للمشاركة في نشاط تضامني للمحامين التونسيين مع فلسطين في ذكرى يوم الأرض , رغم حصوله على فيزا مسبقة من السفارة التونسية في عمّان.لذلك لا نستغرب منع دخول من أرادوا المشاركة في مؤتمر عن مناهضة الصهيونية تقرر عقده في تونس.
أما بالنسبة للمؤتمر عن الهولوكوست الذي جرى عقده في تونس ,فنود أن نسأل حركة النهضة العديد من الأسئلة أبرزها:هل الذين عانوا من الاحتلال النازي لتونس هم التونسيون اليهود فقط أم كل أهالي تونس آنذاك؟لماذا لم يُعقد مؤتمر يستعرض عذابات أهالي تونس من الاحتلال النازي؟وأين هي عذابات الشعوب الأخرى؟وأين حركة النهضة من عذابات الفلسطينيين على أيدي الجلادين الصهاينة, والتي سيمضي عليها ما يقارب القرن زمني؟لماذا كل هذا الحرص على إرضاء إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة؟هذه الأسئلة وغيرها نضعها برسم حركة النهضة!.
على صعيد آخر: أثبت المؤرخون ومنهم أمريكيون وكتّاب ومنهم يهود(من بينهم نورمان فلنكشتاين الذي ألّف الكتاب الشهير:صناعة الهولوكوست)أن الحركة الصهيونية وإسرائيل ضخمّتا أحداث الهولوكوست, للمتاجرة به حتى هذه الساعة.استغلته لكسب التعاطف الدولي مع المهاجرين اليهود الى فلسطين حتى لو كان الثمن تهجير الفلسطينيين من وطنهم واقتلاعهم من أرضهم و اقتراف المذابح بحقهم والموبقات جميعاً بحجة الويلات التي ذاقها اليهود على أيدي النازية.ما نسأله أيضاً:هل أن اليهود وحدهم من عانوا من النازية؟أم أن كافة الشعوب الأوروبية وشعوب أخرى على صعيد العالم ذاقت من الصلف النازي الكثير؟لماذ يجري التركيز فقط على معاناة اليهود دون غيرهم؟لقد قتل 20 مليون مواطن من الاتحاد السوفياتي وحده في الحرب مع النازية ,وقتل الملايين من البولنديين وغيرهم وغيرهم ,لماذا لا يتذكر العالم كل هؤلاء ويقوم بالتركيز على اليهود فقط؟.
مؤسف كثيراً أن يجري السماح بعقد مؤتمر عن الهولوكوست في تونس, وأن تقوم الدولة التونسية بإيعاز من حركة النهضة بتعطيل انعقاد مؤتمر لمقاومة وفضح الصهيونية, من خلال منع العديدين من المنتدبين العرب من دخول تونس لحضور هذا المؤتمر.
* * *
* *
*