لقاء الحوار المتمدن مع الرفيق جميل المجدلاوي

حجم الخط
لقاء موقع الحوار المتمدن مع الرفيق جميل المجدلاوي - عضو اللجنة المركزية العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بعنوان "مصالحة أم إدارة للانقسام الفلسطيني" ، فيما يلي أجوبة الرفيق على المداخلات والأسئلة كما وضعها الحوار المتمدن على موقعه : صدفة جعلت من يوم 18 كانون أول – ديسمبر – الذي أشارك فيه للمرة الأولى في هذا الحوار التنويري الهام والمتجدد الذي يجسده ويديره موقع الحوار المتمدن هو اليوم الذي يجتمع فيه مندوبون عن حركتي فتح وحماس في القاهرة، ليتبعهما اجتماع للقوى والفصائل الفلسطينية يعد خلال يومين لاجتماع الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير الفلسطينية بمشاركة مفترضة من حركتي حماس والجهاد الإسلامي، لتشكل هذه الآلية، محاولة لانطلاقة جدية لمصالحة فلسطينية تنهي هذا الانقسام الكارثي الذي لا يزال يلحق بالشعب وبالقضية أفدح الأضرار. والسؤال الذي نواجهه أو على وجه الدقة يجبهنا جميعاً في الساحة الفلسطينية هو عن مدى جدية هذا المسار، وهل نحن في الطريق إلى مصالحة حقيقية أم إدارة أكثر هدوءاً "وتوافقاً" للانقسام تستجيب لمصالح أطرافه؟ هذا ما سأحاول أن أجيب عليه، مع سعيي لأن تثير هذه المحاولة أسئلة أخرى تتناول الوضع الفلسطيني برمته، والمكونات الاجتماعية والتنظيمية والسياسية للأطراف الفاعلة والمؤثرة فيه على وجه الخصوص. الحركة الوطنية الفلسطينية الراهنة: بعد النكبة التي تلت إعلان دولة الكيان الصهيوني في فلسطين 15 أيار – مايو – 1948 والحرب المهزلة التي أدارتها الجيوش العربية لتسويغ الهزيمة وترسيم الكيان الصهيوني وتشتيت الشعب الفلسطيني على طريق احتوائه فيما أصبح يعرف بالمملكة الأردنية الهاشمية وإلحاق قطاع غزة بالإدارة المصرية، فقد عاش الفلسطينيون سنوات من التشرد والجوع والمذلة وفقدان التوازن وإعطاء الجهد الرئيس للحفاظ على الذات والحياة بالمعنى الفردي والشعبي، حاولت فيها بعض النخب الفلسطينية أن تبقي القضية الوطنية حيّة وماثلة في العقل والوجدان الفلسطيني والعربي، فانخرط العديدون من هذه النخب في الأحزاب التي كانت قائمة في المشرق العربي وأبرزها الإخوان المسلمين والشيوعيين وحزب البعث العربي الاشتراكي وليقوم عدد آخر من الشباب الفلسطيني ومعهم بعض مجايليهم وزملائهم العرب بتأسيس حركة القوميين العرب التي شكلت النكبة والقضية الفلسطينية الدافع والمحفّز الرئيس لتشكيلها. وظل العمل الوطني الفلسطيني في مظهره الرئيس من هذه التشكيلات الأكثر شمولاً سواء ببعدها العربي أو الإسلامي أو الأممي طيلة خمسينيات القرن العشرين، لتعلو تدريجياً الفكرة الوطنية الفلسطينية وضرورة وأهمية إبرازها سواء بشكل مستقل أو كجزء من كل في إطار الأحزاب الأشمل، وكان المحرك لإبراز الوطنية الفلسطينية عاملان رئيسيان: الأول: هو إبراز الهوية والشعب الفلسطيني كنقيض للفكرة الصهيونية الزائفة حول فلسطين الأرض بلا شعب لليهود الشعب بلا أرض. الثاني: قيام الشعب الفلسطيني بواجبه في الكفاح من أجل تحرير فلسطين. وتعددت في هذه الفترة وجهات النظر حول البعد القومي للنضال الفلسطيني، لكن هذا التعدد لم يتجاوز أو يلغي فكرة المسؤولية الأولى للفلسطينيين في مواجهة الكيان الصهيوني واغتصابه لأرض فلسطين وتشريد أهلها. وقد بدأت منذ أوائل الستينات ارهاصات المحاولات الفلسطينية لبناء جبهات وتشكيلات خاصة لممارسة الكفاح المسلح، فيما عبّرت صرخة أبطال رواية رجال تحت الشمس للمبدع الشهيد غسان كنفاني لطرق جدران الخزان تعبيراً مكثفاً عن هذا المخاض الذي تبلور في عدد من القوى والتشكيلات المسلحة، أبرزها: - فتح وقوات العاصفة. - شباب الثأر للتنظيم الفلسطيني في حركة القوميين العرب. - أبطال العودة. - جبهة التحرير الفلسطينية. وقد كانت حركة فتح هي الأكثر حضوراً وتعبيراً عن الطور الجديد من النضال الفلسطيني حيث أعلنت عن إطلاق رصاصتها الأولى في يناير 1965، ورغم أن شباب الثأر كانوا قد بدأوا فعلياً قبل هذا التاريخ واستشهد منهم محمد اليماني ورفيق عساف في 1964 إلا أن ما ميّز انطلاقة الفتح هو تأكيدها على أنها تنطلق من مواقع الوطنية الفلسطينية بينما ظلت شباب الثأر في حدود المسموحات التي يتيحها التنسيق بين الرئيس جمال عبد الناصر وحركة القوميين العرب. وبعد هزيمة 5 حزيران – يونيه – 1967 جاءت الانطلاقة الواسعة للمقاومة الفلسطينية من أجل تحرير فلسطين وكانت في أحد أوجهها رداً على الهزيمة المدوية للنظام العربي الرسمي، وتمكنت من التوسع والانتشار في ظل عجز أطراف هذا النظام وحاجته لها لتملاً فراغ هزيمته ولتعطيه فرصة إعادة الاعتبار لنفسه وبناء مؤسسته تحت شعارات دعم المقاومة الفلسطينية ومساندتها. أصبحت فصائل المقاومة هي المكوّن الرئيس للمشهد الفلسطيني، فكان من الطبيعي أن تصبح القيادة الفعلية والرسمية للشعب الفلسطيني والمجسد لقضيته الوطنية، وهذا ما تحقق لها منذ المجلس الوطني الخامس في شباط – فبراير – 1969 وأصبح ياسر عرفات رئيساً للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أصبحت بموجب قرار القمة العربية في عام 1974 وباعترافات دولية متزايدة الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني. خاضت المقاومة عشرات المعارك ضد العدو الصهيوني، وأطراف عربية متعددة على امتداد السنوات منذ 1967 حتى 1982 عندما تكفل العدو الصهيوني بضرب المقاومة في لبنان باجتياحه للبنان واحتلاله بيروت عام 1982 ورحيل المقاومة عنها. وقد جرت محاولات متعددة للإجهاز على م.ت.ف، أو إخراجها من دائرة الفعل المؤثر في المنطقة بعد عام 1982 ووصل الأمر إلى أن يقول وزير الخارجية الأمريكية في منتصف الثمانينات، باي باي م.ت.ف ولتتناغم بعض الأطراف العربية الرسمية مع هذا الموقف. في ظل هذا المناخ القاسي المحيط بالعمل الوطني الفلسطيني وبمنظمة التحرير الفلسطينية جاءت انطلاقة الانتفاضة في كانون أول – ديسمبر – 1987. الإخوان المسلمين والحركة الوطنية الفلسطينية قبل الانتفاضة وأثناءها: بعد النكبة في عام 1948 شارك الإخوان المسلمون بفعالية في المظاهرات الشعبية الواسعة ضد محاولات توطين اللاجئين الفلسطينيين في سيناء أو غيرها، كما شاركوا في تشكيلات جبهوية لم تدم طويلاً بعد العدوان الثلاثي على مصر والاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة الذي استمر من تشرين ثان – نوفمير – 1956 حتى آذار – مارس – 1957، وفيما عدا ذلك، فلم يكن للإخوان كحركة أو كجماعة دوراً ملموساً في الحركة الوطنية الفلسطينية طيلة الفترة التي امتدت حتى اندلاع الانتفاضة المجيدة في كانون أول – ديسمبر – 1987. فهم لم يشاركوا في المقاومة، وكان لهم موقفاً سلبياً في جوهره من منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها منظمة علمانية لا تتفق ومنهجهم الإسلامي. وأكثر من ذلك فقد لعب الإخوان المسلمون دوراً سلبياً في مسيرة المقاومة الفلسطينية سواء في الأردن بعلاقتهم المميزة مع النظام طيلة الخمسينات والستينات من القرن الماضي أو في الضفة والقطاع تحت الاحتلال الإسرائيلي، وذاكرة الفلسطينيين تختزن الكثير من الشواهد والدلالات على هذا الدور السلبي، ولعل تشكيل وتنامي دور وسطوة المجمّع الإسلامي في فلسطين تحت مرأى ومسمع الاحتلال، وبتشجيع منه في بعض الأحيان مسألة لا يمكن نكرانها من أوساط المجمع نفسه، فقد نظرت سلطات الاحتلال في حينها للمجمع الإسلامي وللإخوان المسلمين عموماً باعتبارهم طرفاً غير مقاوم كما هو حال فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، واعتقدوا أن تعزيز دور المجمع وتوسيع نفوذه سيكون على حساب فصائل المقاومة ودورها، فغضوا النظر عن انخراط الشباب في المجمع، بل وجهوا بعضهم لذلك، وشجعوا تعديات المجمع في أواسط الثمانينات على الرموز والأطراف والمؤسسات الوطنية في قطاع غزة للتأكيد على قوة ومكانة المجمع الإسلامي في وجه باقي أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية. وهكذا بدأ دور المجمع الإسلامي (الإخوان المسلمين) يتصاعد ويمارس النشاط الخدماتي المعروف لجماعة الإخوان المسلمين داخل المناطق والأحياء الفقيرة والمهمشة، مستفيداً ومستنداً إلى تدين الجماهير العفوي من جهة وتراجع نفوذ قوى المقاومة بقمعها وملاحقتها من الاحتلال أولاً، ومن ضعفها وأخطائها السياسية والجماهيرية ثانياً، ليدخل في صفوف المجمع وأنصاره المئات ثم الآلاف من أبناء الفقراء والمهمشين واللاجئين من أبناء المخيمات مدفوعين بدوافع متعددة من الحاجة والتدين، والتوق للوطن، وأصبحت هذه الآلاف مناخاً ضاغطاً حقيقياً على حركة الإخوان المسلمين في فلسطين وقيادتها من شريحة التجار ورجال الأعمال والفئات الوسطى عموماً، ما دفع الحركة نحو الانخراط المتدرج في الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، ولكن من موقع الإخوان الخاص الموازي لما اعتبروه الفصائل العلمانية ومنظمة التحرير. الانتفاضة مرحلة جديدة: اندلعت الانتفاضة المجيدة في كانون أول – ديسمبر – 1987 وجماعة الإخوان المسلمين تمر في هذا المخاض ليلتقط الشهيد الشيخ أحمد ياسين الحلقة المركزية ويدعو لاجتماع قيادي هام وحاسم ويؤخذ فيه القرار بتأسيس حركة حماس التي يحتفلون بانطلاقتها في 14/12 من كل عام في محاولة للتقريب بين انطلاقة حماس وانطلاق الانتفاضة في 9/12. كنا من المرحبين بهذا التطور في موقف ودور ومساهمة الإخوان المسلمين وحاولنا إقناعهم بالانخراط في القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة إلا أن قيادة حماس حرصت على العمل منفردة بتشكيلات ونداءات وفعاليات موازية للقيادة الوطنية الموحدة ونشاطها، فلم تكن الانتفاضة ولا موجبات التوحد في مواجهة الاحتلال ومخططاته كافية لإقناع قيادة الإخوان وقيادة حماس بأهمية العمل المشترك ومغادرة الموقف السلبي من منظمة التحرير الفلسطينية وقواها، وقد حرصت باقي القوى على احتواء التناقضات التي يمكن أن يولّدها تفرد حماس بما يخفف من معاناة الناس وإرباكها إذا ما تكررت الإضرابات والفعاليات، وهكذا ظهر الميل والنزوع الصريح للتفرد لدى قيادة حركة حماس منذ أيام انطلاقتها الأولى، وقبل اتضاح الوجهة الاستعمالية للانتفاضة في الوصول إلى تسوية سياسية من قبل بعض الأوساط القيادية النافذة في م.ت.ف. لقد جرت الكثير من المياه في نهر الحياة الفلسطيني والعربي والكوني منذ اندلاع الانتفاضة في نهاية العام 1987 وحتى الدعوة إلى مؤتمر مدريد في عام 1991، فوقعت حرب الخليج الأولى إثر الاجتياح العراقي للكويت، بكل ما رافقها من عجز وتواطؤ وتبعية عربية للولايات المتحدة ومخططاتها، وظهرت ملامح الضعف السوفياتي الذي قاد إلى انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك المنظومة الاشتراكية، وتفردت الإمبريالية الأمريكية على قمة الهرم الكوني، ليشكل كل ذلك مناخاً وذريعة استند إليها تحالف البرجوازية البيروقراطية مع الكومبرادور الفلسطيني الذي بدأ يتشكل للاستفادة من الانتفاضة وإنجازاتها ليعقد تسويته الخاصة مع العدو الصهيوني وعلى ذات الطريق الذي شقته اتفاقيات كامب ديفيد ولم تكتفِ القيادة الفلسطينية المتنفذة في المنظمة بالسير مع باقي أطراف النظام العربي الرسمي في مؤتمر مدريد، بل انفردت بخط تفاوضها الخاص والمنفرد الذي أوصلها إلى اتفاقيات أوسلو التي أدخلت العمل الفلسطيني في مرحلة جديدة نوعياً تشكلت فيها سلطة فلسطينية اعتقد أصحابها أنها يمكن أن تشكل مرحلة انتقالية على طريق الدولة الفلسطينية على أراضي فلسطين المحتلة عام 1967 وصيغة مقبولة منهم لتسوية موضوع اللاجئين، وأرادها الاحتلال مدخلاً وأداة من أدوات تنظيم احتلاله بأقل الأعباء والتكاليف وإعداد المنطقة لصيغ جديدة من التوسع الصهيوني على طريق تصفية القضية الفلسطينية وإنهاء الصراع العربي مع هذه الغزوة الصهيونية. مرحلة ما بعد أوسلو: تداخلت في هذه المرحلة المهمات الاجتماعية مع المهمات الوطنية، فقد بقي الاحتلال جاثماً على الأرض والشعب، وأصبحت السلطة مسؤولة رسمياً عن إدارة شؤون المناطق التي أصبحت تحت سيطرتها الجزئية والمؤقتة برغم أن السلطة الفعلية ومفاتيح الحل والربط بقيت في يد الاحتلال. لقد فتحت السلطة الباب واسعاً لتشكيل شريحة من البرجوازية البيروقراطية والطفيلية التي أحكمت قبضتها على السلطة في الحدود التي سمح لها بها الاحتلال، وتحولت إلى طغمة استغلت وضعها على رأس السلطة ومؤسساتها وراكمت الثروة والنفوذ بمرأى من الاحتلال، وتشجيعه وتسهيلاته، وقاربت كثيراً بين مصالحها الخاصة وبين مصالح الاحتلال، وتطلباته الأمنية على وجه الخصوص، وهو طريق قادها لممارسة القمع والملاحقة والاعتقال بحق كل من تمرد على الاحتلال والاتفاقيات المعقودة معه، ليصبح مقابل التداخل بين المهمات الوطنية والاجتماعية تداخلاً بين مصالح الطغمة البيروقراطية التي أوغلت في الفساد على مختلف الأصعدة وبين الاحتلال ومتطلباته تحت عنوان وذريعة حماية المشروع السياسي للقيادة الرسمية للمنظمة وتصيرت الطغمة تدريجياً إلى المواقع المعادية للجماهير وحركتها ومصالحها رغم الماضي النضالي للعديد من رموز هذه الشريحة. وظلت مراهنة أصحاب أوسلو على اتفاقياتهم ومفاوضاتهم مع العدو الصهيوني بالرعاية الأمريكية هي حجر الأساس في كل سياساتهم حتى واجهوا الحقيقة في مفاوضات كامب ديفيد بين المرحوم أبو عمار وبين إيهود باراك رئيس وزراء دولة العدو برعاية الرئيس كلينتون، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، فقد وصل أبو عمار يومها إلى قناعة بعدم جدوى الارتهان للمفاوضات فقط وأن الكيان الصهيوني لن ينفذ التزاماته في أوسلو إذا لم يمارس عليه الضغط بأشكال أخرى غير المفاوضات، ففتح مجالاً لحركة الجماهير، وشجع وساعد في انطلاق انتفاضة الاستقلال والعودة في أيلول – سبتمبر – 2000. أراد أبو عمار أن تكون الانتفاضة عاملاً ضاغطاً يوظف في المفاوضات مع العدو، بيد أن حركة الجماهير وقواها يصعب ضبطها أو هندستها وفق قياسات محددة لا يتم تجاوزها فاستمرت الانتفاضة سنوات ورافقها العديد من مظاهر العمل المسلح داخل المناطق المحتلة على كامل الأرض الفلسطينية التي احتلت عام 1948، وعام 1967. استطاعت حركة حماس بفعالية وقدرات مميزة، ونشاط إعلامي وسياسي واجتماعي واسع أن تشكل العنوان الأبرز الذي ارتبط به الفعل الانتفاضي والعمل المسلح والاستشهادي منه على وجه الخصوص، كما استطاعت حركة الإسلام السياسي خارج فلسطين أن توظف الفاعلية الحمساوية في توسيع نشاطها لدعم المجاهدين في فلسطين كعنوان رئيسي لهذا النشاط، فيزيد الدعم حماساً قوة على قوة، ويتوسع توظيف هذا النشاط لصالح التيارات الإسلامية لتزداد بدورها قوة، وهكذا تكامل نشاط التيارات الإسلامية داخل وخارج فلسطين بشكل لا أتردد في وصفه بالشكل المبدع والخلاق، وهو ما عجزت عنه التيارات والاتجاهات القومية والتقدمية الفلسطينية والعربية على حد سواء. الانسحاب الإسرائيلي من طرف واحد: في ظل هذه الظروف أخذ شارون قرار الانسحاب الإسرائيلي من جانب واحد، تحت ضغط الانتفاضة والمقاومة من جهة، وفي محاولة لاستدراج الفلسطينيين لتناقض داخلي يتحول إلى صراع على السلطة. "فليس من المعقول وفقاً لشمعون بيرز أن تبقى كتيبة من الجيش الإسرائيلي قوامها 400 جندي لحماية ثلاثة عشر أسرة من المستوطنين في وسط القطاع، وفي ظل غياب التباينات العرقية والدينية والمذهبية الفلسطينية، فلابد من إيجاد شيء يتصارع عليه الفلسطينيون وفقاً لنتائج مؤتمر هرتسيليا في عام 2003". وفي إطار من التساوق بين هذه الاستنتاجات الصهيونية وبين بحث الولايات المتحدة الأمريكية عن دوائر للعمل مع "الإسلام المعتدل" إثر تدمير برجي التجارة في 11 سبتمبر 2001 وفتحها الباب جزئياً لانتخابات في أكثر من بلد عربي شارك فيها الإخوان المسلمون كما جرى في مصر والأردن عام 2005، فقد فتح الباب لمشاركة حماس في انتخابات 2006، في مسعى إضافي لإدخال حماس في مؤسسات سلطة أوسلو ومن ثم في سياسات أوسلو بما ترتبه على كل المشاركين فيها من التزامات. حماس بدورها – كما آخرين – اعتقدت على ضوء تجربة ما يزيد عن عشرة أعوام من عمر السلطة أن الانخراط في الانتخابات ومؤسسات السلطة لاحقاً يمكن أن يشكل أحد الطرق والوسائل للخلاص المتدرج من هذه الاتفاقيات والالتزامات. ما فاجأ الجميع بمن فيهم غالبية قيادة حركة حماس هو الغالبية التي حققتها حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي في كانون ثان – يناير – 2006، وهكذا وجدت حماس نفسها قادرة على الاستفراد بتشكيل حكومة السلطة الفلسطينية مستندة إلى غالبيتها في المجلس التشريعي، فشكلت حكومتها متفردة في آذار – مارس – 2006 لتدخل الساحة الفلسطينية في تناقض من نوع خاص يتمثل في أن غالبية المؤسسة الرسمية وجسم السلطة وأجهزتها عموماً من حركة فتح، بينما الحكومة التي يفترض أن تقود هذه المؤسسة وأجهزتها ووزرائها من حركة حماس. ومنذ يوم الحكومة الأول دخلت الساحة والمؤسسة الفلسطينية في دائرة من التجاذب السلبي، تمظهر في عرقلة وعدم تعاون وانضباط أجهزة السلطة وكادراتها الفتحاوية في مظهرها الرئيس لحكومة حماس ومسؤوليها الذين سلكوا بدورهم طريق الإحلال والإقصاء المباشر للموظفين والمسؤولين السابقين وإحلال كوادر وأعضاء من حماس بدلاً منهم، ولأن السلطة في حاجة إلى جهاز للإكراه والقمع فقد شكلت حركة حماس ما عرف بالقوة التنفيذية لتكون ذراع الحكومة الحمساوية بديلاً لقوات الأمن والشرطة السابقة، فأصبحنا أمام شكل خاص من ازدواجية السلطة دفعها بسرعة نحو الاقتتال المتدرج والمتصاعد إلى أن حسمت معركة السيطرة على السلطة في غزة في 14/6/2007، وبحكم وجود الاحتلال والانقسام الجغرافي بين جناحي السلطة في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة تحول حسم السلطة لصالح حركة حماس إلى انقسام السلطة إلى سلطتين، فحكومتين، فوزارات ومؤسسات وأجهزة منقسمة في كل جوانب الحياة. الانقسام وما بعده: رافق الانقسام وتلاه قتل متبادل ثم ملاحقة واعتقال وترويع عام في قطاع غزة وتواصل وتوسيع لكل أشكال القمع والملاحقة في الضفة، ومع هذه التبادلية السلبية فقد برز بشكل أكثر فجاجة استيلاء حماس المتدرج على كل جوانب الحياة، بما في ذلك الأنفاق واقتصاد الحصار عموماً ومؤسسات السلطة والأراضي الحكومية والعامة وتوزيعها بين مؤسسات حماس وبعض أعضائها ومناصريها في سعي حثيث لتعويض حماس ما فاتها من امتيازات ومزايا السلطة، ولتعزيز وتكريس مغانمها إثر سيطرتها على قطاع غزة بما يقطع الطريق على سحب هذه المزايا في ظل أي مصالحة أو تطورات قادمة تفقدها هذه السيطرة. كما عاشت حماس حالة من الارتباك بين موجبات السلطة وإدارة المجتمع، وبين كونها بالأساس حركة دعاوية بنت سياساتها وخطابها على أن "الإسلام هو الحل" فأقدمت وفي سنواتها الأولى الثلاث على وجه الخصوص على سلسلة من القرارات والممارسات السلطوية نحو فرض هذه الرؤية، وبالمقابل فقد أمعنت أجهزة أمن سلطة فتح في الضفة في ملاحقة حركة حماس وكل المقاومين تحت عنوان لا بندقية سوى بندقية السلطة الرسمية، وأنهم لن يسمحوا بتكرار ما جرى في غزة، وإضافة إلى الاستحقاقات التي يفرضها اتفاق أوسلو والتزامات السلطة الأمنية وتنسيق أجهزتها مع الأجهزة الأمنية للعدو الصهيوني بكل ما لذلك من تبعات ضارة على العلاقات الوطنية وعلى مجابهة الاحتلال. الآن وبعد ما يزيد عن أربعة أعوام ونصف على هذا الانقسام الكارثي فإن المشهد الفلسطيني على درجة واضحة من البؤس والتراجع والارتباك حيث توقفت المقاومة بشكل يكاد يكون شاملاً باستثناء الصواريخ التي تنطلق من القطاع بين حين وآخر، وبقي خطاب حماس المقاوم مع التأكيد على الصمود والاستعداد لصد أي عدوان صهيوني، وهذا منطق دفاعي لا ينسجم ومنطق حركة التحرر التي ينبغي أن تكون ذات طابع هجومي ومبادر يلحق الخسائر بالعدو ويجعل احتلاله مكلفاً بما يفرض عليه التراجع، ولا يغير من هذه البديهية الصمود والمقاومة البطولية للقطاع في مواجهة العدوان الصهيوني الواسع في كانون أول – ديسمبر – 2008، وفي نفس الوقت يعيش خيار المفاوضات والسعي السياسي للوصول إلى تسوية سياسية مأزقاً مضاعفاً يضاف إلى مأزقه المبدأي الناجم عن طبيعة العدو الصهيوني العدوانية والاختلال الكبير في ميزان القوى لصالحه. وهكذا أصبح طرفي الانقسام في أزمة حقيقية بسبب بؤس الانقسام والنتائج والوقائع التي ترتبت عليه، تضافر مع هذه الصيرورة المأزومة تفاعل الوضع الفلسطيني مع الحراك الشعبي والانتفاضات الجماهيرية وما ولدته من نتائج فيما أصبح يعرف "بالربيع العربي" وهو ما دفع طرفي الانقسام للبحث عن سبل للتساوق مع هذا التطور الهام الذي لا يمكن للساحة الفلسطينية أن تبقى بمنأى عنه، خاصة بعد أن تنادى الشباب الفلسطيني لحراك شبابي واسع في 15 آذار – مارس – الماضي شكل إشارة إنذارية للطرفين رغم محاصرة هذه الحركة الشبابية والوقف المؤقت لمفاعيلها سواء بقمعها في كل من غزة والضفة أو العمل على احتوائها وتوظيفها فئوياً وتنظيمياً. المحاولة الراهنة للمصالحة وخصوصيتها: تكررت المحاولات والاتفاقيات والمبادرات الفلسطينية والعربية والمصرية على وجه الخصوص لإنهاء الانقسام الفلسطيني على امتداد ما يزيد عن أربع سنوات مضت، جرى فيها التوقيع على أكثر من وثيقة واتفاق، إلا أن أمام المصالحة هذه المرة فرصة جدية وحقيقية للنجاح والتغلب على الصعوبات والعقبات التي حالت حتى الآن دون إنجازها وكان أبرزها: - الضغط والابتزاز الصهيوني والأمريكي، وتبعية الموقف الأوروبي عموماً للموقف الأمريكي، وتكيف الموقف الرسمي المتنفذ في قيادة السلطة وتجنبها المواجهة الجدية لهذا الضغط. - التأثيرات الإقليمية السلبية التي وجدت أطرافها ومن مواقع متباينة في طرفي الانقسام الفلسطيني امتداداً أو تعزيزاً للمواقف والسياسات الخاصة بكل منها. - وفاء السلطة في رام الله لما تسميه التزاماتها بموجب اتفاق أوسلو بما في ذلك التنسيق الأمني مع العدو وأجهزته. - العمل المتواصل من قبل حماس لتعزيز وترسيخ مواقعها السلطوية والبنيوية عموماً في قطاع غزة. - وجود شرائح سلطوية واجتماعية بشكل عام في السلطتين مستفيدة من الانقسام وتعمل على تعطيل المصالحة. - تردد الراعي المصري على ضوء الموقف الأمريكي ومسموحاته وتوافقه السياسي مع الرئيس أبو مازن أحد طرفي الانقسام وصاحب القرار الأول في فتح. ومع استمرار مفاعيل عدد من هذه العقبات والمعيقات التي تعترض طريق المصالحة حتى الآن إلا أن العديد من العوامل والمستجدات بالإضافة إلى الدافع الوطني لطرفي الانقسام تدفع نحو المصالحة، وتجعل منها إمكانية جدية تفوق كل المحاولات السابقة وأبرز هذه المستجدات ما يلي: - قناعة الرئيس أبو مازن وفريقه بأن طريق المفاوضات الذي سلكوه حتى الآن، وصل إلى طريق شبه مسدود، وأن كل المراهنات على موقف أمريكي متوازن قد فشلت ووصل أصحابها إلى قناعة بأن الانحياز الأمريكي لصالح الموقف الإسرائيلي يظل ثابتاً في السياسة الأمريكية. - اهتزاز موقع حماس في سوريا ومهما كانت نتائج ما يجري في سوريا الآن، فإنه من الصعب أن يكون لحماس نفس المكانة ونفس التسهيلات التي حصلت عليها في المرحلة السابقة. - لم يبق الكثير من المزايا والمغانم التي يمكن أن تتحقق لحماس نتيجة لسيطرتها على قطاع غزة. - المواقع المتقدمة التي تحققها حركة الإخوان المسلمين في الأقطار العربية التي جرت والتي يمكن أن تجري فيها الانتخابات يجعل حركة حماس أكثر اطمئناناً وحصانة من المقاطعة والحصار الذي تعرضت له في السنوات السابقة. - الانخراط القادم لحركة الإخوان المسلمين في النظام السياسي لأكثر من بلد عربي وما سيترافق معه من علاقات بدأت تباشيرها مع الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية عموماً سيكون له تأثيره على حماس وسياستها بالاقتراب المتدرج من الاستحقاقات التي تتطلبها هذه العلاقات، وبما يعني عدم بقاء حماس مغردة خارج سربها الإخواني. - حاجة الرئيس أبو مازن إلى الوحدة الفلسطينية في العديد من جوانب حركته السياسية إذا قرر الاستمرار في سدة القيادة والرئاسة، وحاجته إليها إذا قرر فعلاً عدم ترشيح نفسه في الانتخابات القادمة أو أي شكل آخر من أشكال التخلي عن القيادة. - جدية وحاجة الشقيقة مصر في إنجاز المصالحة، لتأكيد موقع مصر وقدرتها وقوة وفعالية المؤسسة التي تتابع هذا الموضوع. وبالرغم من كل عوامل الدفع نحو المصالحة وإنهاء الانقسام، إلا أن المرجح أن ينجم عن اللقاءات القادمة في كانون أول – ديسمبر – الجاري تحريك إيجابي لبعض الملفات دون الوصول فيها إلى نتائج حاسمة ونهائية، إذ يمكن أن يدعى الإطار القيادي لـ م.ت.ف لاجتماع تتقرر فيه دعوته بعد فترة وكما يمكن أن تعالج بعض قضايا المعتقلين، وتوسيع دائرة الحركة والتنقل لأبناء الحركتين في غزة والضفة، والإفراج عن بعض جوازات السفر ويستمر خطاب العلاقات العامة الإيجابي في الحديث عن الحكومة، ولجنة الانتخابات، والانتخابات نفسها، ليعود الوضع برمته إلى مواقع الانتظار والترقب الخاطئة والسلبية، بكل ما ألحقته من أضرار لحقت بالشعب وبالقضية الفلسطينية، وهذا ما يجب أن نرفضه ونحشد أوسع القطاعات الجماهيرية لرفضه وللضغط على طرفي الانقسام للعمل الجدي لتحقيق المصالحة واستعادة الوحدة. المحصلة المرجحة إذن أننا أمام إدارة هادئة للانقسام وتحسين في بعض جوانب الحياة والعلاقات الوطنية تنطوي على إمكانيات التقدم الإيجابي على طريق المصالحة مع الأخذ بعين الاعتبار أن الوضع الفلسطيني يحتاج إلى ما يزيد عن خمسة أعوام بعد المصالحة لمعالجة الخلل البنيوي في مؤسسات السلطة وأجهزتها، هذا إذا سارت أمور ما بعد المصالحة على أسس وطنية وديمقراطية تحققت فيها المساواة بين المواطنين وتم فيها مغادرة سياسة حزبية الوظيفة الرسمية وزبائنيتها. حاولت في هذه الورقة أن أقدم لوحة بانورامية للمشهد الفلسطيني، مع قليل من التحليل الذي فرضه توضيح بعض جوانب هذا المشهد ، ولعلّكم لاحظتم أنني قصرت حديثي على طرفي الأزمة والانقسام، ولم أتناول باقي مكونات المشهد السياسي الفلسطيني من قوى وفصائل العمل الوطني الفلسطيني، وقوى اليسار والتيار الديمقراطي الثوري عموماً، رغم حضور هذه القوى وفاعليتها بهذه الدرجة أو تلك، ومساهمتها الفاعلة في صياغة كل الوثائق التي يمكن أن تشكل أسس ومرجعيات المصالحة والبناء اللاحق لها. إلا أن الحقيقة والأمانة تقتضي الإقرار بأن دور هذه القوى مجتمعة ومنفردة لم يكن بالمستوى الذي يفرض على طرفي الأزمة والوسطاء المصريين أو غيرهم أخذهم بجدية الطرف الذي يحسب حسابه كما ينبغي، وعلى ما بين هذه القوى من تباين في الوزن والفاعلية يجعل من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القوة الأولى في الفاعلية والتأثير من بين باقي قوى هذا التيار، إلا أن ذلك يبقى ضمن السقف المحدود التأثير الذي أشرت إليه. ومن الموقع الذي يتيح لي التعرف على واقع هذه القوى، والآفاق الممكنة لتطورها فإنني أعتقد أن وحدة القوى اليسارية التي تشكل الأساس والرافعة لوحدة التقدميين الديمقراطيين عموماً هي الحلقة المركزية التي تمكن هذا التيار الذي لا يزال عريضاً في الساحة الفلسطينية من تجاوز أزماته وضعفه الراهن، وهذا عنوان كبير ينبغي أن تفرد له مساحات واسعة من التفكير والحوار والعمل المشترك لتأطير هذا التيار في أطر وحدوية تستجيب لضرورات النهوض المطلوب الذي يشكل يقيناً مستقبل هذه الأمة.