يفيض ابراهام بورغ على القارئ بكم هائل من من الأفكار، يلقيها دفعة واحدة من خلال كتابه "لننتصر على هتلر"، تجعل القارئ في حالة من الحيرة والإرباك. يدور بين الأفكار حينا وبين الأسئلة التي تحاصره من كل صوب أحيانا. ثمة من يحاول النفاذ إلى القارئ بسلاسة وحنكة، فيصدمك بأفكاره التي تختزن قدرة ليست عادية في الإقناع وتقديم الحجج والمنطق، ولكنها لا تخلو من الدهاء والخداع والتحايل، ليتمكن من توظيفها في خدمة ما يريد. مع كل ذلك فإن جرأته كبيرة، وكبيرة جدا بأن ان يقدم بهذه القوة والصراحة لتجاوز هرتزل وصهيونيته، ويريد أن يكون شخصا آخرا في دولة أخرى، ولكنها ليست موجودة حتى الآن، فهو يحاول صناعتها، اختراعها بمواصفات جديدة يتخيلها أو يتمناها، يقول بورغ :" المحرقة والمذابح التي اقترفوها بحقنا كانت جزءا لا يتجزأ من الحاضر الإسرائيلي النشط" إذا لابد من تغيير الحاضر الإسرائيلي كي يكون لإسرائيل مستقبل آخر يتمناه ويسعى له، ولكن السؤال الكبير الذي يتوارد إلى الذهن هو: هل يمكن أن توجد المتناقضات في اللحظة نفسها؟ هل من الممكن أن تمطر وتصحو في الوقت ذاته؟! هل يمكن أن يولد الخير من رحم الشر؟! أو العكس.
هذه الأسئلة وغيرها ستستفز تفكير القارئ وهو يقرأ كتاب ابراهام برغ. سألت مرارا: هل هو يسخر منا ؟ أم يسخر من نفسه؟ أم أنه يحاول جاهدا أن يجد مناطق وسط في معادلات مستحيلة. لا يستطيع أن يقول الحقيقة كاملة لأنها أقسى مما يستطيع أن يتحمل، لكن الحقيقة لا تتجزأ، إما ان تقال كاملة وكما هي من أولها إلى آخرها، أو ما تحاول قوله ليست الحقيقة، فإذا أردت ان تكون صادقا فأنت لست موجوداً على هذه الارض! لكنني لا اريد أن أغادر، إذا قل نصف الحقيقة كي تبقى هنا. الحقيقة الكاملة تتطلب موضوعية جدية، فهل بإمكان بورغ ان لا يكون طرفا؟ فإذا كان يستطيع، عليه أن يغادر أولا ثم فليقل ما لديه.
الالتباس يحاصر الكاتب والكتاب لدرجة أنه قد يطال القارئ، فيقع فريسة ما ينضح به الكتاب من أطروحات تقول عكس ما تنوي من البداية وحتى النهاية، فمن العنوان الذي تبدل بين " انتصر هتلر" إلى " لننتصر على هتلر" يقول بورغ: " إن الصدمة النفسية التي أحدثتها المحرقة بدت في نظري كأنها مرض عضال يستحيل معالجته"، ثم يتابع القول: "لكن بصورة عجيبة، أخذت الأمور أبعادا جديدة خلال الكتابة، وتولد لدي تفاؤل حذر من خلال الرماد والدخان. ومثلما هو متبع في التراث اليهودي، حيث يغيرون اسم المريض أملا بشفائه، فقد غيرت اسم الكتاب". لقد حفزه الرجاء والأمل في أن غير اسم الكتاب، وصار دعوة للانتصار على هتلر، فهل هزيمة هتلر هي حقيقة دعوة لتجاوز الصهيونية بالكامل كما يبدو في الكتاب، أم كما علق بعض النقاد على الكتاب بأن ابراهام بورغ في هذا الكتاب قد أحرق آخر ورقة مع الصهيونية. هل تكفي رغبته القوية في تغيير الحاضر "الإسرائيلي" بل وتحريره من أثقال الماضي المرير، من مذابح ومحارق .. للتعبير عن ان هذه الرغبة تعني التخلص من الصهيونية كمشروع؟ ان اهم تعبيرات هذا المشروع "إسرائيل الدولة". فهل هو ينوي حرق هذه الورقة أيضا؟!
صحيح أن بورغ يرفض الموافقة على أن ما واجهه اليهود في تاريخهم السابق في المحرقة والمذابح سيتكرر، بقوله إن العالم قد تغير" إن قسماً كبيراً من أمم العالم أقسموا قبل ستين سنة أن ذلك " لن يحدث بعد الآن".
لكن هل يعني ذلك بالضرورة تجاوزا للصهيونية؟ بصيغة اخرى، هل فقدت الصهيونية وظيفتها؟، أم هو في الحقيقة يمهد البيئة اللازمة التي تقنع الجميع بإستحقاق حان وقته، تجديد صلاحية ومشروعية هذا المشروع وإعادة صياغة حججه وممبرراته في زمن فقد خطابه القدرة على الاقناع. إنها دعوة لتجديد روح الصهيونية ضمانا لاستمرارية منجزاتها ولا سيما تجديد قدرة مولودها على البقاء أقوى. علينا ان ننتبه للفرق ما بين الصهيونية كمشروع والصهيونية كأيديولوجية. جوهر المشروع الصهيوني هو اقام الكيان القومي لليهود، اما الايديولوجيا فهي مسوغاته وادعاءاته وتوظيفه للاسطورة والخرافة وبعض النصوص التوراتية، وخطاب تمت صياغته ارتباطا بالمحرقة والمذابح وكل ما عاشه اليهود من كراهية خلال تجربتهم الماضية. لم يتطرق بورغ في صفحات كتابه كلها بنقد إسرائيل الدولة الكيان الذي تأسس 1948، بل ركز على سياساتها وخطب قاداتها وسلوكهم وتصريحاتهم، وهذا يعزى إلى الايديولوجية الصهيونية أكثر مما يطال إسرائيل الكيان وشرعية الوجود. والنقطة الوحيدة التي أشار إليها مباشرة هي موضوع اللاجئين، فيدعو إلى الاعتذار منهم وحل مشكلتهم ولكن من دون حق العودة، وما يستحقه هؤلاء هو فقط الاعتراف بقوله:"نحن ملزمون الوقوف في أعلى قمة الجبل، وأن نعلن بأعلى صوتنا وبقوة: نعم إن حل قضية لاجئي المحرقة تسبب بصورة مباشرة في نشوب قضية اللاجئين الفلسطينيين، وبالإمكان بعد ذلك طرح الذرائع والمبررات" وكأنه كان سيكمل، وكفى الله المؤمنين شر القتال، ويتشدد في انتقاد احتلال الأراضي الفلسطينية 1967 وبهذا الصدد ويؤيد رأي يشعياهو ليبوفيتش بنبوأته "إن شمل مليون ونصف مليون عربي في تخوم الحكم اليهودي يعني تقويض الجوهر الإنساني واليهودي للدولة وتدمير المبنى الاجتماعي – الإشتراكي الذي أنشأناه فيها ...الخ" . يبدو بالنسبة لبورغ أنه ثمة حاجة كبيرة وربما إلهية لوجود "دولة إسرائيل من دون احتلال مناطق 1967" طبعا. فرض عليه ذلك أن يتغاضى عن آثام نشأتها على جثث شعب آخر فنراه يشيح بوجهه عما ارتكب من فظائع أو على الأقل نسمع نبرة صوته مخففة في تناول شرعية وجودها أو بقائها، بل يتعامل مع شرعية هذا البقاء باعتباره أمرا مسلما به وليس واردا النقاش فيه أصلا ، على الرغم من إنسانيته الملفته ونبرته القاسية في وجه الخطاب العنصري اليهودي وقوله بلغة حاسمة إنه حان الوقت لإعادة فحص وتشكيل هويته وانتمائه، ورسم التخوم بين معسكرين على أساس قيمي أخلاقي إنساني، بل ويذهب بورغ إلى أبعد من ذلك فيستعرض علاقة اليهود كجزء من "الكينونة الأمريكية" حسب قوله، وعلاقة الشقيقتين "إسرائيل والولايات المتحدة" فإنه يطال بنقده الانسانوي الولايات المتحدة وسلوك اليهود فيها. يبدو أنه يطبق ما سبق وقاله عن إن الوظيفة الجديدة لإسرائيل الجديدة و" للقوة اليهودية العظمى" لا تستثني مساءلة القوة العظمى عن بعض زلاتها غير الأخلاقية مشبها هذه المساءلة "بمساءلة ابراهيم للرب في سدوم".
إن بورغ يفصل بين "إسرائيل" الدولة والخطاب الصهيوني التي تقمصته إسرائيل منذ نشأتها، والذي صار خارج التاريخ، وقد ينجح إلى حد ما في ترويض ذهنية القارئ، بأن إسرائيل يمكن أن تكون من دون هذا الخطاب الذي "يمثل الموتى أكثر مما يمثل الأحياء" على حد تعبيره ولكن كيف يمكن الفصل بين إسرائيل الدولة والمشروع الصهيوني؟!. طالما ميزنا بين اليهودية والصهيونية برأنا الأولى وجرمنا الثانية، والكثيرون في العالم رأوا ذلك، وحتى الأمم المتحدة كانت قد حاولت الفصل بين إسرائيل والصهيونية، فاعترفت "بإسرايئل" واعتبرت الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية لم يدم ذلك طويلا فأعيد الوليد للوالدة، لكن الكاتب وبقساوة نقده للأيدلوجية الصهيونية ورأفته في تناول نشأة وشرعية وجود إسرائيل الدولة وكأنه يحاول مجددا التمييز بين الصهيونية وإسرائيل. هل يصح ذلك؟ هل يمكن ان تكون اسرائيل غير صهيونية؟ اذا كان هذا مقصد بورغ فعلا، ماذا يقصد بورغ في تعبير "اليهودية الجديدة" إذا؟
ما يبشر به بورغ هو صياغة جديدة للأيديولوجية الصهيونية، وقد يصح وصف ما يقوم به هو "الصهيونية الجديدة" وخصوصا أنه يوكل لليهودية الجديدة وأداتها "دولة إسرائيل" دورا ويسند لها مهمة على نطاق سياسي وعالمي فلا يعود ينطبق على هذه اليهودية صفة الدين، إلا اذا كان يريد لدولة إسرائيل أن تصير دولة بأبوية تشبة الكنيسة االكاثوليكية في روما. إن "اليهودية الجديدة وإسرائيل الجديدة" في فكرة بورغ هي صهيونية جديدة، وإلا ماذا يقصد حين يتحدث عن "اليهودية العالمية العظمى"؟ فما هو المشروع الصهيوني إن لم يكن إسرائيل وذلك التشابك والتكامل بينها وبين المشروع الاستعماري الإمبريالي العالمي في المنطقة؟
إن ابراهام بورغ يريد أن يؤسس لصهيونية جديدة، متخلصة من عقد اليهود التاريخية، والتي تأدلجت إن صح التعبير مع ولادة الصهيونية فولدت منظومة تفكير وسلوك أو حتى طريقة حياة عززتها الدولة الوليدة لاحقا التي نشأت بفضلها وعلى زخمها ونالت الاعتراف بها، فمأسستها وحولتها إلى سياسات في كل المجالات الداخلية، لبناء الدولة العتيدة وترسيخها لاستيعاب المهاجرين وخلق الهوية الجديدة. ولا سيما في نيل التعاطف والتأييد والدعم السياسي والاقتصادي والعسكري، ووظفتها أفضل توظيف في الصراع مع الفلسطينيين والعرب، اليهودي المنبوذ، ستصير اليهودي الذي يكره الآخرين متسلح بخوف الآخرين من الاستمرار في كرهه "اللاسامية" ، أما اليهودي الخائف المطارد والمقتول، سيصير اليهودي الذي يقتل متسلحا بخوفه من القتل ومن خوف الآخرين من الاستمرار في قتله. يقول بورغ:" إن مقولاتنا هذه بدأت تثير الضحك، لم تعد مقبولة عند الآخرين، لم يعد الهولوكست محتملا أو متوقعا، لقد صار مثارا للسخرية. لم نعد نستطيع أن نقتل ولا نعاقب أحدا، لأن خوفنا لم يعد يصدق، وكأنه يقول صار لزاما علينا أن نجدد صلاحية ذرائعنا ومبررات وجودنا، وأن نغير أسلحتنا بأخرى أكثر جدوى، أسلحلة مشابة للسابقة من حيث إانها تتمتع بوقع معنوي تعزز فكرة التفوق والسيادة وتمنحنا القوة ولكنها تتمتع بصلاحية مناسبة مع العصر ومعطياته الجديدة، لقد استطعنا سابقا أن نكون "الضحية المطلقة" في مقابل الشر المطلق "هتلر ". إن هوية الضحية المطلقة سلبية مطلقة ينبغي أن نحولها إلى إيجابية مطلقة، إنه يدعو إلى يهودي جديد يكون نبيا جديدا للإنسانية يمثل قيمها الأخلاقية، وهذا يتطلب فكفكة البنية الأيديولوجية التي قامت عليها الصهيونية، وهذا يستوجب تتبع كل مقولاتنا ومكونات ثقافتنا وصولا إلى منابعها التي غذت الخطاب الصهيوني ومقولاته الأولى لتوظيفها في إعادة بناء بنية أيديولوجية جديدة لتبرير مشروعية هذا المشروع لمرحلة زمنية قادمة. فيغوص بورغ عميقا في المحرقة فيقلب صفحاتها وينبش قصصها وروايتها، يروي بعض حكايات أبطالها والناجين منها ثم يحلل رمزياتها ويسلط الضوء على مدى تأثيرها على الوعي اليهودي الفردي والمؤسساتي للدولة وسياساتها وصناع القرار فيها في خطبهم وتصريحاتهم وفي سلوكياتهم، يلتقط كل كبيرة وصغيرة ويناقش قضية محاكمة " ايخمان " ثم يورد استطلاع للرأي بين طلاب موضوع التربية في إحدى كليات معهد المعلمين في تل أبيب حول ما هي أهم تجربة في تاريخ اليهود، وتكون النتيجة المذهلة على حد تعبير بورغ هي أكثر من تسعين بالمائة قالوا المحرقة، فيقول " إن المحرقة حاضرة في حياتنا أكثر من الله".
ماذا يريد بورغ بالضبط ؟ هل يريد أن ينسى اليهود المحرقة وتجربتها، هل يريد يهودي متحرر تماما من هذا العبء الذي بات يتحكم بكل حياة اليهود وعلاقاتهم الداخلية والخارجية؟ بالتأكيد لا، قلق بورغ على انتهاء صلاحية الدعوة الصهيونية، إنه يطرح وظيفة جديدة لإسرائيل كدولة من منقذة لليهود، في مقولة "العالم ضدنا والعالم يكرهنا " إلى منقذة للعالم بأسره، إنه يتطلع إلى إعادة توظيف المحرقة بطريقة مختلفة أكثر إنسانية وأن تكون عاملا للانفتاح على شعوب العالم تجعل من اليهودي بتجربته الهلوكوستية داعيا للسلام والمحبة ومناهضا للعنف كي لا تتكرر مثل هذه الجرائم ضد الإنسانية مرة أخرى، بالاستناد إلى فحوى كلام بورغ. فيقول: "نحن الإسرائيليون اليهود، نواة اليهودية العالمية العظمى، ملزمون بالتصرف كقوة عظمى أخلاقيا من دون مساومات ومن دون تخفيضات أعدائها. لا ينبغي التهرب من التحديات التي تواجه سياسة خارجية يهودية. يجوز لنا إعلان حرب أخلاقية على الصين، مسموح لنا مقاومة أندونيسيا على قضايا تيمور، بل حتى مناقشة الولايات المتحدة على منوال مساءلة ابراهيم للرب في قضية سدوم". هي دعوة وصريحة لنبي جديد قام باعترافاته عن للآثام التي ارتكبها، وهي طبعا لا توازي قشة في بحر العذاب اليهودي، لكنها طقوس ضرورية لكي يتسلم رسالته التبشيرية الجديدة كقوة أخلاقية عظمى.
لا يمكن للقارئ الموضوعي إلا أن ينصف ابراهام بورغ بغزارة أفكارة وسلاسة أطروحاته وبنبرته الإنسانية العميقة التي تغطي كل شيء بثقافته الموسوعية الممتدة على مساحة التاريخ اليهودي، فهو شخص يفكر خارج الصندوق ويفاجئك دوما فلا يسمح لك أن تتنبأ الفكرة التالية، فهو لم يترك ميدانا إلا واقتحمه وخاض قتالا شرسا سيقر له العدو قبل الصديق بشجاعته وجرأته المميزة بالتعبير عن أفكاره التي تطرق بقوة مرحلة جديدة في نقاش عميق لإعادة صياغة مبررات ومشروعية البقاء لدولة اليهود العظمى.