منذ أكثر من عقدين من الزمن، والحديث يدور عن "دولة فلسطينية" من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بحزبيها الديمقراطي والجمهوري، مالكي البيت الأبيض، بصيغة التداول، إضافة الى عدد من الدول الأوروبية، حيث تعود وألف رؤساء الإدارة في هذه الفترة التباري حول من كان له الأسبقية في طرح هذه الرؤية، "حل الدولتين" وبالذات عند جولاتهم في المنطقة العربية، لكن لا أحد منهم وتحديدا "كلنتون وبوش الإبن " قد تكلم عن الدولة الفلسطينية بشكل محدد أو مفيد أو يتقاطع مع الرؤية الوطنية، بل كان طرحها يتساوق تماما مع الرؤية الإسرائيلية، اي "سمّوها كما شئتم" لكن ليس لها علاقة عملية بالدولة، لقد أصبح عنوان "الدولة" بدون مضمون هو الطريق الرئيسي لمحاولة ترويض العقل الفلسطيني، ومن ثم استدراجه لإنتزاع التنازلات، هكذا أصبحت وظيفة مسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية برعاية أمريكية، إن التعامل الأمريكي الممنهج مع هذا العنوان أشبه بالنسبة للفلسطينيين بطبخة الحصى، تلك القصة التي حصلت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وهو الذي اكتشف في إحدى دورياته التفقدية لرعيته تلك المرأة الأعرابية أم الأيتام، التي تقوم بطبخ الحصى لأبنائها، لأنها لا تملك ما تطعمهم، وحتى تصبرهم وتشغلهم عن جوعهم كانت تلجئ الى تحريك قدر الحصى وهو فوق النار، وتؤشر لصغارها عن قرب نضج الطبخة، حتى يأخذ النوم أولادها، وهم على أمل الحصول على الطعام، وبطبيعة الحال لن يحصل ذلك.. الى آخر قصة الأعرابة المعروفة في التراث الإسلامي العربي. قد مر أكثر من عقدين وطبخ حصى الدولة الفلسطينية لدى الإدارة الأمريكية لازال مستمرا " مع الفرق بين هدف الأعرابية وهدف الإدارة"، لكن حطب موقدة هذه الطبخة كان ولايزال هو الحقوق الوطنية الفلسطينية، ويبدو أن مشروع إتفاق الإطار أو ورقة المبادئ، الذي يروج له جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في جولاته المكوكية في منطقتنا والتي لم تتوقف إلا بسبب متابعته للمخطط الأمريكي في حلقته السورية، حيث يتواجد في جنيف وسط الجولة الاولى والثانية من المفاوضات السورية مع "المعارضة" أو مع الواجهة السورية للمخطط الأمريكي لتدمير الدولة السورية ومحاولة نقلها الى مربعهم السياسي.. إن مشروع اتفاق الإطار هو آخر حلقة في المخطط الأمريكي المتواصل لتصفية القضية الوطنية التحررية لشعب فلسطين، وهذه الحلقة تعتمد أساسا على "السلام الاقتصادي"، ويبدو أن بعض المشاريع التي بدأت تطل على المنطقة ليست ببعيدة عنه، مثل بداية التداول في مشروع "ناقل البحرين" أو القناة الواصلة بين البحر الأحمر والبحر الميت، وبناء أنبوب الغاز الطبيعي من البحر الأبيض المتوسط الى محطة الغاز في مدينة جنين، من خلال البحر الميت إلى الأردن، ضمن ذلك، يتواصل الحديث للترويج: لبناء مطار وسكك حديدية، ومناطق اقتصادية حدودية مشتركة بين إسرائيل، الأردن، والسلطة الفلسطينة..الخ.
يخطئ من يعتقد أن الإدارة الأمريكية ومن يدور في فلك مشاريعها حريصة على الحياة الاقتصادية للمواطن الفلسطيني والعربي، أو أن ذلك حبّا لعيون السلطة هنا أو هناك، إنهم يريدون سلام اقتصادي يؤدي إلى تفكيك عناصر القضية الفلسطينية، وحل المعضلة الإستراتيجية لتواجد المشروع الصهيوني الإستعماري، هكذا يحاولون مقايضة حق العودة بتلك الأفكار التي طرحها الرئيس كلنتون في أواخر أيامه بالبيت الأبيض ديسمبر 2001 على كبير المفاوضين الفلسطينيين، وهي ذاتها التي تضمنها مشروع كيري وتشمل: التوطين، إعادة التأهيل، التهجير، التعويض، ثم العودة لبضعة آلاف إلى اسرائيل ووفق القرارات والقوانين الإسرائيلية، "وبهذا نكون قد طبقنا القرار الأممي رقم 194" إنها أخر الكلمات التي اختتم بها الرئيس كلنتون حديثه عن مشروعهم لإنهاء حق العودة أي لتصفتيه، لقد بدأت بعض الفئات القليلة في المنطقة والجاهزة للتعامل مع القرارات الأمريكية، بالكلام عن توزيع الحصص من تلك المليارات التي قد يحملها كيري في جعبته، فهؤلاء الاستعماريين وتوابعهم لم يتعلموا من تاريخ الشعوب المناضلة بأن الأوطان أكبر من تفكيرهم وأكبر من مشاريعهم وأكبر من صناديقهم الدولية، ضمن ذات النسق يحاول اتفاق الإطار إنهاء قضية القدس استنادا لوجهة النظر الإسرائيلية، والإستيطان يبقى تحت السيادة الإسرائيلية وصولا إلى ضم منطقة الغور أو الجانب الفلسطيني من نهر الأردن بما يعني بناء المزيد من المستوطنات ومصادرة المزيد من الأراضي الزراعية..الخ إنها "حدود الوطن القومي لليهود المؤقتة ".
بل إن بعض القادة الصهاينة أعادوا إنتاج أطروحات قديمة مثل: أن لا مجال بالبتة لإقامة دولة فلسطينية بين النهر والبحر، وهو أمر يذكرنا بالاتفاق السرّي بين الأطراف التي تشكلت منها اللجنة التي صاغت مشروع التقسيم ورفعته للأمم المتحدة، والذي أقر في 29/11/1947 ، وهي بريطانيا الدولة المنتدبة، أمريكا، الوكالة اليهودية التي كانت بمثابة الحكومة للحركة الصهيونية، مع وجود شكلي للطرف العربي، ونص ذلك الاتفاق على: أن لا وجود لدولة فلسطينية عربية بين النهر والبحر المتوسط وإذا كان ذلك، تكون كامل أراض فلسطين التاريخية للدولة الصهيونية.
ومن زاوية أخرى هناك اتجاه رسمي إسرائيلي يعترض على عدد من بنود مشروع إتفاق الإطار، وهو أمر له علاقة بالأسباب التكتيكية وكذلك أن تكون كافة النقاط متطابقة مع وجهة نظرهم، إنهم حقيقة لا يريدون في أغلبيتهم الساحقة رؤية أي فلسطين ليس فقط في أراضي 48 بل ايضا في الضفة الغربية وغزة، مع ملاحظة أن الطرح الأمريكي الأوربي الإسرائيلي حول الدولة الفلسطينية أو الكيان أو دولة الحكم الذاتي المعدل، يبدأ وينتهي على جزء من 22% من أراضي فلسطين التاريخية، والموضوع الآخر اللافت في مشروع كيري هو تبني الإدارة الأمريكية بالكامل لمطلب يهودية الدولة ومحاولة فرضه على الوضعين الفلسطيني والعربي، هنا يتجلى استثمار الثنائي الأمريكي الإسرائيلي حالة الضعف لكلا الوضعين.
إن الإصرار على مطلب يهودية الدولة والدفع به الى مقدمة القضايا في المفاوضات الجارية، وإعتبار تحقيقه شرطا أساسيا من أجل التوصل إلى إتفاق، لأن ذلك يعني بالنسبة لدولة الإحتلال "إنجاز" مجموعة من الأهداف، فأولا يتم الإقرار بشرعية الاحتلال وقانونية خطواته بالتالي فإن أية "مساحة" يأخذها الفلسطينيين لإقامة كيانهم تعتبر "تنازل" من قبل الصهاينة بالتالي أصبحت معادلة الصراع تقف على رأسها، ثانيا: في حالة نجاحهم بفرض هذا المطلب بإمكانهم ممارسة التطهير العرقي والديني بعد أن أبعدوا مخاطر التنامي الديمغرافي الفلسطيني العربي أصحاب الأرض الحقيقيين. وثالثا: التخلص من فكرة الدولة ثنائية القومية وتداعياتها المفترضة، وكما يبدو فإن إدارة أوباما تبذل جهودا في الإطار العربي من أجل ضمان الموافقة على يهودية الدولة، وهذا ما يفسر الزيارات المتكررة لوزير خارجيتها لعدد من العواصم العربية المهمة وأولها الرياض، ومن ثم استعمال العامل العربي للضغط على القيادة الفلسطينية أو توفير المظلة العربية لها في حالة نجاح الضغوطات الأمريكية والأوروبية المتعددة وهو أمر ليس بتلك البساطة.
إن الاحتلال الاستعماري الإجلائي يعتمد أساسا على القوة لفرض أهدافه ومشاريعه: وفي إطار مناخها تكون المفاوضات وسيلة لتوفير الغطاء السياسي وترسيمها، تحت هذا الستار نراه يستمر في التوسع الاستيطاني على أراضي الضفة، وتهويد القدس وضم أراضي الغور، بعد ذلك ما قيمة تصريحات الإدانة والاستنكار التي تصدر عن المفاوض الفلسطيني أو عن جامعة الدول العربية. في هذا السياق فلنأخذ المقاربة التالية: وفق ما ورد في موقع صحيفة "يديعوت احرنوت" الإسرائيلية، قد أكد نتنياهو على "إن وجود دولته وبقائها مرتبط بجيش قوي سوف يوفر الشروط والظروف التي تمكنهم من الحفاظ على التفوق". صدر ذلك ضمن لقائه مع وزير جيشه ورئيس أركانه وعدد من ضباط وهيئة أركانه مع نهاية شهر يناير الماضي، وكان هدف اللقاء هو البحث فيما أسموه "خطة الجيش التطويرية بعيدة المدى"، وليس بعيدا عن هذا المضمون كانت تدور المداخلات المسجلة في "مؤتمر معهد الأمن القومي" الصهيوني الذي عقد في تل أبيب يوم 28/1/2014 ، إضافة إلى التشديد على رفض الانسحاب من أراضي الضفة الغربية، والتركيز على السلام الاقتصادي، في الجهة المقابلة: نلاحظ أن "لغة" السلام هي السائدة فقط لدى القادة الفلسطينيين، إنها بالتأكيد لغة ضعف شديدة بالمقارنة مع واقع الاحتلال ومخططاته، إنها اللغة المجردة من عوامل القوة، ولأن ذلك هو القاعدة التي تنطلق منه "المبادرات الفلسطينية" فإنها أيضا تذهب أدراج الرياح، ولم تشفع لها تلك المبالغة في تقديم الإغراءات أو التنازلات للآخر. في لقاء مع الرئيس الفلسطيني مع صحيفة "يديعوت أحرنوت" يوم 27/1/2014 ، أشار إلى المبادرة تناولت العناوين التالية: 1-دولة فلسطينية تعيش إلى جانب إسرائيل وحدود هذه الدولة تكون تحت السيادة الفلسطينية الكاملة. 2-عاصمتها القدس الشرقية مع فتح هذه المدينة للجميع في إطار ترتيبات معينة. 3- حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفقا للمبادرة العربية، حلا عادلا ومتفق عليه وعلى أساس القرار 194. " داعيا إسرائيل لاستغلال الفرصة الراهنة للسلام والتي لن تتكرر بتوقيع 57 دولة عربية وإسلامية اتفاقية سلام معها".
على أهمية ما يقال أو يصدر هنا وهناك، يكون الأهم هو ماذا يتبقى من هذه المبادرة وغيرها بعد الفلتر الإسرائيلي الأمريكي وهو ما تقوله التجربة، بالتالي يتوجب التنبيه من عدم التبرع المجاني بفتح ممرات لتنازلات جديدة، ألا يكفي أكثر من عقدين وشعب فلسطين يوجه نحو انتظار شيء من طبخة الحصى التي تديرها الإدارة الأمريكية.
إن الوضع الفلسطيني بإحتياج إلى إعادة مراجعة شاملة: أولا: لخيار المفاوضات من كافة جوانبه والعوامل المحيطة به، عوامل ضعفه، ماذا أفرزت تجربة العشرين سنة من المفاوضات ..الخ لأن هذا الخيار بتلك العوامل قد وضع الحد الأدنى من الحقوق في طريق مسدود وخطير، وأمام المعطيات التي أمام القيادة الفلسطينية وشعبها لا مجال إلا اتخاذ موقف الرفض من مشروع إتفاق الإطار لأنه لا يقدم شيئا بل يأخذ ما تبقى.
ثانيا: الاستدارة الجادة نحو الوضع الداخلي، الانقسام وآثاره، العلاقات الوطنية السائدة، وضع المؤسسات بالداخل والخارج، والمؤسسات، من حيث التركيبة ومقياسها، وبرامج عملها ومستوى وطبيعة الأداء. نريد أن نكون أمام مؤسسات وسفارات منتجة وطنيا لها دور في إسناد صمود شعبها بالمعنى الملموس وليس حبرا على ورق التقارير المنمقة، هذه السفارات والمؤسسات ملك لشعب فلسطين بكافة قواه وتياراته، وهو أمر يتضارب مع واقعها الراهن إلى حد بعيد.
* ممثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في جمهورية الجزائر الديمقراطية