تحرير المنظمة وبؤس السلطة الفلسطينية

حجم الخط
لم يعد خافياً على أحد، أن مشروع تأسيس السلطة الفلسطينية في العام 1993 – 1994 كان منذ البدء مشروعاً أمريكياً إسرائيلياً وبتواطؤ وتساوق عربي فلسطيني رسميين، هدفه الأول تجريف وهدم المشروع الوطني الفلسطيني وتفكيك مركباته الرئيسية، وتفريغ منظمة التحرير الفلسطينية من جوهرها إلى درجة يستحيل إصلاحها فيما بعد بل ودفعها إلى الموت السريري ثم التلاشي، ولكن ليس قبل تحويلها إلى أداة طيعة وختماً فلسطينياً لتشريع الاحتلال والاستيطان لتصفية القضية والحقوق الفلسطينية . لقد نجحت " اسرائيل " في تأسيس السلطة التي أرادتها، بل وصل الأمر في "شمعون بيرز" أن يعلن دهشته من سرعة انهيار المنظمة ومؤسساتها معتبراً أن اتفاقيات" أوسلو " كانت أهم انجاز تحققه دولته العنصرية منذ تأسيس الكيان عام 48 بل يوازيه وربما يفوقه من حيث المنفعة والانجازات الإسرائيلية المتوخاة على المستوى الاستراتيجي... وهكذا كان..للأسف.. اليوم، بعد 20 سنة ، يقف الفلسطيني على أرض اقل . وفي ذكرى يوم الأرض يقف الشعب الفلسطيني كله أمام مفترق طرق . فإما أن يواصل نضاله من أجل تحرير أرضه وهذا يشترط تحرير المنظمة من قبضة السلطة والقيادة المتنفذة واعتبارها كياناً فلسطينياً وانجازاً تاريخياً مهماً للشعب الفلسطيني يجب الحفاظ عليه، وإما أن يسير شعبنا في طريق آخر ، و يعيد من خلاله بناء حركته الوطنية الفلسطينية وتجديد بناها الراهنة . أي بناء جبهة وطنية جديدة بآفاق مختلفة وفكر ثوري جديد . وبغض النظر عن الطريق الذي سيسلكه، فإن أهم عقبة تقف في طريقه الآن هي السلطة الفلسطينية ، وضرورة تغيير وظيفتها وقلب دورها، أو إسقاطها وهذا في رأينا هو الاستحقاق الشعبي الفلسطيني الأول والمباشر: استعادة القرار الوطني بالإرادة الشعبية.. هل م. ت. ف لا تزال ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني ؟ هذا سؤال فلسطيني يتبعه سؤالاً آخر : حتى بعد أن مزقت قيادتها العقد الذي حكم تلك العلاقة وبعد شطب أهداف وجوهر الميثاق الوطني الفلسطيني وبعد أن بلعت السلطة الفلسطينية مشروع المنظمة ؟ قيل لنا في العام 1993 أن السلطة هي " ذراع " للمنظمة، فصارت هي الجسم كله بينما تحولت منظمة التحرير إلى يافطة متروكة على قارعة الطريق، يتم استحضارها في المناسبات وكلما تستحضر العرافة أرواح وأشباح المجلس الوطني والمجلس المركزي لإضفاء الشرعية على ما قرار كارثي أو في حفلة لتزييف الوعي وتزوير الخطاب والحقوق..كيف تكون ممثلاً شرعياً فيما كل الشعب خارج حسابات المنظمة ، وكيف تكون المنظمة ممثلاً شرعياً فيما قوى مثل حماس والجهاد الإسلامي وغيرهما من حركات وأحزاب وجمعيات ومؤسسات فاعلة في المجتمع وفي " المقاومة " خارج إطار المنظمة ؟.. .. إن منظمة التحرير اليوم باتت تستمد " شرعيتها "، أو ما تبقى منها، من " المجتمع الدولي" ، الولايات المتحدة تحديدا ومن "الجامعة العربية "، دول النفط تحديدا ، وهذه الأطراف لا تبرهن على مدى أصالة هذا التمثيل بقدر ما تنتقص منه وتدينه وتزيد من الشكوك الشعبية في إمكانية استعادة المنظمة وتحريرها من قبضة القيادة المتنفذة التي تنهب قرار ومال منظمة التحرير . إن المصدر الوحيد للشرعية هو الشعب الفلسطيني ، هو الوحيد القادر على منح صوته للمنظمة وهو القادر على سحب هذه الشرعية أيضاً . إن أهمية الخروج الشعبي إلى الشارع في حيفا ويافا وعين الحلوة ورام الله وغزة والوحدات واليرموك ، وصولاً إلى البرازيل وتشيلي ، والمطالبة بوقف العبث بالحقوق الوطنية ووقف المراهنة على خيار المفاوضات وطريق الأوهام، هو الطريق الوحيد لتصويب الحالة الفلسطينية ، ليس من أجل تسجيل موقف سياسي ضد حركة فتح ، بقدر ما هو استعادة لوحدة الشعب الفلسطيني أولاً. وحدة القضية ، وحدة الأرض والمصير. وإذا كنا غير قادرين الآن على تحرير فلسطين، كما يقول الأديب غسان كنفاني، فإن واجبنا هو إعداد الجيل القادم للنصر، كما يؤكد الشهيد الكبير وهذا وحده ما سيمنع تصفية وبيع فلسطين ويوفر عناصر حمايتها من خطر الشطب والتبديد. منظمة التحرير الفلسطينية، الآن ، هي مرجعية للفصائل الفلسطينية التي تشارك فيها وليست مرجعية للشعب الفلسطيني، بل هي لم تكن يوماً مرجعية للشعب وقد حدث خلطاً عجيباً في الماضي. فالشعب هو مرجعية كل المرجعيات، ولا يستقيم أي تمثيل فلسطيني حقيقي دون صوت الجماهير الشعبية في كافة أماكن تواجدها وعلى امتداد وطنها وشتاتها ( وليس إجراء انتخابات في الضفة والقطاع) الشعب الفلسطيني هو صاحب الولاية الأولى والأخيرة على قضيته ومشروعه ومستقبله، ولا زال قادراً على استئناف مشروعه التحرري النضالي والاستمرار بالتمسك بأهدافه الوطنية الكبرى التي لم ينجزها بعد. تمثل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، والنهج الذي يهيمن في الساحة الفلسطينية اليوم وينفرد بالقرار السياسي، تمثل مصالح طبقة فلسطينية محددة صار لها مصالح وارتباطات خاصة اقتصادية وسياسية مع الاحتلال والنظام الأردني، ولم يعد يعنيها مشروع العودة والتحرير. هو الصراع القديم في إطاره وتناقضه الفلسطيني الداخلي، بين من يملك ومن لا يملك. بين المخيم وبين القصر، بين الفدائي وبين الباشا. وإلى أن يستعيد المخيم صوته وقراره فإننا سنظل نراوح في مكاننا ..ومع ذلك نختم بالقول : التعامل مع شعبنا بوصفه مجموعات وجزر متناثرة لا حول لها ولا قوة، والتحدث باسمه والاتجار به، لن يكون إلا مرحلة مؤقتة في مسيرته نحو النصر، بل هذه هي الأسباب ذاتها التي ستجعله يثور ويستعيد الطريق واتجاه البوصلة الفلسطينية من جديد. ولا يمكن أن يشق طريقه اليوم في إقليم يغلي ويضطرب، إلا بطرد قيادة فلسطينية غير شرعية، تغتصب القرار السياسي وتضع الشعب ومستقبله وحقوقه في سوق المزاد العلني، وعلى كف عفريت صهيوني، كل يوم، وعلى عينيك يا تاجر.