هل فشلت المفاوضات؟ وماذا بعد؟

حجم الخط
كل ما يصدر عن وسائل الإعلام وما يُطلق من تصريحات من الجانبين الفلسطيني والصهيوني، تؤكد ان المفاوضات لم تتقدم حتى الآن أي خطوة إلى الأمام، وان الطرف الصهيوني ما زال متعنتا بمواقفه، ومتنكرا للحقوق الفلسطينية التاريخية والشرعية. ان التوصل الى تسوية واتفاق سلام مع هذا الكيان تعني بجوهرها إيقاف تمدد المشروع الصهيوني – رغم قناعتي الأكيدة بأنه لا سلام مع هذا الكيان الاستيطاني الكولونيالي الغاصب- وبحكم طبيعة العلاقة التي تربط الكيان بالحركة الصهيونية حيث الكيان تابع وليس مستقل بمواقفه عن الحركة الصهيونية، فالكيان هو بداية المشروع الصهيوني بالمنطقة لإقامة الدولة اليهودية من النيل الى الفرات، فما يصدر عن الحركة الصهيونية من مواقف والتي تؤكد بمجملها وجوهرها ان الحركة الصهيونية لم تغيير باسترتيجيتها وانما بتكتيكها بكيفية فرض سيطرتها وهيمنتها على المنطقة العربية لتحقيق مشروعها، يعتبر هذا عائقاً أساسياً للتوصل إلى تسوية سياسية للصراع بالمنطقة بدون موافقة الحركة ومباركتها. أكدت المفاوضات مرة أخرى على الانحياز السافر والوقح للادارة الامريكية للمطالب الصهيونية، حيث لم يكن هذا الموقف مفاجئاً لبعض القوى الفلسطينية وللأغلبية الساحقة من شعبنا الفلسطيني، وشّكل صفعة جديدة للنهج الذي يراهن على الادارة الامريكية وامكانية حيادها ونزاهتها كوسيط بالمفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والصهيوني. الى اي قناعات وصلت هذه القيادة بعد ان قدمت ما قدمته من تنازلات وعلى رأسها التنازل عن حق العودة بشكل علني وسافر والذي اكد عليه ابو مازن بلقائاته مع الشبيبة الصهيونية والشبيبة الفتحاوية؟ الم تصل هذه القيادة المفاوضة الى قناعة ان الكيان الصهيوني لم ولن يبحث ولا يرغب بالتوصل الى تسوية؟ يقول بن غوريون مؤسس الكيان الصهيوني: ("اسرائيل" تعيش بالحرب وتموت السلام") ومرة ثانية قال ("نحن بحاجة الى اتفاقيات مؤقتة مع العرب وليس الى معاهدات سلام") وهل قادة الكيان الصهيوني خرجوا عن هذا السياق؟ ما صدر حتى اللحظة عن المفاوض الفلسطيني من مواقف وتصريحات، تؤكد على حجم المأزق الذي وصل اليه هذا النهج، وان التوجه الى المؤسسات الدولية كرد فعل عن ما اسفرت عنه المفاوضات من فشل، قد تكون خطوة غير كاملة وقد تستغلها القيادة الفلسطينية المتنفذة كمناورة وكخطوة تكتيكية من اجل العودة الى المفاوضات بشروط افضل او من اجل تحسين وجهها امام المجتمع الفلسطيني وقاعدتها الجماهيرية نتيجة الفشل الذي منيت به برهانها على المفاوضات، كما ان الانضمام الى الشرعية الدولية ومؤسساتها ومطالبتها بمحاكمة الكيان الصهيوني على جرائمه كانت مطلبا فلسطينيا سابقا، الا ان القيادة الفلسطينية كانت بوادٍ وشعبنا وقواه الحية بوادٍ اخر. ماذا قدمت لنا المفاوضات على مدار ربع قرن تقريبا؟ هل المفاوضات وصلت الى طريق مسدود؟ وما هو البديل عند هذه القيادة؟ ان اي مراجعة وقراءة لاتفاق اوسلو لن تجد ببنوده الا انجازات للصهاينة واخفاقات فلسطينية، وما لحق بعد ذلك لم يكن الا اخفاقات فلسطينية وانتكاسات ساهمت جميعها بتشويه النضال الفلسطيني وتراجع مكانة القضية الفلسطينية. فهل موقف القيادة المتنفذة هو تغيير بسياستها؟ وهل هذا التغيير يؤدي بجوهره الى برنامج صمود ومواجهة للمرحلة القادمة؟ لا يجوز ان تكون المرحلة المقبلة على غرار السابقة، التغيير ضرورة من ضرورات المرحلة، تغيير بالموقف والبرنامج وسيادة الروح الجماعية واحترام الاسلوب الديمقراطي القائم على حق المشاركة باتخاذ القرارات واحترامها، وتغيير بطريقة التعاطي مع الكيان الصهيوني، تغيير يضمن لشعبنا الفلسطيني حقه بمقاومة الاحتلال من اجل اقتلاع الاستيطان والمستوطنين، وهذا لا يكفي، كما لا يجوز الاستمرار بالثقة بهذه القيادة وهذا النهج، وان العمل على ايجاد البديل الوطني والثوري القادر على حماية شعبنا وحقوقه، وايقاف عجلة التنازلات ايضا هي من مهمات القوى الحية والثورية، فالقيادة الفلسطينية التي لم تتعلم وتستخلص الدروس على مدار ربع قرن من عبثية هذه المفاوضات ومن حجم التنازلات المجانية التي قدمتها مراهنة على تسوية للقضية الفلسطينية، هذه القيادة غير جديرة بالاستمرار بموقعها، وغير امينة على الحقوق الفلسطينية، فهي لم تراجع حساباتها ولم تتعظ من فشل المفاوضات، وان المفاوضات بالنسبة لها خيارا استراتيجية فالحياة ليست مفاوضات وانما الحياة مقاومة ونضال من اجل ان تسود العدالة والحرية، وان يمارس شعبنا حقه بالعودة الى ديارة التي شرد منها بالقوة، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس.