الضحية حين تتحول إلى "موضوع للدراسة"

حجم الخط
قرأت مقالة مطولة لكاتبة إسرائيلية اسمها "ايفا ايلوز" نشرت في صحيفة "هآرتس" يوم الجمعة 7 – فبراير، تجري فيها الكاتبة مقارنة بين نظام العبودية في الولايات المتحدة الأمريكية عشية الحرب الأهلية في منتصف القرن الثامن عشر وبين نظام الاحتلال الإسرائيلي وممارسته بحق الفلسطينيين ( في الأرض المحتلة عام 67 ) وتقول الكاتبة، أن "إسرائيل" لا تنتمي إلى الزمن الراهن ولا تزال تعيش وفق قوانين وأزمنة أخرى. وتقر الكاتبة أن" إسرائيل" تقهر مجموعة من البشر بالقوة وتؤسس لهم قوانين جائرة تفرضها بالقوة أيضاً، كما تحذر من انتشار الخطاب الاستيطاني العنصري الذي " كان هامشياً في السابق" يقتصر على جماعات الاستيطان، لكنه أصبح اليوم هو الخطاب الاسرائيلي المهيمن والسائد في المجتمع الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين. والنظرة إليهم بوصفهم عبيد. ! يحاول بعض الكتاب الصهاينة ، ومنهم صاحبة المقال المذكور ، يحاولوا دائما الظهور بدور " التقدمي " و " الموضوعي " و " الانساني" ، وقد يتجرأ البعض ، ويقدم لنا " جديدا " لكنهم يظلوا يتحركوا في نفس المساحة الضيقة ،و لا يغادروها وهي ( نقد الممارسات الخاطئة للدولة!) . اي انهم يبحثوا في الشكل ، لا في الجوهر والمضمون يرابطوا على بوابة الحقيقة ، ولكن لا يدخلوا و لا يقتربوا منها ولا يعترفوا بها . صحيح أن المقال من أوله إلى آخره هجوماً على " الممارسات والقوانين الاسرائيلية في المناطق المحتلة " وهذا مهم، لكنه يختزل القضية والصراع عن قصد، ويظل يدور في القشرة وعلى السطح . لأن الكاتبة تريد إعادة تعريف " القضية " ، بالنيابة عن صاحب القضية . وتبشرنا أنها تحمل " رؤية جديدة للاحتلال " ! كما قال عنوان مقالها ، لكن تنسى أنه إذا كان لابد من مقارنة، فالأصح، والأقرب والأنسب، هو المقارنة بين نضال السكان الأصليين، في المستعمرات وأمريكا الشمالية وفي جنوب إفريقيا، وغيرها وبين نضال الشعب الفلسطيني باعتباره صاحب الأرض. كل الأرض. وأن جوهر القضية يكمن في طبيعة الكيان الصهيوني الذي تأسس في فلسطين على أنقاض السكان الأصليين وليس في " القوانين التي تطبقها الدولة في " المناطق " ... تهرب الكاتبة من جوهر النظام الإسرائيلي ومن التاريخ معاً، لأن هذا سيعني الاعتراف بملكية الأرض وأصحابها الشرعيين وحقوق الذين طردوا وهجروا بالقوة من ديارهم، وسوف يقتضي الأمر أيضاً الوقوف على حقيقة هذه الدولة التي تسمى " اسرائيل " ، وطبيعتها ودورها في المنطقة، وإذا كله يتجاوز " الممارسات الخاطئة "، ضد أقلية ما تسكن في المناطق، إلى أسئلة حقيقية عن كيان استيطاني احتل الأرض الفلسطينية عام 1947 وطرد السكان الأصليين منها، وأن من بقي في الضفة والقطاع والقدس ليسوا عبيداً جاءوا في البواخر مع المستعمر ثم وقعوا بالصدفة تحت الاحتلال، يا لسوء حظهم! .. إن إجراء المقارنة بين العبودية في أمريكا وبين الاحتلال الذي وقع عام 1967، يفترض مقدماً أن الشعب الفلسطيني الذي يعيش في فلسطين المحتلة عام 48 أموره عال العال، وعلى كيفك! فلا توجد قوانين عنصرية تستهدف هذا التجمع ، ولا يتم السطو على أرضه في النقب والجليل والمثلث، وهو جزء من الدولة! كما أن ابقاء المقارنة على سكان المناطق المحتلة يفترض أيضاً أن النظام الصهيوني ليس مسئولاً عن 55% من الشعب الفلسطيني تم اقتلاعه من وطنه وبالقوة المسلحة . بديهي القول أن المقارنة تجري بين حالتين وبين ظاهرتين تتشابهان أو تتناقضان، ولا تطابق بينهما، وإلا صار الشئ هو نفسه، فكيف تقارن ؟ و الكاتبة تعترف بذلك، تقول لو أردنا أن نشرح لإنسان ما، يشاهد حيوان النمر للمرة الأولى في حياته، لا شك أننا سنقول له أن هذا الحيوان هو " كالأسد " لكن توجد خطوطاً على جسمه. تريد أن تقول لنا أنها تبحث عن ( الجوهر ) وهو أن الاحتلال الإسرائيلي في الضفة =أمريكا في زمن العبودية. وليس أن الاحتلال لفلسطين يساوي احتلال الرجل الأبيض لأمريكا. وهي لا تريد أن تأخذ تعريف الضحية لنفسها ، فتذهب الكاتبة إلى تصورات وتشبيهات بين قوانين أمريكا تجاه السود وبين قوانين "اسرائيل" المماثلة والقريبة في تعاملها مع سكان المناطق المحتلة! تفرح الضحية الغبية حين تجد من " ينتصر لها " ويعترف بجزء من حقوقها. لكن الضحية الواعية يجب أن تعرف أيضاً أنها ( واحدة ) ولا تتجزأ . نحن بالنسبة لأنصار " السلام " صرنا موضوعا للدراسة و للبحث الأكاديمي . وأن عملية المسخ لنا تجري مرتين، مرة على يد اليمين الصهيوني الذي لا يعترف بالحقوق الفلسطينية ، ومرة على يد اليسار الصهيوني حين يريد إعادة تعريفنا وتعريف من نحن وما هي مشكلتنا . ولو أن المقال جاء من باب : الانتصار للحق! باختصار شديد ، فإن اعتبار أصل المشكلة الكبرى والوحيدة هي الاحتلال الذي وقع عام 1967 ، واغفال التاريخ الحقيقي للصراع ، هو المشكلة أصلاً. لأن الاعتراف بـ 20 % من وجود الضحية و20 % من الحقوق هو انكار لوجود الضحية وروايتها وكل حقوقها... !