نعيش وسط معمعة وقرقعة وخبيط ولبيط تجعلنا في حالة من الهذيان لا شبيه لها في تاريخ قضيتنا المعاصر. لم تمر القضية الفلسطينية من قبل بمثل هذا الوضع، ولست هنا أكرر جزافا تلك المقولة الصماء التي نرددها دوما "منعطف خطر ومرحلة صعبة" بل هي اليوم تحمل دلالاتها ومضامينها عن جدارة.
هناك خمسة مشاهد تبدو منفصلة عن بعضها البعض، ويطيب للبعض عدم الربط بينها بل وحتى اتهام القائلين بترابطها مسكونون بذهنية المؤامرة وأسرى الفهم الخشبي والنمطي.
ولكن، قبل أن يقوم أيا كان بجمع هذه المشاهد ومحاولة اكتشاف الروابط بينها، فإن من يجمعها قصرا ومن دون إذن احد هو الواقع وبكل أبعاده، المكان والزمان والموضوع واللاعبين على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، كما النتائج التي تصفعنا كل يوم بجديدها فنصحو من غيبوبتنا عاجزين عن التأثير على ما أصبح واقعا عنيدا.
في المشهد الأول: نرى حالة التفكك العام في المؤسسة الرسمية العربية وفي وضع غير مسبوق لدرجة أن يجري تنسيقا بين بعض الدول العربية والعدو الصهيوني ضد دولا عربية أخرى، وبالتالي تراجع مكانة القضية الفلسطينية كأولوية في الاهتمام وفي الحسابات وفي مقاربات العدو والصديق.
وفي المشهد الثاني: مفاوضات فلسطينية إسرئيلية برعاية وضغط أمريكي تريد أن تحسم جملة من الأمور المصيرية التي لم تحسم في وقت وظروف سابقة كان فيه الوضع العربي والفلسطيني أقل سوءاً.
وفي المشهد الثالث: انقسام فلسطيني يترسخ ويتعمق ويصبح واقعا عنيدا وتصير الهوة بين الأخوة واد سحيق بين جبلين.
المشهد الرابع: الحرب السياسية الإعلامية المذهبية التي تشن على المقاومة في لبنان للنيل من دورها في مواجهة العدو الصهيوني في أي حرب مقبلة، وتغيير وجهة المواجهة لتصبح هي العدو و تجري محاولات استقطاب الفلسطينيين في التجييش المذهبي لإغراقهم في أتون هذه الفتنة وانتزاعهم من هويتهم الوطنية إلى هوية مذهبية ستكون ضد حقوقهم ومصالحهم وضد لبنان ومصلحة أهله وسلمه وأمنه واستقراره.
وفي المشهد الخامس: الحرب التي تشن على سوريا وتأتي على تدمير الحجر والبشر، الدولة ومؤسساتها وهيبتها وقدراتها ودورها الاستراتيجي المهم في المنطقة وفي القضية الفلسطيبنية، وإحدى نتائجها تراجع الدور السوري في ملف القضية الفلسطينية وتحديدا ما رست عليه في بداية التسعينات حين تمسكت سوريا بورقة اللاجئين في سوريا ولبنان باعتبار أن مليون فلسطيني في لبنان وسوريا هم حقيقة العقدة في هذه القضية الجوهرية، فلن يكون البحث في قضية اللاجئين في الأردن في أروبا، واللاجئون في أمريكا وفي أي دولة عربية صعبا او معقدا، ما يشكله هذا المليون فلسطيني في لبنان وسوريا هو بيت القصيد في قضية حق العودة.
حين أصاب سوريا ما أصابها وتراجع دورها عموما، وضعفت قبضتها في الإمساك على هذه الورقة، فإن فلسطينيي سوريا ولبنان حاليا في مهب الريح.
ومن يدري، ألن تكون هذه القضية من ضمن القضايا المطروحة في صفقات جنيف الخفية أو الضمنية؟ حتى ولو لم تطرح مباشرة على الطاولة، مع أن النظام لو أراد بصفقات على حساب المقاومة أو القضية الفلسطينية قبل ذلك، ووخفف عن كاهلة جزءا ليس قليلا من التحامل الدولي والأمريكي عليه، وعلى ذلك فإن جنيف اذا ما تيسرت أموره كما أرادوا له أن يكون حلا حقيقيا فإنه لن يقفز عن هذه القضية المحورية بالنسبة لأمريكي في المنطقة. إلا أن التداعتيات التي تجري في الواقع في مختلف دول المنطقة، وتحديدا في الأردن الذي يعمل على سن جملة من القوانين تسهل استيعاب الفلسطينيين، وسوريا التي يواجه الفلسطينيون فيها أوضاعا إنسانية صعبة تجعلهم فريسة التهجير الجاري على قدم وساق، أما في لبنان فإن الأوضاع الأمنية المتلاحقة وحرب التجييش المذهبي الأعمى يعرض هويتهم لخطر جدي حين يصبحون فريسة لاستقطاب مذهبي، بالإضافة إلى تاريخ من الحرمان هو تربة صالحة لخلق بيئة التطرف المذهبي.
إن الدور الذي تقوم به منظمة التحرير الفلسطينية وبقية الفصائل هو دور إنساني، وليس دوراً سياسياً يريد أن يمسك بقضية اللاجئين بشكل جدي، اي باعتباره قضية سياسية وطنية تشكل جوهر القضية الفلسطينية كما درجنا على توصيفها. هل الاهتمام الفلسطيني من الجهات كلها يوازي ما نطلقه من توصيفات لهذه القضية؟ يجاب عن هذا السؤال بـ"لا" كبيرة. فكل ما يجري يبين بوضوح تجاهلا مقصودا من قبل البعض، وعجزا تاما من قبل البعض الآخر، وهم إما لا يريدون أم إنهم لم يدركوا أصول اللعبة التي لو أفهموا قواعدها لاستطاعوا تحسين مواقعهم والحفاظ على دورهم كرقم في معادلة الشرق الأوسط، أم إنهم سيكتشفون متأخرين أن الخروج من المعادلة القائمة هو الخروج بكفي حنين صفر اليدين. لا مقاومة يمكن أن تكون في المناطق الفلسطينية منعزلة عن عمقا لها في المنطقة، ولا مفاوضات يمكن خوضها من دون أوراق قوية لاسيما ورقة اللاجئين التي تعني حضورا ديمغرافيا على رقعة وازنة في جغرافية المنطقة والعالم، وأيضا هي منع سحب البساط من تحت أقدامنا حين يصير التوطين تداعيات موضوعية لما يجري في المنطقة لا تحتاج إلى إذن أو موافقة المرجعية الفلسطينية.
فلسطينيو سوريا ولبنان اليوم هم في قبضة المجهول، والبحث عن الحلول الفردية التي تصبح حكما ومن دون أن يدروا على حساب المصلحة الوطنية الكبيرة، وسيتسربوا كما الماء من شقوق الجدار إلى المهاجر البعيدة بحثا عن ملاذٍ آمنٍ وكرامة غائبة في بلاد العرب أوطاني.