عن الأهلي والرياضة ... بل عن مصر والسياسة

حجم الخط
وقفت مصر المستنزفة والمضطربة على رجل واحدة عندما أصدر وزير الرياضة طاهر أبو زيد قراراً بحل مجلس إدارة النادي الأهلي وتعيين مجلس جديد لإدارة النادي بشكل مؤقت، حتى إجراء الانتخابات علماً أن الوزير نفسه كان قرر تمديد مهلة المجلس الحالي للقيام بنفس المهمة. رئيس مجلس الوزراء قرر على الفور تجميد قرار الوزير لدراسته من مختلف الزوايا، بينما بات القرار الآن في زوايا النسيان سواء تم الانصياع لقرار الفيفا بتأجيل انتخابات الأهلي ومختلف الأندية إلى حين التوافق على قانون رياضة جديد يتلاءم مع المعايير والمواثيق الرياضية الدولية، أو إذا تم اعتماد المكابرة والمضي قدماً في إجراء الانتخابات بغض النظر عن موقف الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية. اتخذ قرار حل مجلس إدارة الأهلي المستقر الناجح والإستثنائي بناء على حسابات شخصية وسياسية خاطئة من قبل وزير الرياضة الموتور، الذي أراد تصفية حسابات شخصية، والركوب على موجة الجو الحالي السياسي والإعلامي المشنج والمنفعل لإقصاء مجلس حمدي - الخطيب الذي يتمتع بشعبية واحترام كبيرين ليس فقط داخل الأهلي، وإنما داخل الوسط الرياضي والجماهيري بشكل عام. في بداية التسعينات من القرن الماضي، أي منذ عقدين تقريباً قرر مجلس إدارة الأهلي آنذاك بقيادة الثلاثي صالح سليم (رحمه الله) وحسن حمدي ومحمود الخطيب الاستغناء عن خدمات أربعة لاعبين كبار بينهم طاهر أبو زيد لتجديد دم الفريق، وتجاوز الكارثة التي أنزلها المرحوم محمود الجوهري بالكرة المصرية والثقافة الرياضية بشكل عام، عندما قرر إلغاء الدوري العام تحت نشوة الوصول إلى كأس العالم في إيطاليا 1990. أبو زيد الذي اعتبر نفسه وعن حق أحد نجوم بل أساطير الأهلي، لم يتقبل القرار واعتبره خاطئاً، وحتى شخصياً، علماً أنني أيضاً لم أستسغ القرار واعتبرته اجتهاد خاطىء من قبل مجلس الإدارة، وأعتقد أن هذا كان أيضاً رأي قطاعات معتبرة من جماهير الأهلي غير أن مجلس الإدارة بقيادة الثلاثي المذكور، ثم ثنائي حمدي الخطيب تجاوز فيما بعد ذلك أكثر من امتحان ديموقراطي بنجاح ساحق ومبهر، ورغم امتعاض البعض أو حتى شريحة واسعة من أعضاء النادي، إلا أنهم صوّتوا لصالح مجلس الإدارة وأعطوه الثقة مرة تلو المرة كونه يقود النادي في الاتجاه الصحيح. أبو زيد أو مارادونا النيل لم ينسى الأمر وعاد منتصف التسعينات بعد تجربة احتراف عربية قصيرة للتنافس على عضوية مجلس الإدارة، وحقق نجاح كبير وتصرف كعضو معارض مسؤول ضمن مجلس سليم - حمدي – الخطيب، ثم دفعه طموحه المشروع للتفكير في المنافسة على رئاسة النادي، غير أنه اصطدم بنجاحات مجلس الإدارة الحالي والاتفاق الجماهيري الواسع حوله، خاصة بعد الإنجازات التاريخية وغير المسبوقة في العقدين الأخيرين، وفهم أبو زيد أنه لا يمكنه المنافسة بشكل ديموقراطي نزيه وشفاف، ففكر في استخدام أدوات غير ديموقراطية للنيل من سمعة المجلس، وإزاحته نهائياً من أمامه، ومن أمام الطامحين والحاسدين الذين استوعبوا أيضاً الحقيقة المرّة القائلة: "إن لا مجال لمنازلة المجلس الحالي في انتخابات ديموقراطية حرّة ونزيهة"، خاصة بعدما عجز د. حسام بدراوي وفي عز سطوة الحزب الوطني ولجنة السياسات سيئة الصيت عن فعل ذلك. في تسويغه للقرار الموتور تجاهل وزير الرياضة عن عمد الجانب الشخصي، وتحدث عن جوانب سياسية وأخلاقية، تزعم قيام مجلس حمدي - الخطيب بأخونة الأهلي ومعاداة ثورة 30 يونيو، إضافة إلى مزاعم أخرى عن تجاوزات مالية وإدارية يدحضها قيامه شخصياً - أي أبو زيد - بالتمديد للمجلس نفسه إلى حين إجراء الانتخابات وفق القانون الأعوج والأعرج الذي صاغه. أما أخونة الأهلي فلا تعدو كونها اتهامات باطلة ومجحفة لأن المجلس عاقب اللاعب الإخواني أحمد عبد الظاهر لرفعه إشارة رابعة بعقوبة تفوق حتى تلك التي أنزلها به اتحاد الكرة المنحاز والمتواطؤ في أحيان كثيرة مع الوزير، إلا أن الحقيقة أن الأهلي بما يمثله من قيم مبادىء وتارخ لا يمكنه أن يبعد أو يقصى الإخوان من لاعبيه وأعضائه، وهو قدم الدليل الساطع والصادم على استحالة إقصاء الإخوان من الرياضة أو المجمتع بشكل عام، وإلا فكيف يمكن تصور النادي العريق بدون رموزه ورعاته وداعميه من تريكة إلى جهينة – اللى صارلها سنوات في ضهر الأهلي – مروراً بهادي خشبة - المدير الرياضي ومحمد عامر مدير قطاع الناشئين ومحمد رمضان وعماد النحاس وزيزو وسيد الحفيظ وشريف عبد الفضيل وأحمد فتحي، علماً أن الغالبية العظمى من لاعبي الفريق الحالي أبطال إفريقيا لعامين متتالين صوتت للمرشحين الإسلاميين مرسى وأبو الفتوح في الدورة الأولى ثم لمرسي في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية الماضية. ببساطة هدم الأهلي نظرية الإقصائيين والمتشنجين عن إمكانية إقصاء الإخوان من الحياة العامة، علماً أنه قدّم أيضاً دليل آخر عن استحالة أخونة الأهلي والبلد ككل كون نسبة معتبرة من أعضاء مجلس الإدارة، وحتى القطاعات الرياضية بشكل عام ليسوا إخوان مسلمين وكعادته كان الأهلي النادي المنفتح على نفسه على أبنائه والآخرين دون إقصاء لأحد أو انطواء تحت جناح أي كان. ثمة سبب سياسي وفكري آخر يفسر الحملة الحالية من وزير الرياضة وأبواق إعلامية أخرى ضد الأهلي ويتمثل بأن النادي مثل تاريخياً النموذج المدني الديموقراطي المنفتح دون تحجر أو انغلاق ومن هذه الناحية يمثل النادي روح ثورة 19، التي كانت ثورة 25 يناير امتدادا لها - وبدرجة أقل 30 حزيران - وهو يمثل سعد زغلول أكثر مما يمثل جمال عبد الناصر، وبالتالي ثمة مشكلة لأي انقلابي أو متعصب من جماعة بالروح بالدم مع الأهلي لبيس فقط، كنادي وإنما أيضاً كأفكار ومبادىء وهذا ما يفسر جزئياً، أيضاً تراجع مستوى النادي بشكل كبير زمن انقلاب 52 وعودته إلى الريادة بشكل كبير مع التجاوز التدريجي لأثار الانقلاب واحتفاظه بروح ثورة 19 على مر التاريخ، حتى عندما انهارت البلد زمن نظام المخلوع حسني مبارك، علماً أن الأهلي السبب الرئيس والمركزي لفوز المنتخب ببطولة إفريقيا لثلاث دورات متتالية. أوقف رئيس الوزراء حازم الببلاوي القرار الخاطىء لوزير الرياضة، ربما لأنه أهلاوي، وربما لأنه فهم أن الأهلي متجذر أكثر وأقوى من نظامي حسني مبارك ومحمد مرسي، وربما لأنه استوعب الأهداف الشخصية والمصالح الضيقة وراء القرار الموتور، وربما لأنه استوعب خلفيات وتداعيات القرار الهائلة محلياً ودولياً وعموماً أكدت القصة كلها، كما قال الآدمي والنزيه حازم أمام أن في مصر قطب رياضي واحد فقط، وأن قصة القطبين ليست سوى وهم كبير، وهذا صحيح ليس فقط في مصر، وإنما في العالم العربي أيضاً، حيث نادي القرن قطب يحلق وحده في مدار بعيداً جداً عن الأقطاب الأخرى التي تحلق في مدارات منخفضة وأقل مستوى وجاذبية. باحث فلسطيني