الموارد المائية في الضفة الغربية وقطاع غزة

حجم الخط
بمناسبة يوم المياه العالمي 22/3/ 2014.... منذ تأسيس المشروع الصهيوني ، كانت المياه – وستظل – أحد أهم مصادر وأسباب الصراع، فقد حددت المياه جغرافية "إسرائيل" وتوسعاتها منذ عام 1948 مروراً بعدوان الخامس من يونيو/حزيران في عام 1967 وصولاً إلى اللحظة السياسية الراهنة، الأمر الذي يفسر مسار الجدار العازل منذ البدء في إنشائه في صيف عام 2002 حتى الآن ، حيث سيلتهم أكثر من 15% من أراضي الضفة الفلسطينية البالغة مساحتها الكلية خمسة آلاف وثمانمائة كيلومتر مربع. وسيحجز في ذات الوقت أهم الأحواض المائية الفلسطينية في الضفة الغربية من الجهة الغربية للجدار لصالح المحتلين الإسرائيليين واستخداماتهم المختلفة، سواء للزراعة أو للشرب أو للصناعة، تاركاً بذلك الفلسطينيين في عجز وشح كبيرين في ظل زيادة سكانية عالية تزيد عن 3.5% سنوياً بينهم، الأمر الذي سيؤدي إلى تعطيش الفلسطينيين واتساع ظاهرة التصحر في أرضهم الزراعية، علاوة على تفاقم مشكلة ملوحة المياه التي انتشرت في أكثر من 80% من مصادر المياه في قطاع غزة، وما سينتج عن ذلك من مخاطر صحية واجتماعية أكثر من خطيرة تهدد حياة السكان عموماً والأطفال والشباب خصوصاً، ما سيراكم مزيداً من المعاناة والبؤس على الصعيد الاجتماعي وأثاره الخطيرة على الصعيد السياسي . وفي هذا السياق ، تشير تقارير الجهاز المركزي للإحصاء (2010) إلى أن نسبة حصة الفلسطينيين من مياه الأحواض المائية 15% فقط، بينما حصة الإسرائيليين من هذه الأحواض تشكل النسبة الأوفر حظا والتي تقـدر بـ85%، بما في ذلك المستوطنون في الضفة الغربية، وفي قطاع غزة بلغت حصة الفلسطينيين من مياه الحوض الساحلي 18% فقط، بينما حصة الإسرائيليين بلغت 82%. تم تقدير كمية المياه النقية (المتجددة) المتوفرة في الأرض الفلسطينية بنحو 2.4 مليار متر مكعب سنويًا، حيث تقوم إسرائيل باستغلال نحو 90% من هذه الكمية مقابل 10% فقط للفلسطينيين، بناء على تقرير ’قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة’ الذي أعدته الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، الأمر الذي يوضح مدى الاستنزاف الإسرائيلي لأحد أهم الموارد الفلسطينية، ما أدى إلى ازدياد الحاجة إلى المياه، وبالتالي إجبار الفلسطينيين على شراء المياه من شركة المياه الإسرائيلية (ميكروت)، التي أصبحت المصدر الرئيسي للحصـول على المياه للاستخدام المنزلي، حيث بلغت كمية المياه التي تم شراؤها عام 2010 من شركة ’ميكروت’ 53 مليون متر مكعب في الضفة الغربية ، مقارنة مع 47 مليون متر مكعب عام 2009. - مصادر المياه الفلسطينية : تنقسم مصادر المياه الجوفية في فلسطين إلي قسمين رئيسيين هما :- 1- مياه الخزان الساحلي الجوفي القابع أسفل ساحل البحر الأبيض المتوسط ما بين رفح جنوبا وجبل كرمل شمالا، وتبلغ مساحته الكلية 2200 كم2، توجد 400 كم2 منها أسفل قطاع غزة. وتعتبر المياه الجوفية داخل قطاع غزة مستقلة إلى حد كبير عن المياه الجوفية داخل "إسرائيل" بسبب سريان المياه بشكل شرقي- غربي داخل الخزان، لكن قيام دولة العدو الإسرائيلي بحفر العديد من آبار مصايد المياه، إلى جانب تزايد عدد السكان في قطاع غزة إلى 1.5 مليون نسمة عام 2009 أدى إلى ارتفاع كميات المياه المستهلكة سنوياً إلى ما يقرب من 140 – 160 مليون متر مكعب، الأمر الذي أدى إلى سحب المخزون الجوفي ومن ثم زيادة نسبة الملوحة إلى أكثر من أربعة أضعاف عام 2009 / 2010 . 2- مياه الخزان الجبلي الجوفي القابع أسفل الضفة الغربية، والذي يتكون من ثلاثة أحواض- غربية وشرقية وشمالية شرقية. تسحب "إسرائيل" ما يقدر بـ 483 مليون متر مكعب في السنة من مياه الخزان الجوفي الجبلي (بما في ذلك 40 مليون متر مكعب في السنة تسحبه المستعمرات الإسرائيلية في غور الأردن)، في حين لا يسحب الفلسطينيون أكثر من 118 مليون متر مكعب في السنة من نفس الخزان. ومن هنا يتضح لنا أن الضفة الغربية قابعة فوق خزان مياه جوفية كبير جداً, وتعد المياه الجوفية المصدر الرئيسي لجميع استعمالات المياه في الضفة الغربية وفى فلسطين التاريخية, وفيما يلي توضيح للأحواض الثلاثة وفقاً لاتجاه تدفق المياه الجوفية : أ - الحوض الشرقي, والذي تصل إمكانياته المائية إلى 142 مليون م 3 سنوياً ب- الحوض الغربي, وتبلغ إمكانية المائية نحو 362 مليون م 3 سنويا. ج- الأحواض الشمالية الشرقي : وتبلغ إمكانيته المائية نحو 172 مليون م3 سنوياً. وتتركز مصادر المياه في الضفة الغربية في الخزانات الجوفية الرئيسية التالية : - الخزان الغربي : ويمتد من جنوب قلقيلية إلى جنوب جنين، وهي منطقة غنية بالمياه العذبة، وأعماق الآبار فيها لا تزيد عن 80 – 150 متر . - الخزان الشمالي : ويشمل منطقة جنين والمناطق المحيطة بها في الشمال والشرق وهي غنية بالمياه أيضا، وتتراوح أعماق الآبار فيها 100-250 متر. - الخزان الجنوبي : ويمتد تحت القدس و بيت لحم حتى شمال الخليل . - الينابيع : يبلغ عددها حوالي ( 4000 ) نبع، ومعظمها مرتبط بمياه الأمطار وتجف معظم آبارها في فصل الصيف . - الآبار : حوالي 500 بئر . ( عدا مئات الآبار العشوائية في الضفة والقطاع ). في ضوء ما تقدم، فان المياه الجوفية تمثل المصدر الأساسي للمياه في الأراضي الفلسطينية – في ظل غياب مصادر كبيرة للمياه السطحية والتفاوت في معدل هطول الأمطار – ويعتبر الخزان الجوفي الجبلي الذي تتجمع مياهه تحت جبال الضفة الغربية ومرتفعاته أهم مصادر المياه الجوفية في فلسطين، ويقدر مخزون خزان الضفة الذي يتغذى من تسرب مياه المطر إلى الخزان الجوفي بنحو 679 مليون متر مكعب سنويا، يضاف إليها 45 م.م.م سنويا من الخزان السطحي بقطاع غزة ، ويبلغ الحجم الإجمالي للمياه الجوفية في عموم فلسطين حوالي 1209 م.م.م سنويا يحصل الإسرائيليون على نسبة 86.52% منها، أي حوالي 1046 م.م.م سنويا، مقابل 259 م.م.م سنويا للفلسطينيين. أما في قطاع غزة فإن أهم الخزانات الجوفية فيه وأكبرها وأعذبها، تقع في منطقة المواصي التي انسحب منها العدو الصهيوني في سبتمبر 2005 وتبلغ مساحتها حوالي 50 ألف دونم . لكن شح مياه الامطار وتزايد ضخ المياه الجوفية ارتباطاً بزيادة السكان، فقد بدأت الملوحة (الكلوريد) تتسرب إلى هذه الخزانات .. وجاء في تقرير أصدره برنامج الأمم المتحدة للبيئة "يونيب" إن مصادر المياه الجوفية التي يعتمد عليها 1.5 مليون فلسطيني في غزة تواجه خطر الانهيار، مطالباً بإصلاح وترميم الخزان المائي في القطاع، وإيجاد مصادر مياه بديلة، بما في ذلك بناء محطات تحلية المياه، وذلك من أجل تخفيض الضغط على موارد المياه الجوفية، وفي هذا السياق، يقدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة تكلفة إعادة الخزان الجوفي لحالته السابقة بنحو1,5 مليار دولار علي مدى عشرين عاما, ويدخل ضمن هذه التكلفة بناء محطات تحلية المياه.. أما تقرير "يونيب" فقد أشار إلى ان معدلات التلوث وصلت لدرجة أن الأطفال الرضع في غزة يعانون من خطر التسمم بمادة النيترات، محذراً من أن المستويات العالية من النيترات يمكن أن تتسبب في ظهور نوع من الأنيميا لدى الأطفال الرضع والمعروفة "بظاهرة الرضيع الأزرق" . وعلى الرغم من وجود "اتفاقية" بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية حول تحويل "إسرائيل" لثمانين مليون متر مكعب من المياه في السنة للفلسطينيين، لكنها تنصلت منها. وفي حين يحتاج فلسطينيو الضفة إلى 250 مليون متر مكعب سنويا من المياه، فلا يتوفر لهم سوى أقل من 70% منها، ومع الارتفاع المستمر لمجموع سكان الضفة والقطاع الذي وصل لحوالي أربعة ملايين فلسطيني نهاية عام 2009، سيزداد الطلب على المياه، لكن من الواضح أن المشكلة المائية ستكون بوتيرة عالية في قطاع غزة، نظراً للكثافة السكانية والمساحة الضيقة التي لا تزيد عن 364 كيلومترا مربعاً. وقد بلغت اجمالي كمية المياه التي تم توفيرها من المصادر المحلية للاراضي الفلسطينية 308.7 مليون متر مكعب عام 2008، مقارنة مع 335.4 مليون متر مكعب عام 2007 . وتشير بيانات عام 2008 إلى أن آبار المياه الجوفية تعتبر أكبر مصدر للمياه حيث تم ضخ حوالي 225.7 مليون متر مكعب من المياه أي بنسبة 73.1%، يليها المياه المشتراة من شركة المياه الإسرائيلية "ميكروت" حيث بلغت كميتها نحو 57.8 مليون متر مكعب بنسبة 18.7% ، وأخيرا الينابيع حيث بلغ تصريفها السنوي 25.2 مليون متر مكعب وشكلت ما نسبته 8.2 % من مصادر المياه التي يتم الاعتماد عليها لتغطية الطلب على المياه لمختلف الاستخدامات . أما بالنسبة لاستهلالك المياه، فإن الزراعة هي القطاع الأكثر استهلاكاً للمياه في الأراضي الفلسطينية، إذ تستهلك حوالي 65%، يليها قطاع الاستخدامات المنزلية/ البلدية بنسبة 27%، والقطاع الصناعي بنسبة 8% . ويحتاج المزارعين في الأراضي الفلسطينية إلى 170 مليون متر مكعب من المياه سنويا، لكنهم لا يحصلون إلا على 60-70% منها. علما بان "إسرائيل" تسيطر على حوالي 50 بئر بالضفة الغربية التي تبلغ طاقتها الإجمالية 50 مليون متر مكعب سنويا وتحولها إلى المستوطنات الإسرائيلية التي يعيش فيها حوالي 250 ألف شخص. ووفقا لتقارير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني فإن معدل استهلاك المواطن الفلسطيني 135 لترا في اليوم، بينما يصل معدل استهلاك الفرد الإسرائيلي 353 لترا/ يوم، فيما يبلغ معدل استهلاك المستوطن الإسرائيلي في الضفة الغربية نحـو 900 لتر/ يوم، أي أكثر من سبعة أضعاف استهلاك المواطن الفلسطيني. هناك تفاوتا في معدل استهلاك الفرد الفلسطيني من المياه في محافظات الضفة الغربية، حيث ارتفعت هذه النسبة في محافظة أريحا إلى 297.6 لترا/ يوم، وفي قطاع غزة وصلت إلى 176.3 لترا/ يوم، بينما كانت 55 لترا/ يوم في محافظة جنين، و47 لترا/ يوم في طوباس. وحسب تقرير صادر عن منظمة العفو الدولية "أمنستي"، يستخدم المستهلك الإسرائيلي في بعض المستوطنات كمية من المياه تزيد عن عشرين مرة عن كمية الاستهلاك في التجمعات السكنية الفلسطينية . وبالتالي فإن سيطرة العدو الإسرائيلي على 79% من مصادر المياه الموجودة في الطبقات الصخرية المائية في الضفة والقطاع مقابل 21% للفلسطينيين حسب العديد من التقارير الفلسطينية والدولية، حالت دون تقدم مرافقنا المائية، كما أدت إلى نشوء هذه الضائقة المائية الخطيرة التي تتمثل في النقص الحاد والخطير في كميات المياه التي تحتاجها قرانا ومخيماتنا ومدننا رغم التزايد المستمر في هذه الاحتياجات، كما تتجلى العنصرية الصهيونية في توزيع المياه من قبل شركة "مكوروت" الإسرائيلية، التي تقوم بزيادة كمية المياه للمستوطنات في أشهر الصيف، وتعمد إلى خفضها للمدن والقرى الفلسطينية. * عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، مسئول الدائرة الثقافية المركزية.