تقرير استراتيجي : تدخل أمريكا في الجهاز السياسي الصهيوني


فيما يلي تقرير استراتيجي صادر عن معهد البحوث والامن القومي الصهيوني قبل عدة أيام، يتناول فيه تأثير
حجم الخط
فيما يلي تقرير استراتيجي صادر عن معهد البحوث والامن القومي الصهيوني قبل عدة أيام، يتناول فيه تأثير السياسة الامريكية على صناعة القرار في دولة الكيان الصهيوني، نضعه هنا كما ورد من المصدر : تدخل الولايات المتحدة في الجهاز السياسي الاسرائيلي: تجربة الماضي ونظرة الى المستقبل* دافيد أ. فاينبرغ مدخل أبرزت زيارة رئيس حكومة اسرائيل بنيامين نتنياهو لواشنطن في أيار 2011 فروقا عميقة بين مواقف ادارة الولايات المتحدة ومواقف حكومة اسرائيل. وأعطت الزيارة قاعدة لتقدير من جديد أن الرئيس براك اوباما يأمل في سريرته اسقاط حكومة نتنياهو اليمينية. وساد هذا التقدير في السنة الاولى من ولاية اوباما. ففي خلالها زعم بعض الباحثين ان الضغط الذي استعملته الادارة في الولايات المتحدة على اسرائيل في شأن المستوطنات كان في جزء منه محاولة لابعاد نتنياهو عن منصبه أو للضغط عليه ليُدخل حزب المركز "كديما" في ائتلافه. ومع هذا خمد هذا الحديث منذ اللحظة التي تبنت فيها الولايات المتحدة موقفا أكثر مهادنة في منتصف السنة الماضية. ان واحدة من الطرق الممكنة لتقدير احتمالات تدخل امريكي في سياسة اسرائيل الداخلية في هذا الوقت هي ان نستعرض محاولات تدخل سابقة. فقد تكررت محاولات من هذا القبيل في سياسة الولايات المتحدة تجاه اسرائيل في سبعينيات القرن العشرين وإن كان لم يجر حتى الآن فحص منهجي عن هذه المحاولات. ويفاجيء هذا النقص بصورة خاصة على خلفية الانتباه الشديد لجهود اسرائيل وجماعات ضغط موالية لاسرائيل للتأثير في سياسة الولايات المتحدة في المنطقة. لكن ما الذي تعلمنا إياه تجربة الماضي عن جهود ممكنة للولايات المتحدة لتصوغ سياسة اسرائيل الداخلية اليوم؟ تعتمد هذه المقالة على أرشيفات في الولايات المتحدة أُبيح نشرها في المدة الاخيرة وعلى مقابلات مع أكثر من خمسين خبيرا تناولوا النقص الذي تحدثنا عنه آنفا. ان هدف المقالة ان تؤسس نظرية عامة في شأن تدخل من طرف واحد من الولايات المتحدة في سياسة اسرائيل الداخلية يرمي الى تقوية اشخاص أو احزاب ما على آخرين. سنعرض في البدء تعريف التدخل من جانب واحد ويُثبت السياق الذي يحدث فيه بعرض امثلة متنوعة – لحكومة اسرائيل وحكومات اخرى والولايات المتحدة. وكذلك سيُعرض توثيق شامل لتدخل امريكي في سياسة اسرائيل الداخلية على مر السنين. وبعد ذلك سيُعرض تصور عام ينحصر في أداء الرئيس واعتقاداته باعتبارها عوامل تفسر مبلغ احتمال هذا التدخل. وبعد ذلك سأفحص لماذا تميز خصائص ما لتدخل من طرف واحد هذا التدخل عن مجالات اخرى لعلاقات اسرائيل بالولايات المتحدة حيث تميل قوى امريكية داخلية – مجلس النواب وجماعات الضغط والمصالح التنظيمية للبيروقراطية – الى استعمال تأثيرها. السياق الذي يتم فيه التدخل من طرف واحد ان سياسة الدولة الخارجية ترمي في احيان كثيرة الى التأثير في سلوك حكومات اخرى، واحيانا يخلص ناس كبار الشأن الى استنتاج ان المسار الأضمن لاحراز نتائج يمر عن طريق السياسة الداخلية للحكومة الاخرى. وبرغم ان هذا السلوك يعتبر اخلالا بسيادة الدولة، فان العدول عن مبدأ السيادة يجري على العلاقات الدولية ايضا. تتناول اسرائيل ايضا هذا النوع من التدخل بين الفينة والاخرى كمحاولتها مثلا ان تجند وسطاء موالين من بين الفلسطينيين. وقد سبق هذا السلوك اقامة دولة اسرائيل وجذوره موجودة في أيام بدء الاستيطان. في السنتين 1972 و1976 أرادت حكومات حزب "العمل" رعاية شركاء فلسطينيين بواسطة انتخابات السلطات المحلية في يهودا والسامرة، وبعد ذلك أراد "الليكود" ان يفعل هذا بأن يستبدل روابط القرى بهذه الجهات المدنية. وقد تعاون الحزبان اللذان كونا حكومة الوحدة الوطنية في منتصف الثمانينيات لتعزيز تأثير الاردن في الضفة الغربية. وبعد تولي حماس الحكم في غزة في سنة 2007 بادرت حكومة اهود اولمرت الى تأييد قادة فتح مثل سلام فياض ومحمود عباس. ليست الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي استعملت هذه السياسة مع اسرائيل. فقد حاول رئيس فرنسا ميتران ان يعزز صديقه شمعون بيرس في انتخابات 1981 و1988. وأراد طوني بلير إذ كان رئيس حكومة بريطانيا أن يقوي حزب العمل الاسرائيلي في السنتين 1999 و2003. وحاول مسؤولون مصريون كبار ان يؤثروا في نتائج الانتخابات في اسرائيل في السنوات 1981 و1988 و1999. وهكذا فعل الاردن ايضا في السنتين 1988 و1996. وأيدت هذه الدولة مرتين في الأقل حتى مرشحي الليكود لمنصب رئيس الحكومة: فقد أيد أنور السادات مناحيم بيغن في سنة 1981 وأيد الملك حسين نتنياهو في 1996. حالات تدخل مفرط من الولايات المتحدة قُبيل الانتخابات في اسرائيل في سنة 1996 ظن الرئيس كلينتون ان فوز الليكود سيهدم مسيرة السلام بل أصيب بذعر حينما خسر "العمل" تفوقه الأولي في أعقاب عمليات حماس الانتحارية في شهري شباط وآذار من ذلك العام. وقد ساعد فريق كلينتون على تنظيم قمة في شرم الشيخ كانت ترمي الى تجنيد دعم يضاد الارهاب وان تعرض على رؤوس الأشهاد صورة مشتركة مع المرشح بيرس. وبحسب كلام أحد مساعدي كلينتون، كان تعزيز بيرس غاية عقد المؤتمر. بعد ذلك نقل كلينتون بيرس جوا الى اسرائيل في طائرة "إير فورس 1" كي يستطيع الاثنان ان يخطبا معا في مسيرات من اجل السلام، ولضمان منح مساعدة امريكية اخرى عند مجيء بيرس الى واشنطن بعد ذلك بزمن قصير. وكان البيت الابيض على صلة دائمة بفريق بيرس الانتخابي، ونسق معه الرسائل الى الجمهور كي يحرز أقصى تأثير سياسي. وكان هناك مثال حاسم آخر هو استعمال الرئيس جورج بوش (الأب) في سنة 1992 منح ضمانات القرض السكني (اتش.ال.جي.اس). فبحسب زعم اشخاص اسرائيليين من اليمين وفي رأي عدد من المؤرخين، كان هدف ادارة بوش ان تصرف الليكود عن السلطة لكنهم لم ينجحوا في البرهان على هذا الزعم. لكن يتبين ان هذا كان الهدف. فأولا تدل مذكرات امريكية على ان وزير الخارجية جيمس بيكر ألح بصراحة على محادثين للاسرائيليين على الاستمرار في احياء مسار التفاوض الذي تلا مؤتمر مدريد لتعزيز معسكر السلام في الانتخابات التي كانت تقترب في اسرائيل. وثانيا تركت الادارة على وعي القدس خارج الدعوة الى تجميد الاستيطان خشية ان يقتل هذا رابين. وثالثا اعترف مسؤول رفيع المستوى سابق في مجلس الامن القومي تولى العمل في الفترة المتحدث عنها، اعترف في المدة الاخيرة علنا بأن بوش ومستشاريه من مجلس الامن القومي شعروا بأنه "يجب علينا ان نتخلص منه (من شمير)، و(بلورنا) على علم استراتيجية استعانت بمسار منح ضمانات القروض السكنية... وكان من وراء الاجراء تفكير عميق فحواه ان يؤثر هذا في الرأي العام في اسرائيل. و(نحن) رجحنا الكفة المقابلة لشمير". وعملت الولايات المتحدة ايضا على افشال نتنياهو بعد فترة ولايته الاولى لمنصبه. فقد أصدرت تهديدات فحواها ان المساعدة الامريكية الموعودة بها اسرائيل في اطار "اتفاقات واي" لن تعطى اذا انتخب من جديد رئيس الحكومة الذي نقض التزامه بحسب الاتفاق. وضغطت الادارة على عرفات ليؤجل اعلان استقلال فلسطيني خُطط للادلاء به قبل الانتخابات في اسرائيل، وساعده واحد في الأقل من مستشاري الحملة الدعائية الخارجيين لاهود باراك، في اسرائيل بطلب (غير رسمي) من رئيس الولايات المتحدة. أنماط متعارضة لم تكن جميع جهود الولايات المتحدة لصياغة السياسة الاسرائيلية مستقيمة وسافرة جدا. وتوجد أمثلة كبيرة من هذه الجهود أكثر اعتدالا. بعد حرب لبنان في 1982 كان اريئيل شارون "شخصا غير مرغوب فيه" في واشنطن مدة عشر سنين على الأقل، ولاءم مسؤولون امريكيون كبار في احيان متقاربة بين سياساتهم كي يضمنوا ألا تجدي عليه افعالهم على غير عمد. وقد بحثت ادارة بوش الأب في 1989 "كيف تساعد على تعزيز مكانة رابين في اسرائيل"، وبخاصة في المجلس الوزاري المصغر. وقد استدعى شارون نفسه رسالة جورج بوش (الابن) اليه في شأن الكتل الاستيطانية كي تخدمه في المجلس الوزاري المصغر في موضوع الانفصال. وكانت زيارة بوش لاسرائيل بعد مؤتمر أنابوليس فورا قد تُفسر بأنها وعد بمساعدة اولمرت قبل نشر تقرير فينوغراد. لم يهب رؤساء الولايات المتحدة على كل حال لمساعدة حزب العمل برغم اشمئزازهم من اليمين الاسرائيلي. وقد كتب مستشار الرئيس رونالد ريغان، هاورد تيكر في مذكراته ان قرار الولايات المتحدة في سنة 1983 على السماح بمنح رخص لنقل تقنية لمشروع "لافي" كان يرمي الى تعزيز موشيه آرنس في مواجهة شمير وليفي في حزب الليكود. وتدل تفضلات تأييد الرئيس بوش على شارون واولمرت على أنه برغم ان الولايات المتحدة لم تمل الى تأييد الليكود في العقد الماضي، فانها لم تؤيد ايضا احياء حزب العمل. قال الرئيس جيمي كارتر لمجلس الامن القومي انه لو كان اسرائيليا، فمن شبه المؤكد أنه كان سيصوت للحركة الديمقراطية للتغيير التابعة ليغئال يادين احتجاجا على هيمنة حزب العمل. قطعت فضيحة مونيكا ليفنسكي كما يبدو محاولات الادارة التأليب على نتنياهو في مراحل حكمه الاولى، كما كان الرئيس كلينتون يرغب في ان يفعل. وأفضت حروب اقليمية في السنين 1983 – 1984 و1990 – 1991 بالولايات المتحدة الى مضاءلة تدخلها في السياسة الاسرائيلية برغم خيبة أمل عميقة من سياسة الحكومة برئاسة الليكود. وان تمسك الرئيس كارتر بتقديم المسيرة السلمية قد جعله، وبغير عمد يضر باسحق رابين في الانتخابات بدل ان يساعده في منافسته خصمه مناحيم بيغن. هل يمكن تدخل امريكي في السياسة الاسرائيلية اليوم ايضا؟ قد يزعم الشكاكون أن تدخل الولايات المتحدة من طرف واحد لا يتوقع ان يحدث اليوم لأن امريكا تدخل سنة انتخابات رئاسة. والتصور السائد منذ ايام خلت ان رؤساء الولايات المتحدة يعلقون في هذه الفترات نشاطهم في شأن المسيرة السلمية في الشرق الاوسط ولا يبدون استعدادا لاستعمال ضغط على اسرائيل. ومع هذا ينبغي ان ننظر الى هذا التصور بقدر ما من التحفظ. يكون لسنة انتخابات احيانا تأثير أقل واحيانا تأثير يزداد في حالات يشعر فيها الرئيس بأنه يلتزم تركته في المنطقة التزاما شخصيا. لم تمنع انتخابات الرئاسة نشاطا امريكيا في مسيرة السلام في السنين 1988 و1992 و1996 و2000 و2008، ولم تمنع ايضا محاولات تأثير في السياسة الاسرائيلية. وبرغم ان سنة 2000 كانت سنة انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة، اشتغل بيل كلينتون بمعركة لصوغ ونشر الاجراءات في كامب ديفيد لمنع انهيار حكومة سلام رئيس الحكومة اهود باراك. وكانت جهوده لينشر على الملأ شجاعة باراك وعناد عرفات – حتى لو كان هذا دقيقا جدا – ترمي الى التأثير في السياسة في اسرائيل، وحدثت اجتماعات للحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري. ولم تنقطع هذه الجهود ايضا حينما كان الرؤساء بمثابة "بط أعرج"، يقتربون من نهاية فترة ولايتهم الثانية. فقد أيد كلينتون بيرس في السنين التي كان هو نفسه فيها معرضا للانتخاب لولاية ثانية، وحارب الرئيس بوش (الأب) – في الوقت الذي كان يستعد فيه للمنافسة في ولاية رئاسية ثانية – فيما علم انه يتوقع ان يكون "حرب أواكس مع زيادة" عن اعطاء ضمانات للقروض. حتى الأكثرية الجمهورية في مجلس النواب لا تضعف بالضرورة يد رئيس ديمقراطي يشعر بالتزام حقيقي للتسوية بين اسرائيل والفلسطينيين. ويبدو أنه حتى في الفترات التي يكون فيها مجلس النواب تحت سيطرة الحزب الذي لا ينتمي اليه الرئيس، لا تكف محاولات الادارة ان تؤثر في السياسة في اسرائيل. وفي الفترات الوحيدة في العقود الثلاثة الاخيرة قبل اوباما خاصة (في السنين 1993 – 1995 و2003 – 2007) التي لم تكن فيها الولايات المتحدة منقسمة بين ادارة ديمقراطية ومجلس نواب يسيطر عليه الجمهوريون، كانت محاولات أقل للتدخل. وكذلك ينبغي ألا ننسب المحاولات القليلة للتدخل في فترة رئاسة ريغان الى حكومة مقسمة لأن حكومات مقسمة لم تقلل من استعداد الرؤساء لاظهار تدخل عميق في السياسة الاسرائيلية في السنين 1992 و1996 و1999 و2000 – 2001. فليس من الممتنع ان تكون جهود نتنياهو لاثارة مجلس نواب يسيطر عليه الجمهوريون على كلينتون قد أثارت غضب الرئيس وعززت ارادته ألا يُنتخب نتنياهو. تفضيلات الرؤساء باعتبارها عاملا حافزا ان السياسة الامريكية الداخلية بطبيعة الامر تؤدي دورا مركزيا في تحديد سياسة الولايات المتحدة العامة تجاه اسرائيل. ومع ذلك، وفي مقابل شؤون كبيع السلاح أو مقدار المساعدة، فان مجال المحاولات التي ترمي الى التأثير في السياسة الاسرائيلية هو بحيث تكون فيه تفضيلات الرؤساء أهم وأكثر تأثيرا مما هي الحال في العادة. والسبب هو طابع هذا الامر المختلف فيه. فلو ان التدخل من طرف واحد كان يتم علنا لكانت له نتائج غير مرغوب فيها في الولايات المتحدة وفي اسرائيل معا، وعلى ذلك يحاول زعماء يسعون مع كل ذلك الى احراز أهداف بواسطة التدخل في سياسة داخلية، يحاولون مضاءلة أخطار الانكشاف بسبب تسريبات. وهم يميلون الى الامتناع عن استعمال قنوات رسمية تتخذ فيها قرارات، ويحرصون على حلقة ضيقة من شركاء في السر وكذلك يصدرون أوامر شفهية بدل الخطية. ولما كانت هذه الجهود لا تستطيع ان تتم بقنوات رسمية، فانه يصعب على موظفين ان يصوغوا ائتلافات في الادارة لتقديم هذه السياسة بمبادرة منهم حتى لو كانت لهم تفضيلات واضحة تتعلق بالسياسة في اسرائيل وبمسيرة السلام. اجل انهم لا يستطيعون صد جهود تدخل لأنهم ليست لهم معلومات واضحة عن نوايا الرئيس الحقيقية. مثلا برغم ان الموظف الأرفع في مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الامريكية الذي اشتغل أكثر وقته بمسيرة السلام في الشرق الاوسط قد ارتاب في سنة 1992 ان الرئيس بوش (الأب) يحاول ان يسبب اسقاط رئيس الحكومة شمير، فانه يعترف بأنه لم ير قط شيئا حقيقيا يبرهن على ارتيابه. في ظروف مقيدة كهذه، يستطيع موظفو الادارة ان يجيزوا سياسة من هذا القبيل فقط اذا كانوا على قدر كاف من رفعة الشأن للتخلي عن اجراءات رسمية، وهكذا يضيقون الحلقة لتشمل الرئيس ومساعديه الأشد اخلاصا. ولما كان يجب على الرئيس ان يجيز وان يبادر ايضا الى المحاولة بنفسه، فان دخوله هذه الاوضاع هو نتاج تصميم كبير. وهذا الامر يصعب على اعضاء مجلس النواب ان يصدوا الرئيس اذا استقر رأيه على علم على التدخل في السياسة الاسرائيلية. ومن النادر ان يلاحظ اعضاء مجلس النواب أصغر محاولات الرئيس ان يؤثر في ميزان القوة الداخلي في حكومات اسرائيل، وهم يصدون احيانا عن محاربة الرئيس في حالات تدخل أوضح لأنه يشير اليهم أنه مصمم بقدر كاف ليعرض نفسه لخطر الخروج للمعركة. على سبيل المثال أخذ الرئيس بوش (الأب) بهذه الاستراتيجية في جهوده لابعاد شمير عن منصبه. وقد تلقى بوش معلومات فحواها انه اذا ربط منح ضمانات القروض بتجميد المستوطنات فان هذا قد يثير خلافا داخليا شديدا. ومع ذلك أقنع مجلس النواب بالتخلي عن اختلافات في هذا الشأن في ايلول 1991 وفي آذار 1992. وهدد اعضاء مجلس النواب علنا وبصورة شخصية ايضا بنضال طويل لن يحجم فيه اذا احتاج عن عرضهم بأنهم أعداء السلام. واعتمدت استراتيجية التشريع عند الادارة على افتراض مواجهة قيادة مجلس النواب مع استعمال ضغط عليها لتتخلى عن الصراع. طبيعة وأداء الرئيس باعتبارهما عاملين مؤثرين ينبغي كي نُقدر احتمالات تدخل امريكي في السياسة الاسرائيلية ان نصرف انتباها خاصا الى صفات ما عند الرئيس نفسه. فالرؤساء يظهرون ميلا أكبر الى الأخذ بتدخل من طرف واحد في اسرائيل مع وجود شرطين: أ. حينما يعتقدون ان مسيرة السلام تُرتب في مكان عال في ترتيب أولويات مصالح الولايات المتحدة؛ ب. حينما يقوم اسلوب ادارتهم على تدخل فعال. ويساعد هذان الشرطان على ان نفهم لماذا كانت جهود صياغة السياسة الاسرائيلية أقل رتابة تحت سلطة ريغان وبوش (الابن). فكلاهما عُرف بموقفه ذي الوجهين من مسيرة السلام، وبتوجه الفحص المفصل عن كل ما يتعلق باتخاذ القرارات في ادارتيهما. ان الرئيس اوباما يختلف بوضوح عن الرئيسين بوش وريغان في موقفه ومؤداه ان على الولايات المتحدة ان تكون "حاضرة طول الوقت، ومشاركة طول الوقت" في المسيرة السلمية، لأن تسويتها "مصلحة حيوية للامن القومي" للولايات المتحدة. ويبدو من جهة اخرى ان اسلوبه في اتخاذ القرارات هو بمثابة "عامل نقيض". وقد فاجأ توجهه الاداري بصفته رئيسا كثيرين من مؤيديه باعتباره مقطوعا عن موضوعات مهمة كالصحة. وقد ذكرت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ان استقرار رأي الرئيس اوباما على تعيين مستشاره القريب دانيال شبيرو لمنصب سفير الولايات المتحدة في اسرائيل يُثبت "التزاما شخصيا" للشأن الاسرائيلي، وكذلك ايضا الأنباء عن ان اوباما يخطط لزيارة اسرائيل. ومع ذلك فان تقارير مُحدثة عن ان الادارة تريد ان تنسحب "انسحابا تكتيكيا" من مسيرة السلام، تشير الى احتمال عال ان يجعل اسلوب اوباما المتباعد، ان يجعله يمتنع عن تدخل من طرف واحد في اسرائيل. تؤثر خصائص مخصوصة لطريقة تفسير الرئيس لاوضاع ما هي ايضا في تقدير احتمال تدخل امريكي من طرف واحد. ان الرؤساء يتدخلون في السياسة الاسرائيلية في حالات يعتقدون فيها – بحق أو بغير حق – ان منافسة سياسية متقاربة في اسرائيل ستكون من القرب بحيث تُمكّن من التأثير في نتائجها. وقد يكون هذا أحد تفسيرات ان طورت الولايات المتحدة توقعات تضعضع حكومة نتنياهو بعد سنة ولاية اوباما الاولى لأن الائتلاف الجديد في اسرائيل كان يُرى مستقرا كثيرا. وعلى نحو يشبه هذا، حل محل ارادة الولايات المتحدة القوية ان تؤيد حزب العمل طول التسعينيات عدم اكتراث نسبي لأن احتمالات ان يفوز برئاسة الحكومة أصبحت أضعف أكثر فأكثر. وهناك عامل ذو صلة آخر وهو هل يعتقد الرئيس ان تؤثر المنافسة في القيادة الحالية لدولة اسرائيل في مصالح الولايات المتحدة. ويُلخص هذا العامل في احيان كثيرة بسؤال هل يعتقد الرئيس ان الليكود يمكن ان يكون شريكا حقيقيا في السلام. وهذا الامر قد يفسر عدم العناية المفاجيء من الرئيس كارتر في محاولة ازالة بيغن عن مقعده لأنه آمن بارادة بيغن الصادقة ان يحرز سلاما. وعلى نحو يشابه هذا، نجحت خطة شمير في سنة 1989 في اثارة اهتمام الولايات المتحدة حتى لقد ألحت على ساسة حزب العمل ان يحافظوا على وحدة الائتلاف برئاسة الليكود وألا ينقضوه. وفي سنة 1992 رفض بوش وفريقه فكرة ان يكون شمير مستعدا للتقدم في مسيرة السلام، وأسماه بوش من وراء أبواب مغلقة أسماءا غير دبلوماسية ألبتة. لهذا فان تقريرا نشر قبل بضعة اشهر يفترض ان يُعمِل أجراس التحذير في ديوان رئيس الحكومة في القدس. ففي اثناء زيارة رئيس الحكومة نتنياهو لواشنطن في أيار 2011 كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن ان "الرئيس اوباما قال لمساعديه ولحلفائه انه لا يؤمن بأن يكون السيد نتنياهو مستعدا ذات مرة لتنازلات بقدر يفضي الى اتفاق سلام". واذا كان هذا التقرير دقيقا فانه قد يكون العلامة الواضحة على انه ينبغي ان نتوقع تدخلا امريكيا في المنافسة القادمة في رئاسة الحكومة في اسرائيل. فاذا لم يكن نتنياهو معنيا بالمقامرة على مستقبل حكومته فجدير هو ان يزن قبل ان تبدأ معركة الانتخابات ما الذي يُطلب منه كي يغير تقدير اوباما نحوه. كان اعلان موعد الانتخابات في اسرائيل نقطة تحول حاسمة في سياسة الولايات المتحدة في تلك المعركة التي لم ينتخب فيها نتنياهو لمنصب رئيس الحكومة. ومنذ أُعلنت الانتخابات في اسرائيل غيرت ادارة كلينتون التكتيك سريعا – من محاولة العمل مع رئيس الحكومة الى محاولة اسقاطه. وبين عشية وضحاها تقريبا أصدر البيت الابيض توجيهات الى الغاء التفاوض في صوغ من جديد للمساعدة الامريكية بصورة كان يفترض ان تزيد امتيازات اسرائيل، خشية ان يشير نتنياهو الى محادثات ناجحة باعتبارها علامة على ان العلاقات الثنائية تسير على ماء هاديء. الخلاصة سيكون المتغير المهم هو النضال الدبلوماسي الذي بدأ في ايلول 2011 في الامم المتحدة، واطلاق أسرى فلسطينيين مقابل اعادة الجندي جلعاد شليط والذي تمت المرحلة الاولى منه في تشرين الاول 2011. والتصور السائد هو ان تأثيرات تبادل الأسرى في مسيرة السلام محدودة في الأكثر، وهي بلا شك مؤقتة. ومن المؤكد أنها لا تعادل الاعلان عن الدولة الفلسطينية. اذا أحدثت هذه الأحداث ضغطا كبيرا على الادارة في الولايات المتحدة لتؤيد المطامح الفلسطينية وعلى منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة فتح فانها قد تندمج في ميل اوباما السابق الى الضغط على نتنياهو وقد تعطيه في الحقيقة ذريعة لذلك. ومن جهة اخرى قد تتدهور هذه الأحداث الى عنف من جديد بين الطرفين والى نهضة حماس. وهذه الحال قد تعزز مكانة الحكومة العاملة وتثني واشنطن عن محاولة التأثير في السياسة الاسرائيلية في انتخابات 2012. هناك من يزعمون ان كل محاولة من الرئيس اوباما للتدخل في السياسة الاسرائيلية قد تعمل فقط في مصلحة الليكود لأن الجمهور في اسرائيل لا يثق باوباما. ولا شك في ان الشعبية العظيمة التي حظي بها الرئيس كلينتون في اسرائيل حسنت محاولاته ان يؤثر في نتنياهو في فترة ولايته الاولى. ومع ذلك فان الرئيس بوش (الأب) – الذي لم يكن محبوبا بصورة خاصة في اسرائيل – نجح في ان يسهم في اسقاط شمير في سنة 1992. وهذا يجب ان يكون درسا لحكومة اسرائيل. لا مخالف في الحقيقة في ان اوباما أقل شعبية في اسرائيل من عدد من أسلافه لكن سيكون من التسرع من رئيس الحكومة ان يثق بهذا.