لا يزال الشكل الطائفي للصراع في لبنان هو المهيمن، سواء لجهة تحديد نوعية الصراع او لجهة ايجاد الحلول لمعالجته، وذلك على قاعدة التوافق بين الطوائف اللبنانية. هذه القاعدة او النظرية بحد ذاتها، ليست سوى اعادة انتاج للفكر البورجوازي (الشيحاوي) التبعي الانعزالي وضمان تأبيده. لكن الكيان اللبناني مر بمراحل تاريخية في حقل الصراع هذا، كان بإمكانها قلب هذا النظام وتغيير وجه المنطقة، هذه المراحل للأسف لم تكن سوى فرصا ضاعت ولا تزال تفوت في ظل الصراع المستمر الى اليوم.
منذ ما قبل استقلال الكيان اللبناني، عمد هذا الفكر المتمثل بطغمة مالية تابعة للرأس المال والامبريالية الغربية، على اخفاء حقيقة الأزمة في حقل الصراع التي أوجدت نفسها فيه. فبينما كانت حركة التحرر العربية في أوج انطلاقتها، وتلقى صدى لدى الجماهير العربية، عمدت هذه الطبقة الحاكمة الى ادارة وجهها غربا مدعية مصلحة لبنان في الانفتاح الحضاري على الغرب، وان لبنان ملجأ الاقليات، فيه اجتمعت الطوائف بين بحر وجبل، لهم الجبال حصنا والبحر متنفسا، وهو البلد الاول، تجارة وخدمات… و"بالعناية الالهية وجد". فليكن اذن وسيطا بين الغرب والشرق… وعلى هذا "يعيش لبنان".
لن افصّل هنا كتابات ميشال شيحا حول لبنان ونظامه، فهذا يحتاج الى بحث آخر لا مجال له الآن، لكن أشير الى أن النقاط الاساسية التي بني عليها النظام الطائفي في لبنان تتلخص بحيادية لبنان عن الصراع العربي الاسرائيلي، والانفتاح الكلي على الغرب ثقافة واقتصادا وعسكرة لا بل تحالفا الى أقصى الحدود بقصد الحماية من تبعات الصراع العربي الاسرائيلي ( وهنا أحد الكمائن المخفية في هذه الايديولوجية التبعية) بمعنى ان الحماية هذه تكون بالتصدي لحركة التحرر العربية في مواجهتها ضد الامبريالية والرجعية العربية، والتي تدرك هذه الطبقة البورجوازية الحاكمة، تمام الادراك، خطورة هذه الحركة على سيطرتها الطبقية.
كان هذا النظام الرأسمالي التبعي (ولا يزال) خبيثا جدا في تعاطيه مع الصراع العربي الاسرائيلي.
ادعى خوفه من احتلال الصهاينة لفلسطين، ومن تبعات هذا الاحتلال. لكن هذا الخوف لم يكن خوفا على فلسطين بل من حركات المقاومة التي سوف تنشأ في المنطقة وخاصة في لبنان جراء هذا الاحتلال. من هنا كان يصر دائما على تحييد لبنان ، وان حياد لبنان يجب ان يدعم بتبعية وحماية من الغرب عموما ومن الولايات المتحدة خاصة، بمعنى أوضح ، يكون هذا الحياد حماية للبنان ليس من اسرائيل بل من الفلسطينيين بالذات، الذين يشكل وجودهم خطرا على النظام البورجوازي التبعي وعلى لبنان.
وما كانت مقولة توزيع الفلسطينيين على البلاد العربية كي تتحمل مع لبنان العبء الفلسطيني الا دعوة لتشتيت الفلسطينيين في تلك البلاد (الخليجية) حيث يذوبون في محيطها وبالتالي تتم تصفية القضية الفلسطينية.
في الداخل اللبناني ، ولتدعيم سيطرته، كان لهذا الفكر التبعي "جهاز الدولة" الذي فصّله وقسمه بكل اداراته - طائفيا - ليكون خادما له في بسط سيطرته على كل القطاعات الاقتصادية والسياسية والعسكرية وحتى الثقافية في البلاد.
للطوائف ممثلين عنهم في السلطة التشريعية فقط، فنعمة لبنان الالهية، ان تتمثل "العائلة اللبنانية" بنواب، هم اصلا تابعين بدورهم لتلك الطغمة الحاكمة. فالفكرة هنا ان تعبّر الطوائف عما تريد في المجلس النيابي، عبر النواب الذين لن يصلوا اصلا الى السلطة التشريعية الا ضمن قوانين انتخاب طائفية ومناطقية مفصّلة من تلك الطبقة البورجوازية وعلى قياسها، وما هذا الا لمنع الطبقة الكادحة من التوحد في كتلة سياسية تنظم وعيها الثوري وتخرجها من سيطرة هذا النظام. وهذا يعني ان هذه الطبقة جعلت من شعب واحد طوائف ومن كل طائفة شعبا، بحيث كانت تشدد في ادبياتها على خصوصية كل طائفة مدعية ان في هذه الخصوصية غنى وعيشا كريما للبنان.
ولكي تتجذر سيطرتها اكثر، وخوفا من ان تقوى شوكة السلطة التشريعية في يوم من الايام ، كان للسلطة التنفيذية القرار الأول والحاسم في كل ما يتعلق بإدارة البلاد لا بل حصر كل السلطة التنفيذية في شخص رئيس الجمهورية الماروني ، بذلك كان لبنان اذن محكوما من طبقة مارونية هيمنت لسنوات على لبنان الى ان اندلعت حرب 1975.
لن ادخل ايضا في شرح تفاصيل نشأة تلك الهيمنة المارونية، او لماذا وكيف نشأت في الأصل، وكيف كانت ترى لبنان ماضيا وحاضرا ومستقبلا فهذا ايضا بحث آخر لا مجال له هنا ، ولكن اشير الى ان كتابات ميشال شيحا قبل الاستقلال وبعده هي خير دليل، وتوصيات وتقارير الرهبنة المارونية في الكسليك قبل الحرب وخلالها وكل ما تضمنت من تطلعات ونظريات طائفية ومذهبية وعنصرية والممتدة منذ ما قبل سنة 1860 تشهد وبما لا يقبل الشك على النهج السلطوي الذي كان متبعا طوال تلك الفترة وما زالت حتى اليوم رغم الحرب وويلاتها، ويمكن الرجوع اليها في ارشيف الصحف اللبنانية وهي كانت تنشر بالكامل في صحيفة "العمل" الكتائبية.
انفجرت الحرب اللبنانية في ال 75 بعد ان تأجلت قبلا عدة مرات، لأسباب اقليمية ودولية ، ولشروط تاريخية لم تكن قد نضجت بعد.
والحرب كانت اهلية في الصميم وبين طبقة مقهورة وطبقة مهيمنة، التي بدورها اخفت حقيقة هذا الصراع وجعلته طائفيا بين مسيحية غربية حضارية و اسلام عربي متخلف .
لم يمر على الحرب الا سنة واحدة حتى كانت "الحركة الوطنية" تسيطر على معظم الأراضي اللبنانية.
هرعت "الجبهة اللبنانية" الى دمشق، استنجدت بالأسد.
كانت حسابات حافظ الأسد مختلفة عما رُوِّج له حينها انه دخل لبنان لحماية المسيحيين، كان الأسد يخشى من ان تسحب مصر السادات ، منظمة التحرير معها الى مفاوضات مع الاسرائيليين خاصة بعد نجاح مفاوضات سيناء التي انتقدتها دمشق بشدة، كما كان يشعر بالتقارب بين الرئيس سركيس وياسر عرفات الذي كان يحاول تصحيح العلاقة بينه وبين الحركة الوطنية وبالتالي اخراجه من الدائرة السورية….
دخل الجيش السوري لأول مرة لبنان في ربيع 76، ضرب الفلسطينيين والحركة الوطنية التي واجهته بشراسة واوقفته في "بحمدون" وفرضت عليه مرحلة استنزاف، فعمد السوريون إلى إشغال القوات المشتركة في الجنوب والجبل، لمدة تزيد على الشهر. كما بادر إلى الإسناد، المدفعي والصاروخي، للقوات الانعزالية، في كثير من الأحيان. مما أنعش قوات "الجبهة اللبنانية"، وشجعها على مهاجمة مَواقع القوات المشتركة، في تل الزعتر وجسر الباشا والنبعة. واللافت أن إبادة مخيمَي تل الزعتر وجسر الباشا، هو دليل على تأصيل سياسة التقسيم، إذ للمرة الأولى، يصبح للموارنة منطقة مغلقة… الى ان جاء مؤتمر الرياض في 16 اكتوبر 1976 ليشرع دخول الجيش السوري ضمن ما سمي بقوات الردع العربية، ثم زكي القرار في اجتماع القمة العربية بالقاهرة في 25 اكتوبر 1976.
هدأت الاوضاع الأمنية نسبيا، عكره في آذار 77، اغتيال كمال جنبلاط (الاقطاعي والاشتراكي معا الذي ادار الحركة الوطنية كما يشتهي ياسر عرفات ذاك الذي كانوا يسمونه «رمز فلسطين». كان على وشك أن يبيع كل فلسطين لإرضاء كلينتون ومشيخات النفط، طالت أعمارهن. هذا الذي وكلته الأنظمة العربية الرجعية مهمة قيادة الثورة الفلسطينية للقضاء عليها. هذا الذي ترك الدحلان وأبو مازن وراءه. هو نصّبهم. كان بارعاً في إبعاد المناضلين الأنقياء، -جورج حبش، شفيق الحوت وأبوماهر اليماني نماذجاً - وفي تقريب الفاسدين. تسهل السيطرة على الفاسدين، كان يقول بتهكّم ، ربما كان يقصد "خيبتنا الأخيرة" محمود درويش ).
لكن ما ان وطأت قدم الاسرائيلي جنوب لبنان في آذار 78(عملية الليطاني) حتى كشف اليمين الانعزالي عن وجهه وبدأ بالتصعيد ضد الوجود السوري في لبنان ، خاصة بعد الحديث عن تقارب مصري اسرائيلي.
ادت الممارسة السياسية للفريق اليميني (والذي بدأ يجاهر على لسان كميل شمعون وبشير الجميل -الذي بدأ نجمه بالصعود- بالتعامل مع اسرائيل تحت مسمّى "الشيطان") الى انشقاق سليمان فرنجية (الجد) عن الجبهة اللبنانية ، تلا ذلك احداث في الشمال بين الكتائب وميليشيا فرنجية، فكانت عملية اهدن حيث قتل نجله طوني مع عائلته ونجا الطفل الحفيد سليمان. ثم استكمل التصعيد ضد السوريين في المناطق الشرقية بحجة "تحريرها" فكان صيف تلك السنة ملتهبا، عرف بحرب "المئة يوم".
تزامن كل ذلك مع حدثين اقليميين بارزين : الثورة الايرانية ومحادثات كمب دافيد. هنا دخل الصراع في لبنان مرحلة جديدة اثر انقلاب الطغمة الحاكمة على الفريق الذي حاول منع لبنان من الانزلاق الى المعسكر الاسرائيلي.
ضاعت بذلك الفرصة الأولى!
استكمل الفريق الانعزالي خطته التقسيمية في بسط سيطرته على "المناطق المسيحية"، وعملا بنصيحة بيغن لبشير الجميل حول "التعددية السياسية والوحدة العسكرية" قام الاخير بتصفية "نمور الاحرار" فخرج خصمه داني شمعون من المناطق الشرقية ، فتمت بذلك مقولة "أمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار" عبر الانطلاقة الرسمية لما سمي "القوات اللبنانية"، الحجر الاساس لمشروع تقسيم لبنان وفقا لأيديولوجية الرهبنة المارونية، والتي بدأ قائدها يحضر نفسه اقليميا بدعم اسرائيلي واميركي خاصة بعد حرب "زحلة".
في الجهة الاخرى كانت الصراعات العربية ولا سيما السورية العراقية والمصرية تترجم على الأرض حروبا بين مختلف التنظيمات، وكان عرفات يزرع "الدكاكين" الحزبية ويغري حلفاءه بالأموال الخليجية، ويلعب على التناقضات فأمسك بالحركة الوطنية وبات الآمر والناهي الوحيد فيها، كما ضرب الفساد "حركة فتح" والتنظيمات العرفاتية، التي اصبحت تجاوزاتها لا تحتمل، خاصة في الجنوب الى ان جاء الاجتياح الاسرائيلي عام 82 لتضيع معه الفرصة الثانية.
فيما كان الاسرائيليون يشنون اوسع حرب منذ 73 . كانت "الجبهة اللبنانية" مع الرئيس سركيس وجوني عبده يروجون بشير الجميل كمنقذ اوحد للبنان حسب اجندة اسرائيلية ، خرج المسلحون الفلسطينيون من لبنان، انتخب بشير براية اسرائيلية، شعرت الطغمة الرأسمالية بالارتياح اذ خرج "الغريب" من لبنان ، فتحابب اللبنانيون من جديد وانتعشت الايديولوجية اللبنانية البورجوازية (صائب سلام نموذجا) فكأن الزمن عاد الى ميثاق 43.
لم يستمر هذا الوضع طويلا، فبينما كانت المقاومة الوطنية اللبنانية تدك العدو الصهيوني في بيروت والجبل والجنوب اغتيل بشير الجميل في عقر داره وارتكبت مجازر صبرا وشاتيلا انتقاما له وانتخب اخوه أمين بـعد تمثيلية ترشح كميل شمعون وانسحابه، ليبدأ عهد "الكتائب" في الحكم…. فضاعت بذلك الفرصة الثالثة.
من أسوأ العهود الرئاسية التي مرت على لبنان تمثل في عهد أمين الجميل، فيه تم "اتفاق 17 أيار" وحرب اسقاطه، وقدوم القوات المتعددة الجنسيات وخروجها مهزومة، وحرب الجبل التي استطاع خلالها المقاومون مع القوات السورية فتح طرق الامدادات الى بيروت والجنوب، وهجّر خلال تلك الحرب وما تبعها في شرق صيدا آلاف المسيحيين، بعد مجازر بين قوات وليد جنبلاط و"القوات اللبنانية"… ثم انتفاضة 6 شباط، وانتفاضات في المناطق الشرقية ضد ميليشيا الجميّل ، والاتفاق الثلاثي الذي جوبه بشراسة من قبل قوات سمير جعجع ، فحرب المخيمات ، وحروب تصفيات ضد احزاب علمانية في المناطق الغربية من بيروت بالتزامن مع صعود صبحي الطفيلي، وحركات اسلامية متشددة، وحرب عون ضد السوريين وانقسام الفريق المسيحي في حرب الغائية بين عون وجعجع… الى ان انتهى العهد بحكومتين تتنازعان السلطة … ثم الى اتفاق الطائف الذي انهى في 13 تشرين الأول 1990 و بالقوة العسكرية السورية، الحرب اللبنانية !!!.
لم يكن الطائف سوى اعادة انتاج للنظام الذي انهار في سنوات الحرب مع فارق بسيط هو في تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية "الماروني" ونقلها الى رئيس الحكومة السني، اذ ذاك انتقلت الهيمنة في الفريق البورجوازي المسيطر، من الموارنة الى السنّة برعاية اميركية ومباركة من الأنظمة العربية الرجعية، ومن النظام السوري.
الأضرار التي اصابت الشعب اللبناني خلال الحرب اصابت معها فئة معينة من الطغمة الحاكمة ، اعني الفئة المارونية، التي فقدت في حقل الصراع الطبقي، موقع هيمنتها في طبقة الفكر المسيطر، فلجأت الى المزيد من الانعزال والتقوقع وشد عصب الشارع ضد ما اسمته "الهيمنة السورية" فيما الحقيقة، انه وبسبب فقدانها لموقع هيمنتها، ازدادت هذه الفئة تصلبا وشراسة في الاقتناع بأيديولوجيتها التقسيمية وبالمشروع الفدرالي للبنان، خاصة بعد ان اصبحت الحياة السياسية تسير وفق هيمنة أخرى والتي سميت آنذاك "الحريرية".
لكن اقصاء هذه الفئة، او غيابها، أفسح في المجال امام مجموعة أخرى من "البورجوازيين الجدد" (الذين كسبوا مواقعهم خلال الحرب واستفادوا من اللعب على التناقضات) بالحلول مكانها او قل، أريد لها ان تأخذ الموقع الشاغر، لتكتمل لعبة التوازنات الطائفية الداخلية. وهذه الفئة التي من المفترض انها مناوئة للفئة المعزولة، غرقت في بحر السلطة واغراءاتها، وانتقلت اليها عدوى الفساد، ولم تعد تمثل تطلعات القاعدة الشعبية التي منها انطلقت، فالمال "الحريري" أمسك برقاب اللبنانيين ولقمة عيشهم، وجعل من مجالس الوزراء مؤسسة من مؤسساته تابعة في كل قرارتها وخاصة الاقتصادية منها الى الرأسمالية الغربية وأنظمة الخليج الرجعية.
وبالرغم من مشاريع اعادة الاعمار وما سمي بـ "الربيع اللبناني" الذي بلغ فيه الدين العام ما لم يبلغه من قبل ، كان الشكل الطائفي هو الأبرز في الصراع داخل السلطة وعليها، وبلغ معه الفساد وتجاوز القوانين و"الأعراف" حدا لا يوصف، اصبح الشعب بذلك، يرزح تحت تلك السيطرة التي بدورها تتصارع فئاتها بعضها مع بعض لتفرض واحدة منها هيمنتها، بهذا النهج كان النظام الطائفي يعيد انتاج نفسه عبر دولة طائفية بها يتأبد.
في ظل هذا النظام اختفت الاسباب الداخلية للحرب الأهلية، وهي تختفي باستمرار، كما كانت تخفي سابقا الطغمة المالية الحاكمة كل ما يتعلق بوجود ازمة اجتماعية واقتصادية منذ "تصميم " هذا الكيان المسخ.
وفي ظل هذه الأجواء، كانت المقاومة هي النقيض لما كان يجري في على مسرح السلطة، ربما كان هذا المسار المقاوم قد جعل التاريخ ينتقم للغدر الذي اصاب منطقه، فما ان جاء اميل لحود وتحرر الجنوب حتى تشنجت العلاقات السياسية داخل السلطة خاصة بعد وفاة حافظ الأسد.
هنا انقلب فريق اعتاد تاريخيا الغدر والانقلابات.
بدأت معزوفة الاحتلال السوري او الوصاية السورية تعم اوساط البورجوازية الحريرية واتباعها، حتى انجذب اليها كل من كان مبعدا او مقصيا او منسيا، باتت الليبرالية العربية نعمة يتغنى بها كل ذيل من اذيال النظام البائس، الى ان انفجر الوضع في 14 شباط 2005.
منذ عام 2005 والوطن في جنازة، انقسم لبنان انقساما خطيرا، فقد الشعب ذاكرته، او الاصح افقدوه الذاكرة، باتت سوريا وايران العدو، والخليج واسرائيل اصدقاء، اصبح المقاوم ارهابيا والخائن يسرح ويمرح .
منذ 2005 استعر اللعب على الغرائز والعواطف، ابتدأ العمل لإضعاف المقاومة وانهائها سواء مباشرة كما في 2006 و 2008 او عبر ضرب سوريا وبعدها ايران.
نسي الناس ماذا كان يقول هؤلاء في زمن ما سموه "الوصاية السورية"، نسي الناس ان هؤلاء جميعا ما كانوا وصلوا الى الحكم لولا تلك "الوصاية"!!!.
وكم هو مؤسف حال المقاومة حينما دخلت لعبة السياسة الداخلية معتقدة انها قادرة على جمع القادة السياسيين من خلال الحوار والتوافق، فاذا بها تطعن من الخلف ومن الامام وبكل وقاحة ومجاهرة من الفريق الآخر خاصة في الآونة الأخيرة وعلى لسان مارشال النظام الذي وصل الى الرئاسة على ركام مخيم نهر البارد وجثث اهله.
هذه المقاومة التي ترفعت فوق جراحها عام 2000 ولم تتعرض بالأذى لأي عميل بعد التحرير باتت منذ 2005 مستهدفة من تلك الطغمة السلطوية المتحكمة بالبلاد.
هذه المقاومة التي تدافع عن وجود هذه الأمة في الجنوب والشام في حرب كونية، مدعومة برجعية عربية، يبصق في وجهها سمسار رقص فرحا امام "هبة ملك مملكة الخير"!!!
ان اي مقاومة في التاريخ لم تفاوض او تساوم مهما تعرضت للضغوط. عندما دخلت المقاومة الفرنسية باريس، لم تساوم او تفاوض! أعدمت كل عميل مع النازية في الشوارع والساحات دون محاكمة وقلبت نظام فيشي وأخذت الحكم!
كان على المقاومة بعد التحرير ان تقلب النظام من اساسه لا ان تدخل فيه. كان عليها ان تجر تلك الطغمة الحاكمة ومعها صولانج الجميل (التي كانت تطبخ لشارون) الى وادي الحجير واعدامهم جميعا رميا بالرصاص والحجارة ودون محاكمة!
سنحت لها الفرصة في 7 أيار 2008 لكنها تراجعت مفضلة التوافق والحوار.
اي حوار او توافق يستقيم مع هؤلاء الذين ذكرناهم؟ أليسوا هم من كان فريق المقاومة والممانعة منذ 2005 يصفهم بالخونة والعملاء؟
أليسوا هم من كان الفريق الممانع يملأ الشاشات والإذاعات بالخطابات النارية وكشف كل ما كان مستورا ضدهم؟
أليسوا هم من أدخل السلاح الى سوريا لدعم الارهاب هناك؟ أليسوا هم من يصبون غشيعيا،ى المقاومة ويفجرون دارها بسبب تواجدها في سوريا؟
كيف نتحاور اذن؟ وعلى ماذا؟
ربما نسيت المقاومة ان الصهاينة تجاوزوا الخط الأزرق وباتوا في عكار وطرابلس من حيث جاء أشرف ريفي وزيرا للعدل!
وقعت المقاومة في الفخ المذهبي ضمن اللعبة السياسية داخل هذا النظام. أصبح كل مقاوم بعبعا شيعيا ، هذا ما تروجه "الليبرالية" العربية!
سعد الحريري يشدد ان اللبنانيين متحابون في ما بينهم ويحبون الحياة والحياة تحبهم، لولا "الشيعي" والفلسطيني والسوري اي الغريب!
الطغمة الليبرالية (الشريكة في الحكومة الموقرة) لا تتحدث الا عن دور شرير للمقاومة الفلسطينية ولسوريا وإيران، فقط واضافت مؤخرا النازحين السوريين على اللائحة. إسرائيل لم تغزو لبنان في 82، كانت في نزهة سياحية، لخمس دقائق من الساحل الى الجبل، أليست هذه ميزة لبنان التاريخية والجغرافية؟
لا يرد ذكر إسرائيل في فكر الطغمة الحاكمة الا للمزايدة الرخيصة . فقط «الفلسطيني» الذي وعد السنيورة بإرجاعهم إلى مخيم نهر البارد في القريب العاجل، هم السبب في بلاء لبنان.
علينا أن نسلّم، وفق رؤية محبي الحياة، بالرواية الإسرائيلية الرسمية عن المتآمرين على لبنان، وهي على وشك أن تدخل إلى المنهج التربوي المقرّر )بحسب وزير التربية زوج جوليا بطرس والذي يريد تصنيف بشير الجميل في خانة الشهداء). قد يُسأل الطالب في لبنان عما قريب عن تعداد المتآمرين على لبنان، وعلى الناجح أن يبدأ بأنطون سعادة و عبد الناصر لينتهي بالمحور السوري ـــ الإيراني، فقط. وسيرسب من يتهم إسرائيل.
وبحسب هذا "الشريك في الوطن" ، الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تفاقمت وعجّلت في اندلاع الحرب 75)) تبخّرت.
الليبرالية اللبنانية البورجوازية تركّز على ما كان من بحبوحة و ازدهار قبل الحرب. كم ازدهر جنوب لبنان تحت الغزوات الاسرائيلية المستمرة آنذاك. كانت الذروة في الازدهار مستشرية في جنوب لبنان، وفي عكار أيضا.
العمال كانوا يحسدون على اوضاعهم، لم يُضربوا ابدا من قوات السلطة، ولم يثُر مزارعو التبغ، ولم ينتفضوا في الجنوب على الإقطاع، ولم يثر صيادو الاسماك ضد احتكار شركة "بروتين" …
معروف سعد انتحر عن بعد.. وعمّال معمل غندور ضربوا أنفسهم ظنوا انهم في "عاشوراء"، لم يقاتل مسيحيون ومسلمون في صفوف الثورة الفلسطينية. جورج حبش كان وهابيا وكمال ناصر مجوسيا ايرانيا.
والذبح على الهوية كانا جزءاً من مؤامرة سورية ـــ إيرانية للإيقاع بين اللبنانيين.
كما يطمس هذا "الشريك" ما حدث في المناطق الشرقية من بيروت على يد المليشيات، حروب بشير الجميل، بإيعاز إسرائيلي، لتوحيد القوى في شرق بيروت كانت مرسومة من طهران.
لا، لم يتحارب اللبنانيون في ما بينهم، بل الغريب العربي (الفلسطيني) ، شن عليهم الحرب ، لأن الغريب الغربي والإسرائيلي بريء.
يريد هذا الفريق ان ننسى أن رفيق الحريري كان رفيقاً لجوني عبده وإيلي حبيقة وداوود الصايغ وزاهي البستاني. ألم يسعَ هؤلاء، بالإضافة إلى الحريري نفسه، يوم كان يعتمر الغترة والعقال (اي عندما قدم نفسه اول مرة لإعمار بيروت في اول عهد امين الجميل)، إلى تطبيق اتفاق 17 أيار؟ أي إنهم سعوا نحو القرار 1559 قبل نحو عشرين سنة من صدوره؟
يريدون ان نصدق ان حرب الجبل لم تقع وان الحركة الوطنية لم تكن في لبنان، ولم تعرض برنامجاً مرحليّاً. ربما حدث ذلك في سردينيا مقر اقامة الحريري اثناء اجازاته المريبة. ويريدون ان نصدق انه لم ينخرط لبنانيون في صفوف المنظمات الفلسطينية. كان كل أعضاء المنظمات الفلسطينية من الفلسطينيين فقط، بالإضافة إلى الصوماليين والسودانيين، حتى بوسطة عين الرمانة، أصبح من قتل فيها فيلقا مسلّحاً، ربما تحولت البوسطة الى غواصة نووية، لم لا؟
السبت الأسود حادث فردي ربما، او كان انتحارا جماعيا بسبب سوء الاوضاع المعيشية التي كان يعاني منها العمال في المرفأ.
القمع الذي مارسه أمين الجميل ذهب بأنهار الدموع التي طافت وقت اغتال نجله بيار، هنالك اليوم من يروج لترشيحه للرئاسة ولم لا؟ اليس بيار شهيد الوطن والعائلة؟ لا أحد يتجاوز مهارة هذه الطغمة في استثارة العواطف والدموع.
لا لم ترتكب ميليشيات الكتائب والأحرار مجازر طائفية وإثنية بحق مسلمين وفلسطينيين في شرق بيروت، لم يحدث هذا على الإطلاق. كان هذا جزءاً من دعاية خبيثة ضد وطن البحر والجبل والتبولة والحمص.
كم من فرصة علينا ان نضيّع بعد كل هذه السنوات من النضالات والتضحيات؟ الا تكفي الفرص التي ضاعت في السابق؟
اي مصلحة وطنية وراء الدعوات الى الحوار ومد اليد الى الآخر؟
اين المصلحة الوطنية في الدعوات الى المشاركة في الحكم والحكومة؟
كيف يتشارك نقيضان متصارعان في الحكم ؟
صراع التناقضات على الساحة اللبنانية والمنطقة وصل في ذروته ان يكون صراعا على الوجود! منطق التوافق المطروح ليس الا هروبا من منطق الصراع او بالأحرى تأجيل الانتقال الثوري للمجتمع من مرحلة تاريخية الى مرحلة تاريخية اخرى، بمعنى آخر ، امام منطق الهروب هذا، يقف التاريخ عاجزا عن تحقيق منطقه العنيف والكاسح . هذا المنطق هو نفي لكل ما سبقه من حملات التحريض والتجييش، والفضائح والتخوين، والرد والرد المضاد، والمسيرات وضدها… والنقاط على السطر وتحته وفوقه ومنطق الهروب هذا، له أدبياته او لنقل مبرراته يختبئ بها و يخفي بها حقيقة الصراع بين النقائض فيصير التناقض في الظاهر فقط او يزول التناقض بتماثل النقيضين .
فما معنى ان النار سوف تطال الجميع؟ او ان السقف سوف ينهار فوق الجميع؟ او ان لا احد يستطيع الغاء الآخر؟ او لا غالب ولا مغلوب؟ ولا تحاولوا والا؟ ولا حل الا بالحوار! او حفاظا على البلد؟ وان اللبنانيين مهما تقاتلوا فلا بد ان يتحاوروا! او هذه البدعة لا منتصر الا لبنان!!!الخ…وغيرها من هذه الزجليات التحاببية حول التبولة والكبة. كل هذه الدعوات استغباء للفكر وللمنطق الثوريين، هي نفي قاطع للتاريخ ولتطور المجتمعات ونهوض الامم ! لا! هناك دائما غالب ومغلوب، منتصر ومهزوم، وفي كل صراع ، اي صراع كان، سموه ما شئتم، فكري، طبقي ،عشائري، قومي، اممي… في اي صراع كان، هناك منتصر ومهزوم، هذا يعني ، ان الحالة التي وصلنا اليها وبحسب منطقها لا بد من التصادم… لا بد من القطع !! ولم لا؟ فليكن!! ولتخرب البصرة!! ام انكم في انتظار مكرمة ما او طائف آخر، فيتأجل موعد التاريخ؟
مخيف ما نراه اليوم، شباب عقيم يستفرغ مذهبيته في الزواريب، يتذابح في الشوارع، يكفر في المعابد. الاوثان معلقة، بارزة على الرقاب في السيارات في الساحات فوق الابنية في الجامعات… وفي البراد…
صيدا اصبحت كابول وطرابلس قندهار، عكار امارة للشيشان وبيروت سكرانة في حفلة جنسية جماعية بين القبور.
مخيف تفشي الفقر كالسرطان، مخيفة الجرائم اليومية، المخدرات يلعب بها الاطفال ، مخيفة المدرسة، والجامعة، والعنصرية المقيتة والجشع المتوحش ، وفاتورة الكهرباء، واغتصاب الاولاد …
مرعبة الجريدة وشاشة التلفاز ، شعب "وينا الدولة" يئن تحت الدعس، يصرخ وينبح، وينهق، ثم يأتي بنفس الحكام، هذه عبقرية، تنوير ونتاج الكبة النية في بلاد الزنزلخت والبلوط.
مخيف هذا الانحدار، وانتحار المثقف وتصوّف فكر الثوار، مرعبة هذه السلطةُ، هي فوق الرفض وفوق النقض، سيفها على الرقاب مسلّطٌ، يكبّل العقل، يرهب الروح ويئد الجسد! والرقاب خاضعةٌ، راضية.
نحن شعب مختصر بدكان وزاروب ، كتابنا بندقية وسكين، نحشش بأوراق القرآن والانجيل ، ونعبئ رؤوسنا جثثا مقطّعة، ثم نعود... للانتخاب.
نحن وطن معلّق على زحطة زعيم في الحمّام!!
مخيف نسيان تلك الحرب… لا بد من فرصة أخرى … لا بد من الحرب … انه منطق التاريخ!!