المهم برنامج السيسي

حجم الخط
الانتفاضة الشعبية المصرية بموجتيها، كما بقية الانتفاضات الشعبية العربية، ليست مؤامرة، إنما حالة استفاقة أعطت الأمل بالتغيير بعد سبات طويل، وعبرت عن حاجات الشعب الموضوعية، وكسرت حاجز الخوف لديه، وجعلته لاعباً سياسياً، بل جعلت ما بعدها مختلف نوعياً عما قبلها. لكن عفوية انطلاقة هذه الانتفاضة جعلتها،(آفاقاً ونتائج)، مفتوحة على كل الاحتمالات، ما يفسر لماذا طال أمدها؟ ولماذا تموج مسارها؟ ولماذا تعقد الصراع عليها؟ ولماذا تعددت وتنوعت وتداخلت الأطراف- الداخلية والخارجية- الساعية إلى وأدها أو حرفها أو اختطافها أو إجهاضها أو اختزالها أو تفصيلها على مقاس حزب أو جماعة أو قائد؟ ولماذا تباطأ ربط مطلبها في الديمقراطية السياسية بمطلبي الديمقراطية الاجتماعية وفك التبعية للسياسة الأميركية؟ ولماذا كان بوسع حركات تكفيرية جاهلة متطرفة دموية ومشبوهة أن تمتطي صهوتها وتشوه صورتها؟ إذاً بعفوية انطلاق هذه الانتفاضة كان من الطبيعي والمنطقي تحوُّلها، (مسيرة وصيرورة)، إلى حالة صراعية ممتدة يصعب سبر غورها إلا بالنظر إليها كعملية تحويل معقدة ومركبة للظروف والناس، عدا أنها كأي انتفاضة شعبية تتعلم من الانتفاضات وتضيف عليها، وتشكل تجسيداً حياً لكيفية حضور العام في الخاص، إنما ضمن شروطه ومزاياه، ما يتطلب تحليلاً ملموساً لخصوصيتها، ولفرادة كل طور من أطوارها. تحليل لا يرى سلبياتها، فحسب، بل يرى أيضاً أن شعب مصر الذي فجر انتفاضة بموجتين واسقط سلطتين في ثلاثة أعوام قد اكتسب خبرة ودراية سياسية جعلته يقظاً تجاه كل سياسة لا تلبي مطالبه التي تجاوزت مطلب الديمقراطية السياسية نحو مطالب فك التبعية وتحقيق التنمية الإنتاجية المستقلة والعدالة الاجتماعية واجتثاث مظاهر ارتفاع مستويات الفقر والبطالة والأمية والفساد بأشكاله وتدني مستويات الخدمات الصحية واستفحال بؤس العيش في "العشوائيات" والمقابر، أي جعلته واعياً لضرورة القطع مع نهج سلطتي مبارك و"الإخوان" اللتين لم تكونا في وارد فك التبعية للسياسة الأميركية، الشرط الأساسي لتلبية مطالب الانتفاضة ولاستعادة مصر لاستقلالها وسيادتها ودورها القومي ووزنها الإقليمي والدولي، والتحدي الأول لكل سلطة قادمة أياً كان اسمها ولونها وعظمة راهن شعبية من سيقف على رأسها، حتى لو كان المشير عبد الفتاح السيسي الذي يبقى القول الفصل في الحكم عليه فيما سيطرح وينفذ من برنامج، أي فيما إذا كان برنامجه سيلبي مطالب انتفاضة 25 يناير بموجتيها اللتيْن اعترف بشرعيتهما الدستور المصري الجديد الحائز نسبتيْ مشاركة وتأييد هما الأعلى مقارنة بما حازته دساتير مصر السابقة، وفيما إذا كان برنامجه سيقطع-قولاً وممارسة- مع نهج أيتام نظام حسني مبارك الذين لم يسلِّموا بشرعية الموجة الأولى للانتفاضة الشعبية بزعم أنها مجرد "مؤامرة إخوانية"، ومع نهج "الإخوان" الذين لم يسلِّموا بشرعية جولتها الثانية بزعم أنها مجرد "انقلاب عسكري"، وكأن الجيش الذي ساند الإرادة الشعبية لتنحية مبارك هو ليس نفس الجيش الذي ساند الإرادة الشعبية ذاتها لعزل محمد مرسي. ماذا يعني هذا الكلام؟ يعني أن الشعب المصري حل لغز تماثل السلوك السياسي لنظاميْ مبارك و"الإخوان" تجاه انتفاضته، وأن حكمه على كل سلطة قادمة سيكون في نهاية المطاف بناء على ما إذا كانت ستقطع مع نهج كليهما وليس مع نهج أحدهما فقط، بحسبان أن تماثل سلوكهما السياسي إنما يؤكد أن تناقضهما إن هو إلا تناقض ظاهري لأن كليهما، وكل منهما على طريقته، يرفض الاعتراف بأن ما بعد انتفاضة 25 يناير هو نوعياً غير ما قبلها، وبأن استعادة مصر للأمن والاستقرار والاستثمار مشروطة بتلبية مطالب شعب مصر وحقه في "الحرية والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية"، وبأن كل حديث عن نهوض مصر واستعادتها لاستقلالها وسيادتها ودورها القومي يبقى حبراً على ورق طالما لم يقترن بخطوة فك التبعية للسياسة الأمريكية، وبأن صراع أيتام نظامي مبارك و"الإخوان" على السلطة السياسية لا ينفي انتماءهما لقاعدة اجتماعية واحدة تقودها- بتوصيف المفكرين الوطنيين المصريين- "حفنة فاسدة وتابعة من رجال المال والأعمال ورأسمالية المحاسيب"، رغم انشطارها إلى قسمين: "الأول بلحية والثاني بربطة عنق". يؤكد ذلك أن صراعهما على السلطة لم يمنع اتفاقهما على فصل انتفاضة 25 يناير بموجتيها عما سبقها من انتفاضات وثورات شعبية في مقدمتها ثورة 23 يوليو 1952 التي ما انفكت تتعرض منذ رحيل قائدها، عبد الناصر، لعملية "شيطنة" ممنهجة يقودها- داخل مصر- حليفا الولايات المتحدة: "الإخوان" ونظام مبارك وريث نظام السادات الذي ارتد عليها، بينما جاءت انتفاضة 25 يناير بموجتيها لاستعادة البناء على ما حققته من انجازات وطنية واجتماعية وقومية ما انفكت حاضرة في وجدان الشعب المصري وعقله، بدليل أن صورة عبد الناصر كانت الأكثر حضوراً في التظاهرات المليونية لموجتيْ انتفاضة 25 يناير، وأن اسمه كان الاسم الوحيد الذي حظي بتوصيف "الزعيم الخالد" في نصوص الدستور الجديد، بل إن التعلق الشعبي بالمشير عبد الفتاح السيسي اقترن بأمل أن يكون عبد الناصر زمانه، أي بأمل أن يتجاوز الربع الفارغ من كأس مشروعه: تدني الديمقراطية السياسية، وأن يستعيد البناء على ما حققه من انجازات وطنية وقومية واجتماعية لم تكن لتتحقق إلا بالتجرؤ على خوض مجابهة قاسية مفروضة مع دول الاستعمار الغربي بقيادة الولايات المتحدة وأدواتها داخل مصر آنذاك: طبقة الإقطاع وكبار ملاك الأراضي. إذاً هنا القول الفصل في الحكم على المشير عبد الفتاح السيسي، وعلى كل من سينافسه على منصب رئاسة مصر، بل على كل من سينافس على مقاعد السلطة التشريعية القادمة. لماذا؟ لأن مواجهة الشعب المصري مع عنف "الإخوان" منذ عزل محمد مرسي غير منفصلة، وإن اختلف الشكل، عن مواجهته السياسية مع بقايا نظام مبارك منذ تنحيته، ولأن المواجهتيْن غير منفصلتين عما لسلطتيْ مبارك و"الإخوان" من تبعية وارتهان للسياسة الأميركية، وعما لهما من انتماء للقاعدة الاجتماعية الفاسدة التابعة ذاتها. إنها المواجهة الشعبية الرافضة لاختطاف الثورة أيا كان اسم ولون الطرف الذي يحاول ذلك، بدليل أن الشعب المصري الذي رفض دعوات "الإخوان" إلى مقاطعة الاستفتاء على الدستور الجديد وشارك وصوت بـ"نعم" بنسبتين غير مسبوقتين، يرفض أيضاً محاولة بقايا نظام مبارك امتطاء صهوة الموجة الثانية للانتفاضة، ما يعني أن ثمة أغلبية ساحقة من أبناء الشعب المصري هي بقدر ما ترفض عودة سلطتيْ مبارك و"الإخوان"، إنما ترفض إعادة إنتاج أي منهما بأي شكل من الأشكال وتحت أي ظرف من الظروف. أما لماذا؟ لأن ثمة يقظة شعبية تحولت في معمعان ثلاثة أعوام من الانخراط في "ميادين" الانتفاضة إلى بصيرة سياسية لن تقبل، تقدم الأمر أو تأخر، تكرار تجربة تحويل انجاز خلع حسني مبارك إلى سلَّم ارتقاه "الإخوان" لبلوغ الحكم عبر استعجال الاستفتاء على "إعلان دستوري" وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية توجتهم "حاكماً بأمره" بعد جوع ثمانين عاماً، أي لن تقبل كل محاولة لتحويل انجاز إطاحة سلطة "الإخوان" وعزل محمد مرسي إلى إعادة إنتاج بنية نظام مبارك، لأن الموجة الثانية للانتفاضة اندلعت لتصحيح مسار موجتها الأولى وتحقيق مطالبها التي لا يلبيها غير إفضاء الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة إلى ولادة سلطة تعمل على تنفيذ برنامج الائتلافات الشبابية والقوى السياسية والمجتمعية الوطنية التي أطاحت سلطتي حسني مبارك ومحمد مرسي. قصارى القول: إن المهم بالنسبة للشعب المصري وقواه الثورية والسياسية التي أطلقت الانتفاضة الشعبية بجولتيها لا يكمن في تغيير الشخوص أياً كانت أسماءهم وخلفياتهم وألقابهم، بل يكمن في مدى انحيازهم وتبنيهم وتنفيذهم لبرنامج الانتفاضة ومطالبها السياسية والاجتماعية والوطنية والقومية. ويشمل هذا- فيما يشمل- المشير عبد الفتاح السيسي بعد أن تأكد أمر ترشحه لمنصب رئاسة مصر. وبكلمات: المهم برنامج عبد الفتاح السيسي لا اسمه وما حازه من شعبية خلال الأشهر السبعة الماضية، وما يُتوقع أن يحرزه من فوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة. فهذا وذاك، على أهميتهما، ما زالا قيد اختبار ما سيطرحه من برامج وخطط عملية لتنفيذ مطالب الانتفاضة الشعبية بالمعنى الشامل للكلمة. حاله في ذلك حال منافسيه.